تأثير الإعلام علي الرأي العام وانعكاس ذلك علي السياسة الأمنية

بقلم : المستشار الدكتور/ محمد صلاح أبورجب

تمهيد : 
تحتل دراسات الرأي العام الآن مكانا مرموقا في جميع دول العالم على اختلاف نظمها السياسية ومذاهبها وأيديولوجياتها سواء على المستوى النظري أو المستوى التطبيقي.

ولقد أصبح للرأي العام فلسفته الخاصة واستخداماته في النظم السياسية المتباينة، وأصبح من المواد الأساسية التي تدرس في مختلف الجامعات في العالم، الأمر الذي يعكس الاهتمام الأكاديمي العالمي بعلوم الرأي العام( ).
هذا فضلاً عن الاهتمام بهذه العلوم من الناحية التطبيقية على مستوى الحكومات والتنظيمات السياسية، وغيرها من الأجهزة التي تتعامل مع فئات متنوعة من الجماهير يهمها أن تتعرف على آرائها واتجاهاتها فيما تقدمه من إنتاج أو خدمات.
وفي مجال الأمن فإن التنبؤ بتصرفات الناس التي تعكس آراءهم واتجاهاتهم إزاء القضايا الأمنية سبب للاهتمام بالتعرف على الرأي العام خاصة في مرحلة الكمون، حيث أن هذه المعرفة ذات أهمية بالغة من حيث ما تؤدي إليه من تفادي بعض العواقب الوخيمة.
كذلك فإن السياسيات الجنائية الحديثة وفقا لنظرية الدفاع الاجتماعي تهدف ضمن ما تهدف إلى التقليل من فرص الانحراف للأشخاص وهذا لا يتأتى بدون تعاون وتأييد وتفهم للرأي العام( ).
فالرأي العام يعكس كل ما يصدر عن أهل المسئولية من أفعال وتصرفات سواء في حياتهم الخاصة أو في نطاق مسئولياتهم العامة.
فالعلاقة الحتمية بين أجهزة الأمن والجمهور تدفعنا لكل ما يحيط بهذه العلاقة من مظاهر التركيز على دور الرأي العام في صنع السياسة الجنائية ومحاولة تحليل هذا الدور للوقوف على مدى اتفاقه أو اختلافه مع هذه السياسة( ).
ومن هذا المنطق نتناول في هذا البحث ماهية الرأي العام ومقوماته، ومدى تأثير وسائل الإعلام المختلفة فيه، ودوره في رسم السياسة الأمنية  من خلال المباحث الثلاثة التالية( ):

المبحث الأول: ماهية الرأي العام ومقوماته.
المبحث الثاني: مدى تأثير وسائل الإعلام في الرأي العام.
المبحث الثالث: الرأي العام ودوره في رسم السياسة الأمنية.

المبحث الأول
ماهية الرأي العام ومقوماته

على الرغم من اتفاق رجال السياسة والاجتماع والاقتصاد وعلم النفس الاجتماعي على أهمية الرأي العام فإنهم اختلفوا حول تعريف الرأي العام وإيجاد تعريف محدد ودقيق لهذا المصطلح ، وهذا الاختلاف حول تعريف الرأي العام يرجع إلي اختلاف النظرة للرأي العام تبعاً لاختلاف طبيعة تخصص رجال الفكر في السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد، أو علم النفس الاجتماعي. فعلماء النفس يتناولون الرأي العام كظاهرة فردية. (كيف يكون للفرد رأيه، وما هي علاقة الرأي بالاتجاه والقيم والمعتقدات)، فالرأي العام هو نسبة توزيع آراء الأفراد. بينما يتناوله علماء الاجتماع على أنه ظاهرة اجتماعية، فاهتمامهم بالرأي العام نابع من كونه ظاهرة اجتماعية، فهو النتاج النهائي لعملية التفاعل الاجتماعي بين الأفراد. أما علماء السياسة فيتناولونه باعتباره ظاهرة جماهيرية، فهم يهتمون بالدور الذي يلعبه الرأي العام في اتخاذ القرار السياسي( ).
ونعرض فيما يلي لعدد من التعريفات التي تناولت مفهوم الرأي العام في ضوء فئتين رئيسيتين:
الفئة الأولي( ):
وهي التعريفات التي تعاملت مع الرأي العام على أنه عبارة عن مجموعة من التصورات الشائعة بين الأفراد، وتركزت هذه الفئة حول النظر إلى الرأي العام على أنه مرادف للمعتقدات أو التصورات الشائعة بين الأفراد حول موضوع معين، وقد ترتب على ذلك نوع من الخلط بين الرأي العام وبعض المفاهيم الأخرى مثل العادات والتقاليد، والتي هي أنماط من الأفكار والسلوك تتناقلهما الأجيال وتتسم بطابع العمومية. إلا أن العادات ليست في ذاتها رأيا عام لأنها ليست رأيا في مشكلة معينة، فقد تتعود جماعة ما على تناول نوع معين من الأطعمة إلا أن هذا التعود لا يعد رأيا عاما، فليس الرأي العام بالرأي الجماعي كما يتوهم البعض دائماً إنما هو آراء الجماعة بشقيهما من مؤيدين ومعارضين على السواء ويختلف الإجماع التام عن الرأي العام في أن الإجماع التام يشير غالبا إلى العرف والتقاليد والعادات الشائعة، أما الرأي العام فأساسه الحوار والنقاش وتفاعل الآراء. 
الفئة الثانية:
وهي التعريفات التي تعاملت مع الرأي العام على أنه يدور حول موضوع جدلي معين أو خلافي ومن أمثلة هذه التعريفات ما يلي:
1- الرأي السائد بين أغلبية الشعب الواعية في فترة معينة بالنسبة لقضية أو أكثر يطرح فيها الجدل والنقاش وتمس مصالح هذه الأغلبية وقيمتها الأساسية بشكل مباشر( ).
2- كما يعرف على أنه "الحكم الذي تصل إليه الجماعة في قضية ما ذات اعتبار ما( ).
3- ويعرف أيضاً بأنه "وجهة نظر الأغلبية تجاه قضية معينة عامة في زمن معين تهم الجماهير وتكون مطروحة للنقاش والجدل، بحثا عن حل يحقق الصالح العام"( ).
4- ويفضل البعض تعريفه بأنه عبارة عن نسبة الموافقة أو المعارضة داخل جماعة بشأن قضية ما( ).
أنواع الرأي العام:
ونعرض لها في ضوء الأبعاد التالية( ): 
1- الرأي العام وفقا لعنصر الزمن فهناك الرأي العام اليومي أو المؤقت والذي يرتبط بحوادث أو مواقف طارئة، وينتهي بانتهائها، كما أن هناك الرأي العام الدائم.
2- الرأي العام حسب درجة ثابته، وينقسم إلى الرأي العام الثابت والرأي العام المتغير.
3- الرأي العام حسب حركته، فهناك الرأي العام الاستاتيكي أو الجامد، والرأي العام النشط أو الديناميكي، والذي ينشأ عن الرغبة في التغيير.
4- الرأي العام حسب النطاق الجغرافي. فهناك الرأي العام المحلي، والذي ينتشر في منطقة معينة، والرأي العام القومي، ويرتبط بدولة أو وطن معين، والرأي العام الإقليمي، وهو الرأي السائد بين مجموعة من الشعوب المتجاورة جغرافيا كالدول العربية والرأي العام العالمي، وتشترك فيه عدد من المجتمعات (العربية والأوربية والأمريكية).
خصائص الرأي العام :
للرأي العام خصائص عديدة، تتمثل أهمها فيما يلي( ):
1- أن يكون الأفراد الذين يعتنقون الرأي المعبر عنه على وعي به أثناء التعبير عنه:
لأن الرأي ما هو إلا ترجمة أو تعبير عن أحد الأحكام، والحكم في جوهره تأكيد لرأي. وقبل التعبير عن الرأي يوجد شيء ما في ذهن كل عضو من أعضاء الجماعة، وكذا في مشاعره لم يصل إلى حد الرأي، ويظهر الرأي وعي الأفراد عندما نواجههم بأسئلة معينة مما يكشف عن حكم كان موضع شعور غامض من قبل. وهكذا تتحدد المشاعر وتصبح الأفكار أكثر صلابة وتماسكا، ويترتب على هذه الخاصية للرأي العام أن البحث عنه من أجل اكتشافه قد يغيره أو يكونه، وقد أصبح من المسلم به في ملاحظة الظواهر الاجتماعية أن مجرد التدخل لفحص الظواهر قد يؤدي إلى تغييرها.

