دراسة لمركز الدراسات السياسية بالأهرام حول البرلمان المقبل:

"الوفد" يلعب دوراً بارزاً فى قيادة الأحزاب الليبرالية

الوفد يلعب دوراً بارزاً فى قيادة الأحزاب الليبرالية
القاهرة – بوابة الوفد- ماجده صالح :

يبقى نجاح أو فشل أي تحالف محتمل داخل البرلمان مرهوناً بعدد الأصوات والمقاعد التي سيحصل عليها في العملية الانتخابية، وهو ما يحتاج من التحالف إلى مزيد من الجهد والعمل المنظم بين أعضائه خلال فترة السباق الانتخابي.

لذا تتوقف خريطة التحالفات تحت قبة البرلمان على خمسة عوامل رئيسية ذكرتها دراسة مهمة أعدها الدكتور يسرى الغرباوى رئيس قسم النظام السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية بعنوان: «المسارات المحتملة لتأثير مجلس النواب الجديد على التحول الديمقراطى» أشار خلالها إلى انه سوف تبلور أربع كتل رئيسية محتملة في مجلس النواب تعتمد على قوة وتماسك التحالفات الانتخابية، مشيرة إلي أن هذا العامل يعتمد على استمرار التحالفات القائمة أثناء العملية الانتخابية، وأن تستمر كما هي، بحيث تخوض الانتخابات البرلمانية كوحدة واحدة، وببرنامج واحد، وآلية واضحة ومحددة المعايير وتقوم باختيار المرشحين وتوزيعهم سواء على القوائم أو الفردي. وفي الواقع يعد هذا الأمر في غاية الصعوبة في ظل تغيير خريطة التحالفات بشكل مستمر، وفي حال نجاح أيً من التحالفات في الاستمرار، فإن ذلك يضمن له التركيز في العملية الانتخابية والبحث عن توفير موارد مالية لعملية الدعاية، ومن ثم الحصول على عدد معقول من المقاعد داخل المجلس.
وأكدت الدراسة صعوبة التوافق بين الأحزاب على الأجندة التشريعية للمجلس، حيث إن الأجندة التشريعية أجندة مزدحمة، خاصة مع عبء قيام مجلس النواب الجديد بضرورة مراجعة كل القوانين والقرارات التي أصدرتها السلطة التنفيذية في غياب انعقاد المجلس من ناحية، وإصدار العديد من التشريعات التي نص عليها الدستور الجديد من ناحية ثانية، وإصدار القوانين المتعلقة بضرورة الاستجابة إلى مطالب القوي الجماهيرية التي خرجت في ثورتين متتاليتين، أو تلك التشريعات التي ترتبط بالاستجابة إلى خطط التنمية الجديدة.
وأضافت الدراسة أن عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، بمعنى مغاير، يؤثر أيضا على الكتل البرلمانية بحيث إذا استطاع أي ائتلاف الحصول على الأكثرية البرلمانية أو جمع أكبر عدد من مقاعد المجلس، فسيضمن له ذلك ليس فقط تشكيل الحكومة ولكن السيطرة أيضًا على اللجان البرلمانية، مما يعطيه ميزة في فرض أجندته التشريعية على أعلى قمة السلطة التنفيذية. كذلك شكل العلاقة بين السلطة التنفيذية والبرلمان، فكلما كانت هذه العلاقة تعاونية أدى ذلك إلى قلة عدد التحالفات البرلمانية ضد الرئيس، وهو ما سيؤدى في النهاية للعمل بصورة أكثر تجانسًا بين السلطة التنفيذية والتشريعية، و العكس تمامًا إذا اتسمت العلاقة بين البرلمان والرئيس بالانقسام والاختلاف، حيث ستحاول السلطة التنفيذية اختراق الكتل البرلمانية القائمة والعمل على تفتيتها، أو تتحالف الكتل البرلمانية فيما بينها ضد الأجندة التشريعية للسلطة التنفيذية.
وذكرت الدراسة أن عدم ارتباط الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤسسيا بأي حزب، وهو ما سيقف حائلاً، وحصنًا منيعًا، أمام أي محاولات من البرلمانية لتقييده أو عرقلة الخطط التشريعية التي ينوى القيام بها، لتسهيل تحقيق برنامجه الانتخابي. وقالت الدراسة أن بناء علي هذه العوامل الخمسة، فإن تركيبة مجلس النواب الجديد، ستتجاذبها الأحزاب الوريثة للحزب الوطني، والأحزاب ذات المرجعيات الدينية في حال قدرتهما على الحشد والتعبئة، وامتلاكهما موارد مالية وخبرات انتخابية سابقة، والأحزاب التي تشكلت بعد قيام ثورة 25 يناير 2011 والتي لا تزال نخبوية وتفتقد القواعد الجماهيرية.
وتوقعت الدراسة أن تظل تركيبة المجلس القادم مضطربة، وربما أسيرة للصفقات والتحالفات الانتخابية، ولا سيما بعد فشل التيار المدني في تدشين

