رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أنوار الحقيقة

مشاكل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور

بقلم: المستشار محمد حامد الجمل

نصت المادة 60 من الدستور المؤقت علي أن يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشوري في اجتماع مشترك بدعوة من المجلس الأعلي للقوات المسلحة خلال ستة أشهر من انتخابهم لانتخاب جمعية تأسيسية من مائة عضو تتولي إعداد مشروع دستور جديد للبلاد،

في موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها.. ويعرض علي الاستفتاء الشعبي خلال خمسة عشر يوما من تاريخ الموافقة علي الاستفتاء!!! وقد كانت هذه المادة ضمن عدة مواد قامت لجنة البشري الإخوانية بإعدادها وصياغتها لإدراجها في الدستور الساداتي الصادر سنة 1971، والمعدل سنة 1980، وسنة 2007!! إلخ وقد فرضت هذه المادة بمقتضي نصها، أن يسبق إجراء الانتخابات وضع مشروع الدستور الجديد، وذلك علي خلاف المبادئ الدستورية الأساسية التي تحتم وضع الدستور قبل انتخاب البرلمان، فالدستور هو الذي ينشئ السلطات المختلفة في الدولة وليس البرلمان بأغلبيته، الذي عليه أن يضع الدستور، بل إن هذا الوضع يخالف المنطق الطبيعي للأمور، حيث إنه يتعين قبل أن يتم أي عمل أو إجراء وضع خطة لذلك، فلا يمكن بناء «كشك سجائر» دون رسم وتصميم مسبق له وتعمل مصر منذ نجاح ثورة 25 يناير الماضي في بناء النظام الديمقراطي الجديد للدولة، والذي يستلزم وجود الدستور الذي يضعه الشعب بواسطة جمعية تأسيسية خاصة، بحيث يتضمن خطة وصورة البناء الجديد للدولة، ولقد أصر حزب الإخوان علي عدم المساس بنص المادة 60 المذكورة بحجة أنها طرحت في الاستفتاء الشعبي، وهذه الحجة ساقطة ولا سند لها لأن المجلس العسكري قد عدل هذه المادة وغيرها مما طرح في الاستفتاء المذكور، ولم يقم بإعادة العمل بدستور سنة 1971 وإنما أصدر المجلس العسكري بدون أي استفتاء الدستور المؤقت، المكون من 62 مادة بينها المادة 60 المذكورة وليس ثمة أساس دستوري وشرعي لذلك سوي استفتاء المجلس

