«الرئاسية» والعزل السياسى

بقلم -المستشار محمد حامد الجمل

من المسلمات، أن مشروع قانون العزل السياسى يجب أن يعرض على المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإصداره، وذلك طبقاً للبند (5) من المادة (56) من الدستور المؤقت التى تخول هذا المجلس «حق إصدار القوانين أو الاعتراض عليها»، والأرجح أن ما شاب المشروع المذكور من عيوب دستورية، وانحراف عن المبادئ الأساسية الحاكمة للمسئولية الجنائية والعقابية هو ما دفع المجلس لإحالة المشروع إلى المحكمة الدستورية العليا لإبداء رأيها فى مدى دستوريته،

ولكن المحكمة قررت عدم اختصاصها بهذه الرقابة المسبقة، بناء على قانونها، لأن الاستثناء الوحيد لذلك هو النص على مراجعتها القبلية لمشروع قانون الانتخابات الرئاسية، ونتيجة لذلك فقد عاد مشروع القانون الباطل وغير الدستورى، إلى المجلس العسكرى، وكان لهذا المجلس أن يحيله إلى الجمعية العمومية للفتوى والتشريع بمجلس الدولة لإبداء الرأى فى مدى دستوريته، وهى تختص بذلك وفق الدستور المؤقت وقانون مجلس الدولة، أو أن يختار الاعتراض المطلق على المشروع بعد إبداء الجمعية لرأيها أو قبل ذلك، كما كان من الجائز أن يعترض المجلس عليه، ويعيده لمجلس الشعب لإعادة النظر فيه بما يزيل عواره الدستورى، ولكن الغريب رغم كل ما سبقه، أن المجلس العسكرى قد وافق على المشروع، وأصدره، وليس مفهوماً لماذا وكيف اختار المجلس ذلك، وهل كان بسبب الضغط الإخوانى والسلفى عليه أم أنه اختيار تكتيكى، يترك المشروع لتقدير لجنة الانتخابات الرئاسية التى حتماً سوف تطبق أحكامه على المرشحين لرئاسة الجمهورية!!
ولقد قامت لجنة الانتخابات الرئاسية بالفعل، بتطبيق أحكام قانون العزل على الفريق شفيق، على أساس سبق شغله لمنصب رئيس الوزراء؟!
ومن الغريب أنه بعد استبعاده بعدة أيام تقدم بتظلم إلى اللجنة، مستنداً إلى عدم دستورية قانون العزل،

وقد قررت اللجنة فى الأسبوع الماضى قبول التظلم، ووقف قرارها باستبعاد المتظلم من كشف المرشحين، وقررت فى الوقت ذاته إحالة الدفع بعدم دستورية قانون العزل إلى المحكمة الدستورية للفصل فيه، وقد استندت اللجنة فى قرارها إلى أنها «لجنة قضائية عليا» فقط خلال نظرها التظلمات، وأنها «هيئة قضائية» فى هذه الحالة، وإن كانت تعتبر لجنة إدارية خلال نظرها طلبات الترشح إلا أنه بناء على أحكام المادة (28) من الدستور المؤقت، ونص الفقرتين (أ، ب) من المادة (29) من القانون رقم 48 لسنة 1976 بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا فإنه يقتضى هذه النصوص وجود دعوى أمام محكمة أو هيئة لها اختصاص قضائى، أى اختصاص بالفصل فى المنازعات وإقامة العدالة بين طرفين على استقلال، وطبقاً لقواعد الإجراءات المقررة فى القانون لنظر الدعاوى والحكم فيها، بأحكام نافذة وليس بقرارات إدارية، وبمطالعة أحكام المادة 28 من الدستور المؤقت، تجد أن الظاهر منها أنه رغم وصف المشرع اللجنة بأنها لجنة قضائية عليا فى بداية المادة فإنه نص على اختصاص اللجنة بإدارة الانتخابات الرئاسية من بدايتها إلى نهايتها، وهذا اختصاص إدارى بحت، كما أنه قد وصف المشرع قرارات هذه اللجنة صراحة بأنها قرارات نهائية ونافذة بذاتها، وقد حصنت هذه المادة القرارات التى تصدر عن اللجنة من أى طعن بأى طريق عليها، أو وقف تنفيذ قراراتها أو إلغائها، وبالتالى فإنه رغم تشكيل اللجنة من عدد من رجال القضاء
فإنها بمراعاة اختصاصها الإدارى موضوعياً تصدر قرارات إدارية نافذة، وليست أحكاماً، وقد حصنها المشرع الدستورى من أية رقابة قضائية على قراراتها، ومن ثم فإن هذا المشرع يكيف هذه القرارات بأنها قرارات إدارية، وإلا ما كان قد نص على تحصين هذه القرارات من أى طعن أو وقف لنفاذها، ومن ثم فإنها وبصرف النظر عن بطلان هذا التحصين لقرارات اللجنة تأسيساً على تعارض مع المادة (21) من الدستور المؤقت ذاته التى تحظر تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء، كما يتناقض هذا التحصين مع المبادئ الأساسية لدساتير الدول الديمقراطية، فضلاً عن إهداره أحكام القانون الدولى العام الإنسانى، وبصفة خاصة الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية، والتى تحظر مصادرة حق التقاضى أمام القاضى الطبيعى لأى سبب!! وبناء على أن التكييف الصحيح لتلك اللجنة أنها لجنة إدارية ولا يتصور تحولها من هذا الوصف، إلى هيئة قضائية بمجرد نظرها فى التظلمات والشكاوى مما يبيح لها، حسب قرار لجنة الانتخابات الرئاسية، أن تحيل تظلم «الفريق شفيق» إلى المحكمة الدستورية، مع وقف القرار الصادر باستبعاده، لحين الفصل فى دستورية قانون العزل، ومع التسليم بعدم دستورية هذا القانون، والتى سبق بيان أسبابه فى مقالات سابقة، فلابد من صدور إعلان دستورى من المجلس العسكرى بإلغاء التحصين الذى ورد فى المادة (28) سالفة الذكر، وإلغاء مصادرتها حق التقاضى من المرشحين للرئاسة، كما أنه لا تحول أحكام هذه المادة بين من ينطبق عليهم قانون العزل غير المرشحين للرئاسة، واللجوء للقضاء للطعن على عدم دستورية هذا القانون، ولأنه حالياً تتعقد المشاكل الدستورية والسياسية، ويزداد الاحتقان الشعبى، حيث يوجد الطعن فى انتخابات مجلسى الشعب والشورى، والطعن بعدم دستورية قانون العزل السياسى، والنزاع المستمر على تشكيل الجمعية التأسيسية، كما أن النزاع على أشده بين مجلس الشعب والمجلس العسكرى لإقالة الوزارة على نحو لا يتصور معه وضع الدستور قبل البت فى هذه الطعون والنزاعات، ومن ثم يجب تأجيل الانتخابات الرئاسية، لحين الفصل فى هذه الأمور الخطيرة، والله يحمى شعب مصر، ويحل أزماتها وينصر ثورتها.
----
رئيس مجلس الدولة الأسبق