2- يحمل الرأي العام في طياته قصدا معينا يجعله معقولاً:
فهو يميل إلى أن يجد لنفسه مبرراً معقولا، أي يسلم بنوع معين من الموضوعية فاللغة التي تعكس خبرة الشعوب عبر تاريخها يمكن أن تسمح لنا بأن نقوم بأنواع من التمييز الهام في طريق تعبيرها عن كل الأذواق والآراء. فالأذواق وطرق كل فرد في إدراك الأنغام والألوان لا يمكن لأحد أن يناقشها، غير أنه مما لاشك فيه أنه إذا اتصل الأمر بأذواق رفيعة جداً فإن الشخص قد يبحث عن طريقة يدافع بها عنها لأنه سيفترض أن ما يبتدي خلالها إنما يحمل في طياته موضوعية القيم الجمالية( ).
والرأي ـ على عكس الذوق الذاتي ـ يمكن أن يكون موضوعا للمناقشة بل يمكن القول بأن كل مناقشة إنما هي كفاح بين الآراء المختلفة، وهذا يفسر عدم محاولة من لديه رأيا أن يفرضه بالقوة، وإنما يحاول جعل الآخرين يتقبلونه أي يحاول دعم معقوليته النسبية.
3- يتضمن الرأي العام وجود رأي أو آراء أخرى مخالفة( ):
فالمناقشة لا تضاف إلى الرأي بطريق الصدفة، وإنما ترتبط به ارتباطا وثيقا، ذلك أن الشخص لا يؤكد رأيا إلا في مقابل رأي آخر مخالف، ويمكن التعبير عن هذا بالقول: إن الرأي العام يكون دائما منقسما، أما عندما يميل إلى أن يصبح إجمالا فإنه يتحول إلى عقيدة عميقة ترتبط بالجماعة وتعد إحدى خصائصها.
فلا يمكن القول أن الاعتقاد بوجود الله ـ سبحانه وتعالى ـ يعد رأيا شائعا لدى أفراد إحدى الجماعات الدينية لأن هذه العقيدة أحد عناصر وجود هذه الجماعة كجماعة، ولكن قد تختلف آراء أفراد هذه الجماعة في بعض الأحداث السياسية أو في جدوى الاشتراك في السياسة. ومن غير المقصود استخدام اصطلاح رأي للإشارة إلى اعتقادات عميقة نحن على استعداد لأن نضحي بأنفسنا من أجلها، لأن كلمة رأي تعني في طياتها التبني المصطنع.

