تداعيات الثورة التونسية

بقلم - المستشار محمد حامد الجمل

استطاع زين العابدين بن علي سنة 1987 عزل الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية مستنداً إلي إصابته بالخرف وعجزه عن الحكم، وتولي »زين« رئاسة الجمهورية مع وعود بدعم الديمقراطية والعمل علي تنمية البلاد ورعاية حقوق الإنسان، ولكنه أقام حكمه علي أساس الاستبداد، والفساد العام والاستغلال وبصفة خاصة من أفراد أسرته وأسرة زوجته »الكوافيرة« السابقة ليلي الطرابلسي التي قدرت ثروتها بحوالي 20٪ من حجم الاقتصاد التونسي، وبسبب انتحار شاب جامعي عاطل اسمه »محمد بوعزيزي« بحرق نفسه احتجاجاً علي ضربه ومصادرة عربة يد يبيع عليها الخضار!! اشتعلت الاحتجاجات في بلدته، ثم امتدت في صورة عصيان جماهيري واسع إلي معظم مدن تونس وقد واجه المتظاهرون الشرطة التي قتلت منهم بالرصاص الحي حوالي خمسين وإصابة عدة مئات الشهر الماضي ولم يوقف هذا المد الثوري وصف »زين« للثائرين بأنهم حفنة من الرعاع واللصوص، ولا زيارته للشاب المحروق بالمستشفي قبل وفاته

بأيام ولا بياناته المتوالية التي انتهت إلي التعهد بالقضاء علي الاستبداد والفساد والغلاء وتطورت المظاهرات مع تزايد عدد القتلي والمصابين وتحولت الشعارات الشعبية إلي طلب استقالة »زين« وحكومته ومحاكمة أركان الفساد والاستبداد وقادة الشرطة القتلة ولم يهدأ الشعب التونسي بعد إعلان »زين« عزل وزير الداخلية ثم إقالته الحكومة، مع عدم ترشيح نفسه سنة 2014.. وقد طلب »زين« نزول الجيش للشارع لقمع الثورة بإطلاق النار علي المتظاهرين وقتلهم ولكن الجنرال »رشيد بوعمار« رفض قتل المتظاهرين ونتيجة لذلك أجبر »زين« علي مغادرة تونس مع عائلته ولم تقبل فرنسا أن يلجأ إليها، بينما قبلت السعودية ذلك!!

وإثر هروب »زين« ظهر علي التليفزيون التونسي »محمد الغنوشي« رئيس الوزراء المقالة حكومته والمكلف من »زين« بتشكيل وزارة جديدة قبل هروبه،

وأعلن أنه استناداً إلي المادة 56 من الدستور التونسي، فإنه يتولي منصب رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة، ويجري نص هذه المادة بأنه »لرئيس الجمهورية إذا تعذر عليه أداء مسئولياته أن يفوض الوزير الأول بأداء مهامه الرئاسية بصفة مؤقتة.. إلخ«.

ويشترط هذا النص أن يكون قد فوض »بن علي«، »الغنوشي« في اختصاصاته وهو ما لم يحدث، حيث خلا بيان الغنوشي من أنه قد تم تفويضه، وأنه قد استشار رئيس مجلس النواب، ومجلس المستشارين، كما يشترط النص الدستوري، بل أنه قال: إنه قد ولي نفسه الرئاسة، لتعذر أداء الرئيس لمهامه.. إلخ!! بينما كان الرئيس قد غادر تونس إلي الخارج، وليس في ذلك ما يعد تعذراً في أداء مهامه، بصفة قهرية، ويتضح من هذا السلوك من الغنوشي تعمد المغالطة في الاستناد إلي الدستور بالنسبة للمادة 56 التي استند إليها ونتيجة لهذه الفضيحة والجرأة الشديدة علي مخالفة الشرعية الدستورية، كما لم يشر إلي أي من رئيس مجلس النواب ورئيس المستشارين وهم بجواره!!

والحقيقة أنه لا يتصور أن يقود تونس سياسياً بعد التخلص من »زين العابدين« سوي عناصر وطنية من غير المتورطين في النظام السابق.

رئيس مجلس الدولة الأسبق