مكتسبات‮ يحيي‮ ‬من الثورة‮: ‬رصاصة في‮ ‬ظهره

كتبت ـ دعاء البادي‮:‬


صمت الحجرة الضيقة والضوء الخافت المتسلل من نافذة تعلو سريره،‮ ‬يزيدان صدي‮ ‬ألمه‮.. ‬صراخاته ليلاً‮ ‬تؤرق نوم جيرانه بعد استيقاظ صغاره فزعاً‮..

أرجوك لا تتخيل أن ما ستقرأه نسج خيال لجذب مزيد من القراء،‮ ‬أو أن ما سنسرده حدث في‮ ‬العهد الغابر الذي‮ ‬سقط بصعود الثورة‮.‬

كان قراره بزيارة خاله القاطن بمنطقة حلوان‮ ‬يوم‮ ‬29‮ ‬يناير آخر القرارات التي‮ ‬اتخذها في‮ ‬حياته،‮ ‬ليترك بقايا النظام المتعفن بعد هذا التاريخ تنخر في‮ ‬جسده العليل‮.‬

رصاصة تعرف جيداً‮ ‬مقرها في‮ ‬جسد‮ ‬يحيي‮ ‬أحمد ماهر استقرت بظهره خلال سيره إلي‮ ‬وجهته،‮ ‬بعد أن حمسته صرخات الحرية للانضمام معها وشجعته أكثر معيشته البائسة للثأر من نظام جعله بعد خمسة وعشرين عاماً‮ ‬من العمل كسائق لا‮ ‬يستطيع توفير أبسط احتياجات أسرته‮.‬

شهران قضاهما في‮ ‬مستشفي‮ ‬حلوان العام للعلاج لكنه اكتشف من من معالجيه ضرورة نقله إلي‮ ‬مستشفي‮ ‬قصر العيني‮

‬لخطورة حالته،‮ ‬توجه الي‮ ‬قصر العيني‮ ‬حاملا رصاصته التي‮ ‬رفضت الخروج من جسده الأربعيني‮ ‬لتبقي‮ ‬شاهد إثبات علي‮ ‬وحشية نظام كانت لديه الرغبة في‮ ‬قتل جميع المصريين من أجل بقائه‮.‬

حالته النفسية السيئة وقصور في‮ ‬الدورة الدموية أوصلا ساقيه الي‮ ‬الإصابة بجلطة،‮ ‬ونتيجة لتردي‮ ‬الحالة الصحية قرر الأطباء بعد مكوثه خمسة عشر‮ ‬يوما بالمستشفي‮ ‬الحكومي،‮ ‬بتر الساقين ولكن بعد تناول عقاقير معينة لمدة أسبوع اشتراها علي‮ ‬نفقته الخاصة،‮ ‬كما أخذ المستشفي‮ ‬لتر دم من أحد أقرباء‮ ‬يحيي‮ ‬لاستخدامه خلال إجراء العملية‮.‬

نصحه الأطباء بالمكوث في‮ ‬المنزل لحين مرور الأسبوع،‮ ‬وبعد انتهاء الفترة التي‮ ‬تآكلت خلالها أصابع قدمه اليسري،‮ ‬توجه إلي‮ ‬المستشفي‮ ‬لإجراء عملية بتر الساق إلا أنه صدم بعبارة‮ »‬مافيش سرير لك‮« ‬تقبل

موقف المستشفي‮ ‬كما تقبل من قبل فساد ثلاثين عاما،‮ ‬ليعود إلي‮ ‬حجرته الضيقة بعد ثلاثة أشهر من إصابته محملاً‮ ‬برصاصة في‮ ‬ظهره وتعفن بساقيه وجرحاً‮ ‬في‮ ‬حبه لمصر‮.‬

لم تترك زوجته باباً‮ ‬من تلك الأبواب التي‮ ‬فتحت أبواقها لتعلن عن علاج جرحي‮ ‬الثورة،‮ ‬لتبقي‮ ‬هي‮ ‬وصغارها الثلاثة أمام جسد‮ ‬يتآكل ودون دخل‮ ‬يكفيهم الحاجة،‮ ‬مما اضطرهم لبيع أثاث الحجرتين اللاتين تؤويهم‮ »‬باعنا كل حاجة حتي‮ ‬الدولاب‮« ‬هكذا‮ ‬يصف‮ ‬يحيي‮ ‬تردي‮ ‬وضعهم المادي‮.‬

أطفاله امتنعوا عن الذهاب لمدارسهم توفيرا للنفقات،‮ ‬فالتعليم في‮ ‬مثل حالتهم رفاهية لا‮ ‬يحتاجون إليها‮.‬

لم‮ ‬يفكر‮ ‬يحيي‮ ‬في‮ ‬اللجوء الي‮ ‬المسئولين لعرض مشكلته،‮ ‬فصدمته كانت أكبر من التفكير في‮ ‬ذلك كما ان حالته الصحية أصعب من‮ »‬اللف‮« ‬علي‮ ‬مكاتب البيروقراطية،‮ ‬لتبقي‮ ‬الحجرة الضيقة محاصرة لرجل لم‮ ‬يفعل شيئاً‮ ‬سوي‮ ‬إيمانه بثورة لم تعطه شيئاً‮ ‬علي‮ ‬حد تعبيره‮.‬

زوجته باعت كل الأثاث ما عدا التلفاز فقد أصر‮ ‬يحيي‮ ‬علي‮ ‬الإبقاء عليه مقابلا لسريره،‮ ‬ليتسني‮ ‬له تأمل تلك الوجوه المنظرة للثورة والتي‮ ‬دفع هو ثمن جلوسها أمام الكاميرات من جسده الذي‮ ‬لم‮ ‬يجد في‮ ‬هذا الوطن الفسيح سريراً‮ ‬ليعالج عليه‮.‬

أهم الاخبار