4- الرأي العام ليس مجرد تأكيد نظري:
إذ أنه يقع بين التأكيد النظري القائم على الاقتناع والتعقل وبين الاندفاع العاطفي الذي لا يقاوم ذلك أنه لا يوجد رأي إزاء مشكلة محايدة لا وجهة لها( ).
5- الرأي العام يعبر عن مشاعر أشخاص عاجزين وغير مذودين بالمعرفة التامة:
وعلى هذا فإن الرأي العام ينشأ بفعل قوة خاصة عندما يكون هناك اهتمامات قوية وتكون المواقف معقدة، وحيث يتأثر الناس بالنتائج المختلفة للأفعال أو الإجراءات الممكنة، دون أن يكون لديهم الوسائل الملائمة ولا الاستعداد اللازم للقيام بدراسة موضوعية عميقة للمشكلة الذي يتفاوت شعور الأفراد بها مع حاجتهم الى التزود بحجج أثناء مناقشاتهم الجدلية يدفعهم إلى اعتناق أو تأكيد آراء مميزة( )، ونستطيع أن نتصور أنصار قضية معينة ممن يعتنقون نفس الآراء يبحثون عن بعض وينظمون أنفسهم بطريقة تتفاوت في درجة غموضها، وقد يستخدمهم أحد رجال السياسة أو الصحافة في مقدمة الصفوف، لكي يظهر من جديد أنواع من التلاقي والتعارض.
6- الرأي العام ظاهرة اجتماعية:
ويظهر هذا في جماعة من الجماعات ينسب إليها كجماعة وهو ليس مجموع الآراء الخاصة فيها.
وفي ضوء ذلك فإن القضايا التي تهم الرأي العام والتي ـ أحيانا ـ لا يكون لديه معلومات كافية عنها وتكون غامضة، تساعد على انتشار الإشاعات.

المبحث الثاني
مدى تأثير وسائل الإعلام في الرأي العام

يقوم الإعلام بدور جوهري بارز في تكوين الرأي العام من خلال أجهزته العديدة المؤثرة مثل الصحافة والإذاعة والتليفزيون والسينما والمسرح والكتب ومواقع التواصل الاجتماعي التي تعتبر من أهم وسائل الإتصال بالجماهير.
إن هذه الوسائل المؤثرة تعمل متضافرة، وفي اتساق وتكامل على تكوين رأي عام في مختلف الموضوعات والظروف والأوضاع والمشاكل التي تطرح نفسها على الأذهان والتي تتعلق بمختلف النواحي السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية( ).
وسوف نفرد فيما يلي لمحة عن أثر كل جهاز من أجهزة الإعلام في عملية تكوين الرأي العام وأبعاد الدور الذي يقوم به في هذا المجال.
1- الصحافة:
يختلف دور الصحافة في تكوين الرأي العام وتشكيل اتجاهاته أو تغيره حسب أنظمة الحكم المختلفة التي تنظر إلى الصحافة من زوايا مختلفة وتتخذ منها مواقف متباينة كذلك تختلف بحسب حجم الحرية الذي تتمتع به الصحافة في كل بلد( ).
وتعتبر الصحف من أقوى وسائل الإعلام وأكثرها قدرة على تكوين الرأي العام وتشكيل وجدان الجماهير من خلال ما تنشره من مقالات وتعليقات وأخبار وتحقيقات وصور ورسوم كاريكاتورية، وتعتمد الصحافة الحديثة اعتمادا كبيراً على الصور والرسوم في التأثير على الرأي العام فالصورة البارعة والمعبرة تغني عن عشرات المقالات وتتحدث بما لا تتحدث به أقوى الأقلام. أما الرسم الكاريكاتوري فإنه يعتبر من أقوى أسلحة الصحافة الحديثة، لأنه يشد انتباه القاريء ويتأمله طويلا وينفذ بموضوعه إلى وجدانه

مباشرة، وبالتالي يحدث أثره بطريقة فعالة وناجحة.
وتاريخنا المصري شاهد على أمثلة قوة الرأي العام الذي يتكون عن طريق الصحافة فعندما اعتقلت السلطات البريطانية الزعيم أحمد عرابي، ووضعت نيتها على البطش به، ظهرت جريدة التميز تقول في صحفتها الأولى: أن عرابي يجب أن يحاكم محاكمة نزيهة، وأن يعامل معاملة إنسانية، باعتباره مقاتلا شجاعا وشريفا فاضطرت الحكومة البريطانية إزاء هذا القول أن تتراجع عن نيتها السابقة في التنكيل بعرابي( ).
2- الإذاعة:
تحتل الإذاعة، منذ اختراع الراديو مكانا هاما وحيويا بين أجهزة الإعلام المختلفة، حيث تخاطب العقول بواسطة الكلمة المسموعة بسرعة فائقة على أمواج الأثير، ولذلك اهتمت كافة الدراسات والأبحاث الإذاعية بتطوير فن الكلمة المنطوقة الذي هو فن مخاطبة الجماهير والتأثير على الرأي العام المحلي والعالمي، حيث أن موجة الأثير تدور حول الكرة الأرضية في زمن مقداره ثانية( ).
وتمتاز الإذاعة كأداة للإعلام وتكوين الرأي العام بأنها تغطي جميع الفئات من مثقفين وأنصاف مثقفين ومتعلمين وعمال وفلاحين وربات بيوت، وكذلك تصل إلى كل الأعمار وكل الميول والاتجاهات، وإلى القاعدة العريضة الضخمة من الأميين غير القادرين على القراءة وبالتالي فهي سلاح قوي لمن يجيد استخدامه، لتكوين الرأي العام والتأثير عليه بصرف النظر عن الحواجز الجغرافية والزمنية.
ومن أمثلة تأثير الإذاعة على الرأي العام في الحياة العملية ما قامت به الإذاعة المصرية خلال حرب أكتوبر عام 1973من بث إعلامها الصادق الهادف حتى اكتسبت ثقة الشعب وبعكس ما حدث خلال حرب 1967 حين كانت الإذاعة المصرية تذيع حقائق ملفقة ومصطنعة بعيدة عن الواقع، مما أفقدها ثقة الشعب وساعدت على تفكك الجبهة الداخلية في ذلك الوقت العصيب( ).