العسكري علي «الشرعية الثورية الدستورية»، التي نشأت بعد نجاح ثورة 25 يناير الماضي، وقد تولي المجلس العسكري بناء علي هذه الشرعية سلطة السيادة!! ويعيب المادة 60 نواقص ومطالب عديدة وخطيرة، بالإضافة الي ما سلف بيانه فعدد الأعضاء المحدد بمائة فقط لا يسمح حتما بتمثيل كل الأحزاب والقوي السياسية والنيابية وجمعيات المجتمع المدني، التي يجب أن تشترك جميعا في وضع أحكام الدستور الجديدة ليكون دستورا قوميا وديمقراطيا، ومعبرا عن الإرادة الشعبية العلمية وليس عن إرادة فصيل سياسي إسلامي معين حصل علي الأغلبية في مجلسي البرلمان في الانتخابات الأخيرة!! فالدستور طبقا للمبادئ الدستورية العامة في دساتير الدول الديمقراطية، هو قانون القوانين ويضعه من يمثلون الشعب بأكمله وليس فصيلا سياسيا منه أيا كانت مبادئ وأيديولوجية هذا الفصيل!! ويوجد في مصر الآن فوق الخمسين حزبا سياسيا، بالإضافة الي مئات ائتلافات شباب الثورة وحوالي 15 نقابة مهنية مع عشرات النقابات العمالية، فضلا عن الاتحاد العام للعمال ونقابة للفلاحين واتحادات للغرف الصناعية والتجارية، وحوالي خمس عشرة جامعة عامة، وذلك بالإضافة الي  رجال القضاء، والشرطة والجيش، والأقباط والنساء والمفكرين والكُتاب والفنانين والشخصيات العامة .... إلخ. وقد انتهي الاجتماع المشترك الأخير لمجلسي الشعب والشوري الي تحديد نسبة التمثيل لأعضاء البرلمان بـ50٪، وأن  يكون النصف الآخر من خارج البرلمان، وذلك بعد أن كان حزب الحرية والعدالة يقترح 40٪ فقط من داخل البرلمان!!
وهذا الذي قررته أغلبية أعضاء المجلسين يخالف ويتعارض مع نص المادة 60 ذاتها فهي تنص علي الانتخاب وليس الاختيار لأعضاء الجمعية التأسيسية، والأساس والأصل الدستوري والسياسي
والمنطقي، إنه لا يقوم الناخب بانتخاب ذاته في التشكيل، فالناخب لا يُنتخب «بضم الياء»، وبالتالي فإنه كان يتعين دستوريا الالتزام في التشكيل للجمعية التأسيسية بانتخاب كل أعضائها من غير الناخبين الأعضاء بالبرلمان، والاكتفاء بوجود عدد محدود من بين هؤلاء البرلمانيين كمراقبين دون أن يكون لهم صوت معدود في اللجنة التأسيسية، ولم تتضمن المادة 60 كذلك الشروط والمعايير اللازم توافرها في أعضاء هذه اللجنة، وهل هي مجرد شروط الناخب وفقا لقانون مباشرة الحقوق السياسية أو عضو البرلمان وفقا لقانوني مجلسي الشعب والشوري، أم يجب أن تتضمن شروطا خاصة بالكفاءة والقدرة علي العطاء في عمل اللجنة سواء من ناحية التأهيل العلمي أو الخبرة السياسية والدستورية!! ولابد من حظر السلوك المتوقع من حزب العدالة والحرية وحزب النور والتيار الإخواني والسلفي بأن ينتخب أيضا من منظمات المجتمع المدني مثل النقابات المهنية وغيرها ممن ينتمون الي هذا التيار بالإضافة الي الـ50٪ المنتخبين المحتملين من البرلمانيين من هذا التيار وبذلك يسيطر هؤلاء فقط علي الجمعية التأسيسية لوضع الدستور دون باقي القوي الشعبية والديمقراطية في المجتمع.
ولم يتضمن نص المادة 60 أيضا كيفية إجراء الانتخابات لأعضاء هذه الجمعية وقد اعتمد الاجتماع المشترك الأخير علي اللائحة القديمة لمجلسي الشعب والشوري في عملية التصويت علي أن الأعضاء في هذه الجمعية من داخل وخارج البرلمان، بينما هاتان اللائحتان كانتا قد صدرتا بناء علي مادة تفوض كل من المجلسين في وضعها طبقا لدستور سنة 1971 الذي سقط وتحتم سقوط هاتين اللائحتين معه، ولم يتضمن الدستور المؤقت نصا مماثلا ومع ذلك فإنه يتعين أن يصدر عن المجلسين قرار باستمرار العمل باللائحة القديمة لحين إصدار أو تعديل هذه اللوائح لأنها ليست المقصودة بالمادة 62 من الدستور المؤقت التي تبقي لوائح القوانين التنفيذية في العمل لأنها لائحة تفويضية من الدستور وتسقط بسقوطه وحل البرلمان!!، ولا يملك البرلمان بمجلسيه وضع القواعد اللازمة لسد النقص في المادة 60 طبقا لأحكام الدستور المؤقت بل يتعين أن يصدر بذلك قرار من المجلس العسكري لأنه الآن مازال بعد تشكيل البرلمان يملك سلطة السيادة وسلطات رئيس الجمهورية وله وحده حق تعديل أحكام الدستور المؤقت والحقيقة أنه يجب أن يصدر هذا التعديل حتي لا يبطل تشكيل وأعمال الجمعية التأسيسية، والله الموفق.

----------
رئيس مجلس الدولة الأسبق