تحالف للم شمل الأحزاب المدنية لخوض واحدة من الانتخابات المصيرية بقائمة موحدة على المقاعد المخصصة للفردي والقائمة. مشيرة إلي انه سيظل المحدد الأهم الذي سينعكس على أداء مجلس النواب هو مدى قدرة أي من هذه التيارات على الدخول في ائتلاف يُمكنها من حيازة الأكثرية داخل المجلس، حتى يتسنى له تشكيل الحكومة، وفق القواعد الدستورية, وهو الأمر الذي بلا شك حال تحققه سينعكس على الاستقرار المؤسسي بشكل كبير.
توقعات بأربع كتل برلمانية
توقعت الدراسة بتشكيل أربع كتل رئيسية تشكل البرلمان القادم وهى «كتلة المستقلين» فنظريًا، أعطي قانون مجلس النواب فرصة للحزبيين لخوض الانتخابات على المقاعد الفردية، والعكس. كما حظر القانون على المرشحين حزبيين أو مستقلين أو أصحاب الكوتات التي نص عليها الدستور تغيير الصفة الانتخابية تحت قبة البرلمان. ولكن في ظل حالة الوهن والضعف التي تعتري التحالفات الحزبية، فمن المتوقع أن تخوض الأغلبية العظمى من المرشحين الانتخابات مستقلين على المقاعد الفردية، حتى لا تقع تحت سيطرة رؤساء الأحزاب والتحكم في ترتيبهم داخل القوائم من ناحية، أو تحت طائلة القانون في حال حدوث انشقاق عن الأحزاب التي قامت بترشيحهم في العملية الانتخابية. كما ينوي عدد كبير من أصحاب النفوذ القبلي والعائلي الذين كانوا ينتمون للحزب الوطني المنحل الدخول في سباق الانتخابات كمستقلين، خوفًا من الانتماء إلى بعض الأحزاب المنبثقة من الحزب الوطني، وذلك تلافيًا لأي حملات مضادة من مرشحين آخرين. مشيرة إلي أن الأكثرية العددية تحت قبة البرلمان من المستقلين، وهو ما يذكرنا ببرلمان 2005 حينما فاز عدد كبير من المستقلين عن مبادئ الحزب الوطني في الانتخابات حينها ثم قام الحزب بضمهم إليه مرة ثانية، ولكن في هذه المرة، لن يستطيع أي حزب القيام بمثل ما قام به الحزب الوطني، وذلك لأنه لن يستطيع أي حزب تشكيل الحكومة منفردًا من ناحية، كما أن رئيس الدولة يتمتع بصفة الاستقلال ومن ثم سيسعى بعض الأعضاء للحفاظ على صفتهم المستقلة أيضًا تحسبًا لقيام الرئيس بتغيير رأيه وتكوين حزب سياسي، في ظل مطالبة البعض الرئيس بذلك، حتى يكون له ظهير سياسي وبرلماني يساعده في تنفيذ رؤيته الانتخابية، وطموحه بالاستجابة إلى مطالب الملايين من المصريين.
وقالت الدراسة «كتلة أحزاب ما بعد الوطني» أيضا من ضمن الكتل المتوقعه أو ما يطلق عليه إعلاميًا بورثة الحزب الوطني، وأغلب هذه الأحزاب تنتمي إلى ائتلاف «الجبهة الوطنية» بزعامة الفريق أحمد شفيق، الذي ما زال يتمتع بتأييد من بعض العائلات والعصبيات القبلية في شتى أرجاء مصر. ويمتلك هذا التحالف، أدوات وخبرة وموارد مالية تؤهله بالفوز بحوالي 25% من مقاعد البرلمان الفردية والحزبية. وذلك لاعتبارات عدة، منها ضعف بعض الأحزاب المنافسة. وفشل النخب الليبرالية والمدنية الثورية في إيجاد رؤية موحدة بالإضافة إلى الانقسامات والتشرذم الذي اعتراها قبل وأثناء وبعد حكم جماعة الإخوان المسلمين. وثالثًا الدور الإيجابي الذي لعبه بعض أنصار الحزب
الوطني في التخلص من حكم جماعة الإخوان في ثورة 30 يونيو 2013. ورابعًا، خفت وطأة حدة التقسيم الثوري، بمعنى انتهاء الصراع المجتمعي حول من ينتمي لمعسكر الثورة ومن لا ينتمي إليه، وأصبح الناخب يسعى وراء من يستطيع أن يحقق مصالحه المباشرة أولا، ثم المصالح القومية في مساعدة الرئيس في الحفاظ على الدولة الوطنية ثانيا.
«كتلة الأحزاب المدنية والليبرالية،» وهى الثالثة كما تقول توقعات الدراسة، وأشارت إلي انها قديمة- جديدة، فبعضها يعود في نشأته إلى ما قبل ثورة 25 يناير 2011، ويعتمد على ميراثه التاريخي مثل الوفد والتجمع والناصري، والبعض الآخر نشأ بعد الثورة مثل الديمقراطي الاجتماعي والمصريين الأحرار. وقد تنجح هذه الأحزاب في حصد حوالي 20% من مقاعد المجلس، وستحاول هذه الأحزاب جاهدة في ضم عدد من المستقلين إليها، وهو ما حدث أيضًا في برلمان 2012 من قبل حزب الوفد والمصريين الأحرار .