3- التليفزيون:
التليفزيون هو أحدث وسائل التأثير في الرأي العام التي تمخض عنها القرن العشرين وأخطرها أيضا لأنه يقدم الكلمة المسموعة والكلمة المرئية في آن واحد معاً.
ولقد اتضحت في السنوات الأخيرة خطورة وأهمية التليفزيون وأثره في تكوين الرأي العام، ودفع ذلك الاحتكارات الرأسمالية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى اتخاذه وسيلة لتوجيه الرأي العام لخدمة مصالحها.
وفي ظل الاحتكارات الرأسمالية التي تسيطر على هذا الجهاز في الولايات المتحدة الأمريكية، يستخدم هذا الجهاز في الدعاية لانتخابات الرئاسة الأمريكية، ويتميز التليفزيون عن وسائل الإعلام الأخرى بعدة مزايا من بينها:
أ‌- أنه أقرب وسيلة للاتصال والمواجهة.
ب‌-  أن برامجه في أغلب الأحيان محلية ومن هنا كان أكثر قدرة على مخاطبة الرأي العام والتأثير فيه( ).
4- السينما:
لقد ظهرت خطورة السينما في القرن العشرين، كأكثر وسائل الإعلام فعالية وتأثيرا على الجماهير العريضة، حيث تتعامل مع كافة طبقات الشعب وتساهم في تكوين الرأي العام والتأثير فيه.
وتستخدم السينما في الدعاية الداخلية والخارجية وتعمل على تكوين الرأي العام المحلي والعالمي على حد سواء، تجاه القضايا التي تهم الجماهير وذلك بتناول هذه القضايا بأسلوب غير مباشر عن طريق قصة محبوكة تتناول بالتحليل هذه القضايا وتحاول إيجاد الحلول الممكنة لها، وبذلك تؤثر في الجماهير دون أن تتناول القضايا بالطريق المباشر الذي قد يفقدها ثقة الجماهير( ).
وفي مجال الجريمة، نجد أن للسينما تأثيراً مزدوجا فهي تعمل غالبا على إظهار أن الجريمة لا تفيد، كما تساهم السينما بدور فعال في تربية النشيء منذ الصغر، وذلك بإنتاج الأفلام التي تخاطب عقول الأطفال والشباب، والتي تتضمن قيما ومباديء أخلاقية معروضة بأسلوب يتمشى مع عقول من توجه إليهم.
5- المسرح
إن المسرح فن جماهيري حي، يعبر عن الحياة الإنسانية في كافة أشكالها ومشكلاتها ونظمها المتباينة، وبذلك فالمسرح يعد تعبيرا صادقا عن الرأي العام يتحدث بلسانه فيعرض آماله وأفراحه وتطلعاته.
وبرغم اكتشاف أجهزة الإعلام الحديثة والقوية مثل الإذاعة والتليفزيون والسينما والصحافة وغيرها، وما صاحبها من تقدم علمي مذهل، فالمسرح مازال شامخاً يقف بين هذه الأجهزة راسخ الأقدام، مثبتا وجوده كأداة صادقة عن الرأي العام وكمؤثر قوي في اتجاهات الجماهير( ).
6- الكتب والوسائل المطبوعة:
الكتب والمطبوعات بصفة عام تمتاز على وسائل الإعلام الأخرى بعدة مزايا هامة، أولها أنها أكثر قدرة على الاحتفاظ بالمعلومات لفترات زمنية طويلة فيمكن بذلك الرجوع إليها في أي وقت، كما أنها الوسيلة الوحيدة التي تتيح للقاريء أن يحدد بنفسه الوقت الذي يتعامل معها بما يلائم ظروفه، بالإضافة إلى أنه أكثر الوسائل ملاءمة لتقديم الموضوعات التفصيلية الطويلة.
وبذلك يصبح الكتاب من أهم أدوات الثقافة والمعرفة التي تساعد على تكوين الرأي العام الناضج المستنير وخاصة إذا عمدت الدول إلى إصدار طبعات شعبية رخيصة الثمن منه، يكون سعرها في متناول القاعدة العريقة من الفقراء محدودي الدخل( ).

7- مواقع التواصل الاجتماعي:
     أحدثت التطورات التكنولوجية الحديثة في منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي, نقلة نوعية وثورة حقيقية في عالم الاتصال, حيث انتشرت شبكة الإنترنت في كافة أرجاء المعمورة, وربطت أجزاء هذا العالم المترامية بفضائها الواسع, ومهدت الطريق لكافة المجتمعات للتقارب والتعارف وتبادل الآراء والأفكار والرغبات, واستفاد كل متصفح لهذه الشبكة من الوسائط المتعددة المتاحة فيها, وأصبحت أفضل وسيلة لتحقيق التواصل بين الأفراد والجماعات, ثم ظهرت المواقع الإلكترونية والمدونات الشخصية وشبكات المحادثة, التي غيرت مضمون وشكل الإعلام الحديث, وخلقت نوعاً من التواصل بين أصحابها ومستخدميها من جهة, وبين المستخدمين أنفسهم من جهة أخرى( ).  
     وهذه المواقع هي عبارة عن صفحات ويب على شبكة الإنترنت, يخصص بعضها  للإعلان عن السلع والخدمات أو لبيع المنتجات, والبعض الآخر عبارة عن صحيفة إلكترونية تتوفر فيها للكتاب إمكانية للنشر, وللزوار كتابة الردود على المواضيع المنشورة فيها, وفرصة للنقاش بين المتصفحين, وكذلك مواقع للمحادثة (الدردشة), وهناك المدونات الشخصية التي يجعلونها أصحابها كمحفظة خاصة يدونون فيها يومياتهم, ويضعون صورهم ويسجلون فيها خواطرهم واهتماماتهم.
     ومن هذه المواقع محركات البحث وبوابات ويب ومراجع حرة والمدونات ومواقع الصحف والمجلات ومواقع الصحف الإلكترونية ومواقع القنوات الفضائية ومواقع اليوتوب حتى ظهرت شبكات التواصل الإجتماعية مثل: (الفيس بوك – تويتر – ماي سبيس – لايف بوون – هاي فايف – أوركت – تاجد – ليكند إن – يوتيوب وغيرها), التي أتاح البعض منها مثل: (الفيس بوك) تبادل مقاطع الفيديو والصور ومشاركة الملفات وإجراء المحادثات الفورية, والتواصل والتفاعل المباشر بين جمهور المتلقين.
     ويسجل لهذه الشبكات كسر احتكار المعلومة, كما إنها شكلت عامل ضغط على الحكومات والمسؤولين, ومن هنا بدأت تتجمع وتتحاور بعض التكتلات والأفراد داخل هذه الشبكات, تحمل أفكاراً ورؤى مختلفة, متقاربة أو موحدة  أحياناً, مما أثرت هذه الحوارات على تلك الشبكات وزادتها غنى, وجعلت من الصعب جداً على الرقابة الوصول إليها, أو السيطرة عليها, أو لجمها في حدود معينة( ).
     تعتبر مواقع التواصل الإجتماعية هي الأكثر انتشاراً على شبكة الإنترنت, لما تمتلكه من خصائص تميزها عن المواقع الإلكترونية, مما شجع متصفحي الإنترنت من كافة أنحاء العالم على الإقبال المتزايد عليها, في الوقت الذي تراجع فيه الإقبال على المواقع الإلكترونية, وبالرغم من الانتقادات الشديدة التي تتعرض لها الشبكات الإجتماعية على الدوام وخصوصاً موقع (الفيس بوك), والتي تتهمه تلك الانتقادات بالتأثير السلبي والمباشر على المجتمع الأسري, والمساهمة في انفراط عقده وانهياره, فإن هناك من يرى فيه وسيلة مهمة للتنامي والالتحام بين المجتمعات, وتقريب المفاهيم والرؤى مع الآخر, والإطلاع والتعرف على ثقافات الشعوب المختلفة, إضافة لدوره الفاعل والمتميز كوسيلة اتصال ناجعة في الهبات والانتفاضات الجماهيرية.
     وفي النهاية يمكن القول أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبح لها دور كبير في التأثير علي الرأي العام بشكل واضح.

