ثائرة هوارة

بقلم المستشار /حمدي بهاء الدين عرفات

عندما قابلتها قدرا بنقابة الصحفيين حال انتهائى من مؤتمر صحفى هام .. عندما كنت جالسا فى البهو لانتظار أحد زملائى ورفاقى فى ثورة 25 يناير لم أكن أظن أو أتوقع أن تلك الهادئة التي لا تلفت إليها ناظرا أو تستنفر جالسا  أو يشعر بها مارا تحمل هذه الثقافة أو تمتلك تلك الإرادة أو يحتويها هذا الكم الهائل  من مفردات الثورة والإيمان بقضية هذا الشعب .

لم تلفت نظري إطلاقا حينما كنت أتحدث ثائرا معبرا عن غضبى تجاه المجلس العسكرى وتصرفاته وتصرفات بعض فصائل الثورة ومناورتها

وبعض الساسة وسقطاتهم ومر حواري معها عابرا باردا لا ينم أبدا عن حماس بلقاء آخر أو توقع بلقاء ولو  بقدر آخر.

حتى التقينا مرة أخرى بميدان الشرف ورمز الحرية (ميدان التحرير ) كانت تدعو للمشاركة في أحد الائتلافات الثورية التي خرجت من رحم ثورة القرن ...ثورة شباب 25 يناير ...وأيضا لم يلفت نظري إليها إلا قليل من حماس وبعض إصرار وكثير من نشاط ثم افترقنا دون وعد بلقاء ..

ثم التقينا مرات ومرات لافي الاجتماعات والندوات والمؤتمرات الشعبية والسياسية .. وهنا كانت البداية ...إنها ليست مجرد أنثى ..إنها بالفعل رمز لجيل الثورة ونبع التمرد على تاريخ متراكم من القهر والظلم والتقاليد البالية أنثى تعتز بنوعها وتفتخر بأنها كذلك ...ثائرة على قبيلتها وأفكارها النابعة من كهوف التخلف وتقاليد ظلمت نفسها وظلمت المرأة معها بل وظلمت تاريخ حضاري ننسبه دائما إلى صعيد مصر حيث عبق التاريخ وقداسة الفكر وحرية العلم والعقيدة وثقافة

تاريخ طالما نقول أنه علم العالم حينما لم يكن هناك أحد يعلم أو يفهم أو يدرك .

وشعرت بشيء في ذاتي يدفعني إليها ويحرضني على أن أقتحم أسرارها حتى أراها حقيقة لا كما يراها الآخرون أو كما كنت أراها قبلا ...مجرد أنثى ..فالوقوف عند هذا المعنى ظلم لها وجهل بحقيقة جوهرها .

فأعطيت نفسي الفرصة لمراقبتها ومتابعة حديثها وتسللت داخلها دون أن تشعر وفتشت في أعماقها دون أن تدري

تحدثت في السياسة فرأيتها تفهم أكثر من مشاهير الساسة وهكذا أقروا وشهدوا ونالت إعجاب الجميع بعلم غزير وعرض مثير وإرادة لا تلين

غريبة تلك الأنثى من أن لها هذا العلم والقدرة على العرض والمواجهة والمثابرة في إثبات وجهة نظرها وإيمانها بما تتبنى من أفكار

الأمر الذي دفعني للاقتراب أكثر لعلني أفهم شيئا أو أدرك سر تلك القوة الخفية التي تنطق بها ملامحها حينما تتحدث أو تحاور...

فهي لا تحفظ بعض الكلمات أو تلوك بعض الألفاظ أو تتشدق ببعض الجمل السياسية والتي

لا تدرك مخزاها ومعناها...

إثبات وجهة نظرها وإيمانها بما تتبنى من أفكار

الأمر الذي دفعني للاقتراب أكثر لعلني أفهم شيئا أو أدرك سر تلك القوة الخفية التي تنطق بها ملامحها حينما تتحدث أو تحاور...

فهي لا تحفظ بعض الكلمات أو تلوك بعض الألفاظ أو تتشدق ببعض الجمل السياسية والتي

لا تدرك مخزاها ومعناها...

إنها الإدراك والإرادة والفهم الدقيق لكثير ممايجب عليه هذا الوطن ...تشم فيها رائحة التاريخ وعبق الماضي ..إنها تملك ذكاء كليوباترا ونفرتاري وشخصية شجرة الدر والخنساء ومي زيادة .

إنها الأنثى الثائرة على تقاليد الهوارة التي تمنع خروج الأنثى من شرنقة هوارة لأن في ذلك كفر عظيم ...فلا تتعلم إلا المتاح ..ولا تعمل إلا لضرورة و لاتتزوج إلا من هواري .

إنها بالنسبة لهم الشيء لا الموضوع إنها الظل وأقل من الظل لا الأصل .. إنها التابع دائما ولا يمكن يوما أن تكون متبوعا .

إنها لديهم فقط البقرة الحلوب والعنزة الولود ...والمخلوق الموؤود إن خرج عن القيود .

تلك التقاليد التي تناقض التاريخ ..من الذي رسخها في صعيد مصر .. لم أكن معترفا بتلك الروايات التي كنت أتابعها عن تلك الأفكار العالية وكنت أظنها من قبيل التهويل والأباطيل التي تنسب لأهل التاريخ الذين يشهد لهم معبد الكرنك وأبوسمبل ..والكتاب والأدباء والساسة ...حتى رأيت هذا بنفسي ...وكم يهددني هذا الفكر البالي والتقاليد الممقوتة المتجذرة في نفوس هوارة وغيرها بلا معنى غير أنها دين آبائهم وإكان ابائهم لايعقلون ...

ورؤيتي هذه ليست ذما لأصل هوارة فأنا أمقت التعميم وأرفض الإجمال ولكن هذا مارأيته في حياة تلك الزهرة البرية والمهر الأصيل الذي جمع في خصاله طيب المنبت والأصل وحداثة الفكر وقول الفصل في الثورة والإيمان بالحرية المسئولة وبقضية شعب خرج من شرنقة الظلم والاستعباد لنور الحرية بفضل دماء شهداءه ...فتساءلت مناشدة شمس الحرية أن تشرق على هوارة فتنير عقول أهلها ...وتهدي قلوبهم ليعلموا أن الله تعالى خلق الناس سواسية لافرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح ولينظروا إلى أنفسهم في صلاتهم يقفون صفوفا أمام الله المعبود سواء بسواء ..ويجب عليهم أن يفخروا أن أرضهم أنبتت مثل تلك الزهرة الذكية الرائحة وأمثالها وإني لأراها من المنتصرين وإني لأرهم من المهتدين وبزهرتهم متباهين

وللحديث بقية