وتكمن مشكلة هذه الأحزاب في أن تصورها لنفسها أكبر بكثير من حجمها الطبيعي على الأرض، وقالت الدراسة إن حزب الوفد يلعب دورا بارزا وما زال يقدم نفسه على أنه البديل الأفضل والأكثر جهوزية لحكم مصر، مستندًا في ذلك إلى الميراث الشعبي والتاريخي لتوليه رئاسة حكم مصر في الحقبة الليبرالية التي سبقت ثورة 23 يوليو 1952. لذلك قام الحزب في الفترة الأخيرة بضم عدد كبير من الرموز الوطنية والسياسية التي تتمتع بشعبية إعلامية . منتقده بعض الأحزاب السياسية الليبرالية والمدنية الاخرى التي سرعان ما يحدث بداخلها انقسام، ويتم إعادة تدويرها مرة ثانية تحت مسميات جديدة بنفس الأسماء والنخب، التي لا تمتلك رؤية سياسية أو للحياة الحزبية في مصر. ناهيك عن أن الشارع مازال تحت تأثير العمليات الانتخابية السريعة التي تمت خلال السنوات الأربع الماضية، وسيطرة إما رجال الأعمال أو الجماعات الإسلامية على تنوعها.
كتلة الأحزاب الإسلامية هي الكتله الخامسة التى أيضا ذكرتها الدراسة وهي تلك الأحزاب التي انبثقت من جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية، مثل مصر القوية والوسط، والأصالة، بالإضافة إلى حزب النور. وتعتمد هذه الأحزاب على ماكينة إخوانية كبيرة تتمتع بخبرة واسعة في إدارة العملية الانتخابية التي تستغل ليس فقط الدين ولكن أيضًا لديها قدرات مالية ضخمة من خلال امتلاكهم عدداً كبيراً من الجمعيات القائمة على أعمال الإعانات الشهرية، أو تلك التي تقدم خدمات طبية للمواطنين بأسعار رمزية. وتوقعت الدراسة أن تشكل هذه الكتلة ما يتراوح بين 15 إلى 20% على حد أقصى، وذلك نتيجة لاعتبارات عدة، من بينها حجم وعدد ونوعية عمليات العنف والإرهاب التي وقعت منذ 30 يونيو 2013 بعد التهديدات التي شهدها ملايين المصريين من اعتصام الإخوان والتيارات الموالية لهم في ميداني النهضة ورابعة العدوية. واستقواء جماعة الإخوان والتيارات المتحالفة معها بالخارج، وهو ما تجسد في التحريض والتطاول من تركيا وقطر على الدولة المصرية. وثالثًا، الحرب العالمية على الإرهاب والتي تدور رحاها في منطقة الشرق الأوسط وعلى أراض عربية، بعدما قدم مجموعة من التكفيريين صورة مغلوطة عن الإسلام والمسلمين. ورابعًا، ما يحدث في ليبيا من تفكك لبنية الدولة وسيطرة الإسلاميين المتشددين على منابع النفط والدخول في حرب أهلية مع الجيش الليبي. وخامسًا، حالة العداء بين الإسلاميين والنظام السياسي الجديد، وأيضا مع مؤسسات الدولة الوطنية المصرية. وانتهت الدراسة مؤكدة أن كل العوامل السابقة ستجعل الناخب المصري يفكر مرات عديدة قبل أن ينتخب من يستطيع أن يفصح عن انتمائه السياسي للأحزاب ذات المرجعية الدينية، وهو ما سيدفع القوى السياسية إلى التنافس على المقاعد الفردية في أغلب الأحيان، أو تشكيل قوائم أساسية وأخرى احتياطية لتلافي الملاحقات القانونية والشعبية لمرشحيها.
وانتهت الدراسة أيضا مؤكدة انه لن تخرج تشكيلة البرلمان القادم من الكتلة الأربع سالفة الذكر، ويبقى عدد المقاعد التي ستحصل عليها كل كتل متوقفًا على نجاح كل كتلة في التعامل مع الشارع المصري الذي بات أكثر وعيًا بأهمية وخطورة دور مجلس النواب الجديد في المرحلة الانتقالية التي تعيشها الدولة المصرية، ولاسيما في ظل منطقة يعاد تشكيلها من جديد لخدمة أهداف خارجية، والتي يقع في القلب منها الحفاظ ليس فقط على أمن إسرائيل، ولكن استمرار دوران أغلب دول المنطقة في فلك الولايات المتحدة الأمريكية.