المبحث الثالث
الرأي العام ودوره في رسم السياسة الأمنية

إن وضع وتخطيط السياسة الجنائية في أي بلد يعتمد بالضرورة على البيانات والمعطيات المستقلة من الدراسات الميدانية الجارية في ذلك البلد، حتى يمكن في ضوء ما تكشف عنه هذه الدراسات عن حقائق وظروف تحديد أبعاد ومسارات سياسات التجريم والعقاب والمحاكمة والإصلاح والتقويم.
وفي ضوء ما تستنتجه قياسات الرأي العام عن خصائص المجتمع وأبعاده وسمات واقعه الاجتماعي يمكن تحديد ماهية المصالح الاجتماعية التي ينبغي حمايتها ووضع أسس ومعالم السياسة الجنائية الأكثر ملائمة للمجتمع المذكور( ).
ومن هنا تبرز أهمية وفعالية قياسات الرأي العام والدراسات العلمية الميدانية في تحديد المعايير واستخلاص الأسس والمباديء التي يمكن أن تقوم عليها السياسة الجنائية في أي بلد.
ويمكن لمراكز البحث الاجتماعية والجنائية ومراكز قياسات الرأي العام أن تلعب دوراً هاما في هذا المجال باعتبارها تملك القدرات الفنية التي تؤهلها للاضطلاع بهذه المهمة المتمثلة في عمليات البحث والتحليل والتنسيق وصولا إلى استخلاص الحقائق والمعطيات التي يمكن أن تمثل الأساس الذي تقوم عليه أية سياسة جنائية قادرة على مواجهة الظاهرة الإجرامية( ).
ولن تنتفي الحاجة إلى هذه الدراسات والقياسات بمجرد الانتهاء من وضع وتخطيط السياسة الجنائية بل ستنصب هذه الدراسات والقياسات في المرحلة اللاحقة على قياس ردود الفعل الاجتماعية الحاصلة إزاء تطبيقات العديد من بنود هذه السياسة واستقصاء ما أفرزه هذا التطبيق من حقائق ووقائع حتى يصار في ضوء ذلك إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بملاقاة أوجه الخلل والثغرات في بعض جوانب السياسة المذكورة وبما يؤدي إلى ترشيد مساراتها.
ولقد أثبتت التجربة العلمية المستمدة من الواقع التطبيقي أن التشريعات الموضوعة بالطريقة المكتبية القائمة على صياغة قواعد وأحكام عقابية منقولة عن تشريعات أجنبية مطبقة في مجتمعات مختلفة ومغايرة تماما عن المجتمع الذي ينتمي إليه المشرع، قد اتسمت بالقصور والخلخلة وعدم الاتساق لعدم تفاعلها مع الواقع الاجتماعي الذي تطبق فيه وعدم استجابتها لمتطلبات هذا الواقع فضلا عن عدم مسايرتها لطبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم مسيرة المجتمع وعدم انسجامها مع القيم الاجتماعية السائدة فيه( ). 
في حين على العكس من ذلك كان حال التشريعات الموضوعة

في ضوء البيانات والمعطيات المستمدة من الأبحاث والدراسات والقياسات والتي تتناول خصائص وسمات المجتمع وتلقي الضوء على محددات واتجاهات ظواهره الانحرافة وتكشف عن أبعاد وجوانب مشكلاته الاجتماعية حيث اتسمت هذه التشريعات بالاستقرار والاتساق والتكامل لأنها وضعت سياستها الجنائية في القالب السليم المعبر عن الواقع الاجتماعي( ). 
ونخلص من كل ما سبق إلى أنه لا يمكن الحديث عن السياسة الجنائية على سبيل التجريد بل لابد من ربط الحديث عنها في نطاق بلد معين وفي إطار فترة زمنية محددة فالسياسة الجنائية التي يصلح تطبيقها في مجتمع له أيديولوجيته المعينة قد لا تصلح للتطبيق في مجتمع آخر له أيديولوجيته المختلفة، كما تختلف وتتغاير السياسة الجنائية التي يمكن أن تطبق في البلد الواحد تبعاً لاختلاف المراحل الزمنية التي يعيشها هذا البلد. ويصبح من الضروري أن نقدم صورة متحضرة وشكلا علميا لعملية قياس الرأي العام في أجهزة الشرطة ويتم هذا بالوحدات التالية( ):
1- وحدة البحوث:
تأخذ هذه الوحدة على عاتقها إجراء البحوث اللازمة لاتجاهات الجماهير المختلفة سواء على الصعيد القومي أو على الصعيد الفرعي ويتم إجراء هذه البحوث بصورة منتظمة أو حين يطلب منها معالجة موضوع معين لغرض محدد.
2- وحدة التدريب:
تكفل هذه الوحدة بإعداد دورات تدريبية منظمة وجادة لرجال الشرطة الذين يعملون في حقل الرأي العام، ويتم ذلك بالتنسيق وبالاتفاق مع الأساتذة والخبراء المختصين.
3- وحدة المكتبة والأرشيف:
يناط بهذه الوحدة العمل على الحصول على المراجع العلمية والبحوث الميدانية والمقالات ونتائج الدراسات التي تحفل بقضايا الرأي العام سواء على الصعيد المحلي أو العالمي وحفظها بالوسائل الحديثة كالميكروفيلم، وتنظيمها وتصنيفها لتكون جاهزة وقت طلبها.
4- وحدة الشئون المالية ـ الإدارية:
تقوم هذه الوحدة بتنظيم الأعمال الإدارية والمالية لجهاز الرأي العام وإعداد ميزانيته، وتمويل مشروعاته المختلفة وإعداد تقرير دوري بالإيرادات والمصروفات، ومصادر التمويل ومنافذ الصرف.
5- وحدة التقييم والمتابعة:
تختص هذه الوحدة بتقييم المشروعات المختلفة التي يقوم بها الجهاز ومتابعتها وتقديم تقرير موضوعي عنها حتى يمكن تلافي السلبيات ودعم الإيجابيات وعلى ضوء ذلك يمكن التنبؤ بالاتجاهات المستقبلية التي يتم وضع الخطط لمواجهتها.
6- وحدة التنسيق:
تتحمل هذه الوحدة مسئولية التنسيق بين قطاع الرأي العام بجهاز الشرطة والقطاعات الأخرى التي تؤدي نفس الدور داخل أو خارج الوطن والاستفادة بالتالي من تجارب الآخرين في هذا الصدد.
ويمكن عن طريق قياس اتجاهات الرأي العام تقييم استجابة الجماهير للمشروعات الأمنية ومدى الإفادة من التحركات المختلفة وبالتالي فإن هذه الدراسة تمكن المسئولين من تقييم فعالية الأجهزة الأمنية وكذلك تمكنهم من دراسة العنصر التي تجذب أنظار الناس أو تستميل أسماعهم.
ويعد الرأي العام بالغ الأهمية بالنسبة للسياسة الأمنية للأسباب الآتية( ):
أ‌- من خلاله تستطيع السياسة الأمنية أن تتعرف على الإيجابيات والسلبيات فتدعم الأولى وتعالج الثانية.
ب‌-  عن طريقه تستطيع أيضا أن تضع يدها على التقاليد والعادات التي تولد اتجاهات الرأي العام المؤيده للجريمة أو المناهضة لرسالة أجهزة الأمن وبالاشتراك مع رجال السياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم، يمكن وضع خطة لتغيير هذه التقاليد والعادات وبالتالي خلق رأي عام مناهض للجريمة ومؤيد لرسالة أجهز الأمن.
ت‌- عن طريق التعرف على الاتجاهات الرشيدة في الراي العام المتعلقة بالسياسة الأمنية وأسلوب التنفيذ ووضعها موضع الاعتبار تستطيع أجهزة الأمن تطوير سياستها وأسلوب عملها.
ث‌- السلوك الإنساني في معظم الأحوال ما هو إلا نتيجة لرأي معين أرساه الإنسان، ولما كانت أجهزة الأمن تسعى إلى تغيير سلوك الجماهير في الاتجاه الذي يساعدها على أداء رسالتها في المجتمع إذ يجب عليها أن تهتم بمخاطبة الرأي العام والحصول على ثقته وتأييده لها، بمعنى أنه إذا أرادت أجهزة الأمن من الجماهير أن يتعاونوا معها في مكافحة الجريمة أي في منع الجريمة وضبطها فيجب عليها أولا أن تهتم بخلق رأي عام مؤيد لها وفي نفس الوقت يستنكر الجريمة في كل صورها وعندئذ يكون من السهل تحفيز الجماهير على ترجمة هذا الرأي إلى سلوك متعاون مع أجهزة الأمن( ).
   ويمكن القول أن أجهزة الأمن باعتبارها جزءاً من السلطة التنفيذية تمثل أهم أداة من أدوات الدولة في فرض سيادة القانون وحفظ الأمن العام والنظام، ولن نكون مبالغين إذا قلنا أن صورة الحكومة تهتز وثقة الجماهير بها تضعف إذا اضطرب الأمن واختل النظام.
ويعد الرأي العام ذا أهمية كبيرة بالنسبة للسياسة الأمنية لأنه لا يؤثر على علاقة جهاز الشرطة بالجماهير بل يؤثر أيضا على صورة الحكومة والدولة بصفة عامة أمام المواطنين. لذلك يجب على كل رجل أمن أن يؤدي عمله وهو يضع يده على نبضات الرأي العام ويستلهم منها القوة والعزم( ).
وحري بالذكر أن الآثار المترتبة على الاتجاه السائد لدى جماهير الرأي العام والعقيدة التي تكونت في نفوسهم تعد أمر ظاهر لا يمكن إنكاره بأي حال فيما يتعلق بالكيفية والتوقيت الصادر في ضوئها القرار الذي يتخذه الشخص أو جهاز الأمن. بل إنه ليس من قبيل المبالغة تقرير ان آثار الرأي العام قد تصل في عديد من الأحيان إلى إلزم الجهة أو الشخص المناط به إصدار القرار بالامتناع والإحجام عن إصدار ذلك القرار( ).
وقد تنعكس آثار الرأي العام على القرار الأمني في إحدى صور أربع هي( ):
أولاً: أن تؤدي هذه الآثار إلى اتخاذ قرار إيجابي من قبل الشخص أو الجهة الأمنية فيتفاعل معه الجماهير ويتفاعل معها، فتؤيده وتناصره لأنه يلعب دوراً رئيسياً في تحقيق مصالحها المختلفة. ومن أمثلة ذلك قرار إعادة الانضباط إلى الشارع المصري الذي اتخذ أخيراً في ضوء حالة الانفلات الأمني ولقى استجابة كاملة من جماهير الرأي العام الواعية.
ثانياً: أن تؤدي هذه الآثار إلى اتخاذ القرار بصورة ترضي الاعتقاد السائد لدى جماهير الرأي العام، وهو أمر خطير جداً إذا حدث في هذه الحالة خروج عن الخط الموضوعي السليم لإصدار القرار استجابة لهذا التأثير الجارف، ومثال ذلك قرار السيد مدير أمن القاهرة بمنع مرور النقل البطيء بشوارع المدينة الرئيسية استجابة لجماهير الرأي العام دون أن يؤخذ في الاعتبار تأثير هذا القرار على مصدر رزقهم مما تترتب عليه عدم إمكانية تنفيذ هذا القرار بالرغم من صدوره.
ثالثا: أن يتبلور التأثير في صورة نقل مكنه إصدار القرار من الجهة الأصلية المختصة بإصداره إلى جهة أخرى، وهو أمر لا تخفي مضاره المتعلقة بتداخل الاختصاصات بل قد يحدث في بعض الأحيان نوع من الأزدواجية في الاختصاص يؤدي إلى مزيد من التوتر في حسم المشاكل المثارة( )، كأن يصدر القرار من أحد مديري الأمن ـ استجابة لجماهير الرأي العام ـ في مشكلة جماهيرية يكون اتخاذ القرار فيها من الناحية الواقعية لأحد مأموري الأقسام بحكم اتصاله بالواقع الذي توجد فيه المشكلة.
رابعاً: أن يؤدي تأثير الرأي العام إلى الامتناع التام والاحجام عن اتخاذ القرار، وتلك هي أخطر حالات التأثر بالرأي العام وبصفة خاصة إذا كانت عقيدة الرأي العام عقيدة خاطئة لا أساس لها من الصحة.
      ونلاحظ أن الحالات أو الصور الثلاث الأخيرة لكل منها خطورتها البالغة على حسن سير جهاز الأمن في علاقته بالمجتمع وتفاعله مع قطاعاته العريضة، كما تمتد هذه الآثار الضارة إلى مجال المصالح العامة للجماهير الواعية غير المضللة، ومن أجل ذلك ولدرء هذا الخطر فإننا نرى أنه يلزم الأخذ بنوع من الحلول الموضوعية في مثل هذه الحالات وبينها:
أ‌- عدم إغفال رأي الأجهزة في عملية اتخاذ القرار الأمني والاستعانة بذوي الخبرة والتخصص في هذا المضمار كأساتذة الجامعات والمهندسين والفنيين على سبيل المثال.
ب‌-  عدم المقابلة بين المواقف المتشابهة، لأنه ليس من السهل القول بأن الظروف والعوامل التي كانت محيطه بمشكلة في الماضي هي ذاتها المحيطة بالمشكلة الراهنة، فمن الخطر أن نعتمد كلية على الخبرات السابقة كمرشد للعمل في المستقبل ولكن من المفيد تحليل الخبرات السابقة للاستفادة بها دون أن تطبق بحذافيرها إذ لكل موقف ظروفه وعوامله الخاصة المرتبطة به( ).
ت‌- الاستعانة بخبراء تنفيذ القرارات الأمنية المحيطين علما بكافة الظروف والاعتبارات العملية المتعلقة بذلك، فمعلومات رجال المرور وخبرتهم وما يقومون به من تحليل لطبيعة مشكلة المرور وظروفها وأسبابها، يحقق إمكان صدور قرارا شرطيا عمليا لعلاج تلك المشكلة.
ث‌- الاستعانة بالاستطلاع لآراء الجهات والأفراد المخاطبين والذين سينفذ القرار في مواجهتهم ذلك لأن الجماهير تكون أقل معارضة في تقبل القرارات الخطيرة إذا شاركوا في اتخذها.
ج‌- الاستعانة بكافة الجهات المعاونة لتنفيذ القرار وبحسب نوعية كل قرار وتخصصه والأعمال المتعلقة به.
ح‌- الاستعانة أخيراً بكل من له دراية عامة تفيد في اتخاذ القرارات وتنفيذها( ).
ويجب مراعاة هذه الحلول الموضوعية حتى يمكن التوفيق بين الاحتمالات والظروف التي قد تدفع بجهة إصدار القرار إلى عدم تبني وجهة النظر الموضوعية والتضحية بالمباديء أو المثل من أجل الاستجابة للجماهير ذات العقيدة العامة المتكونة بصدد الموقف أو الحدث محل البحث.

الخاتمـــــــــــــــــــة
لاشك أن موضوع الاعلام والرأي العام سيظل موضوع الساعة خاصة مع ما يحدث في مصر هذه الأيام من وسائل الإعلام المختلفة والتي بلا شك تؤثر ايجابا وسلبا في الرأي العام.
      وقد تناولت في هذه الورقة موضوع الاعلام والرأي العام من خلال ثلاثة محاور تناولت في أولها ماهية الرأي العام ومقوماته، ثم بينت في ثانيها مدى تأثير وسائل الإعلام المختلفة في الرأي العام. وأخيرا عرضت لدور الرأي العام في رسم السياسة الأمنية.
      وتوصلت من خلال هذه الورقة إلي مجموعة من النتائج والتوصيات هي:
أولاً : النتائج  :
• رقى وتقدم المجتمعات يتطلب توافر مناخ من الأمن والاستقرار يشعر به الجميع دون تفرقة أو تميز، فالأمن مطلب حيوى ينشده كل البشر، وأياً ما كانت متطلباته فإنها تتفاءل كثيراً أمام حجم الخسائر المادية والمعنوية التى تنجم عن الحوادث الإجرامية فى حياة الأفراد والجماعات.
• للإعلام دور جوهري بارز في تكوين الرأي العام من خلال أجهزته العديدة المؤثرة مثل الصحافة والإذاعة والتليفزيون والسينما والمسرح والكتب ومواقع التواصل الاجتماعي التي تعتبر من أهم وسائل الإتصال بالجماهير فهي تعمل متضافرة، وفي اتساق وتكامل على تكوين رأي عام في مختلف الموضوعات والظروف والأوضاع والمشاكل التي تطرح نفسها على الأذهان والتي تتعلق بمختلف النواحي السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية.
• تبين من خلال هذه الورقة مكانة وأهمية الإعلام الجديد أو البديل مقارنة بالإعلام القديم, والدور المتميز الذي تلعبه المواقع الإجتماعية كوسيلة إعلامية متطورة, قياساً بما تقوم به المواقع الإلكترونية من دور إعلامي بارز على حساب الصحف الورقية.
• أهمية وفعالية قياسات الرأي العام والدراسات العلمية الميدانية في تحديد المعايير واستخلاص الأسس والمباديء التي يمكن أن تقوم عليها السياسة الجنائية في أي بلد.
• يعد الرأي العام ذا أهمية كبيرة بالنسبة للسياسة الأمنية لأنه لا يؤثر على علاقة جهاز الشرطة بالجماهير بل يؤثر أيضا على صورة الحكومة والدولة بصفة عامة أمام المواطنين.
ثانياً : التوصيات :
• العمل علي إثراء المواطن بالرسائل الإعلامية التي تنمي ثقافته وتربطه بقضاياه وتعميق ارتباطه بقيمه الأصليه.
• السعي لتطوير أشكال الرسائل الإعلامية الأمنية التي تخاطب المواطن وتبصره بحقيقة دوره وأبعاده في مساندة الأجهزة الأمنية تحقيقا للسكينة في المجتمع.
• يجب على كل رجل أمن أن يؤدي عمله وهو يضع يده على نبضات الرأي العام ويستلهم منها القوة والعزم.
• ضرورة تعميق الإعلام الأمنى وتوظيفه لخدمة التوعية الأمنية للقضايا الملحة ذات الطابع الأمنى التى تؤثر على الرأي العام في المجتمع. مع ضرورة أن يكون له دور في مراجعة المواد الإعلامية المذاعة والمنشورة والتى تخص جهاز الشرطة، فضلا عن ضرورة أن يكون له دور في تنظيم دورات لمعدى ومقدمى البرامج فى العلوم الأمنية وكيفية عرض الأخبار التي تخص جهاز الشرطة بشكل موضوعي لا يؤثر بالسلب علي علاقة الجهاز بالشعب. وضرورة تواجده بشكل جدى على مواقع التواصل الاجتماعى، وأن يتحاور مع الجميع مبيناً إيجابيات الجهاز، وعليه أن يستمع إلى السلبيات ويعمل على تلاقيها بالتنسيق مع وزير الداخلية.
• العمل على دعم أساليب التعاون والتنسيق بين الأجهزة الإعلامية والأجهزة الأمنية من خلال منظومة عمل متجانسة تضمن تحقيق الغايات المرجوة فى هذا المجال من خلال ترشيد الوسائل الإعلامية بكافة صورها.
• العناية بدراسة وتحليل اتجاهات الرأى العام حول الخدمات التى تقدمها الشرطة للجمهور وتلقى شكاوى المواطنين بشأن تلك الخدمات والأهتمام بمعالجتها. فهذا يساعد علي تقييم جهود التوعية المبذولة وترشيدها تحقيقاً للأهداف المنشودة وليكن ذلك من خلال إدارة متطورة لتقييم الأداء الأمني. ويمكن تسميتها “الإدارة العامة لمتابعة الأداء الأمني”، على أن تكون إدارة شرطية بها بمُكَوِّن مدني قوامه خبراء تنمية وإدارة الموارد البشرية، والعلاقات العامة، والإدارة العامة، وإدارة الأعمال، وغيرها من التخصصات التي تسهم في إرساء وتقييم وتطوير الأداء الأمني؛ استرشادًا بالأساليب والمناهج الدولية الحديثة المتعارف عليها في هذا المضمار، ويناط بها تقييم أداء مختلف أجهزة وزارة الداخلية وتحليل اتجاهات الرأي العام بشأنها، وذلك بغية تقديم خدمة متميزة للمواطنين (العملاء)، وقد يستوجب ذلك إصلاحات إدارية شاملة تنمي المهارات الأساسية لأعضاء هيئة الشرطة في التعامل مع المواطنين.
       وفي نهاية الأمر أدعو الله أن أكون قد وفقت في الإحاطة والإلمام ببعض جوانب هذا الموضوع الشائك، ولا يفوتني أن أذكر أن كل عمل بشري لابد أن يوجد فيه من النقص والهفوات التي يسبق القلم إليها أو يذهل الفكر عنها، فإن أحسنت فمن الله فله الحمد والشكر، وإن كانت الأخري فمن نفسي وسبحان من أبي أن يكون الكمال إلا له، ولا أجد في هذا خيراً من قول العماد الأصفهاني " إني رأيت أنه لا يكتب انسان كتاباً في يوم إلا قال في غده لو غير ذلك لكان أحسن، ولو زيد ذلك لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهذا دليل علي استيلاء النقص في جملة البشر".

[email protected]