رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

شهادات أطفال في التحرير تكذب الجميع!

الصفحه الاخيرة

الجمعة, 23 ديسمبر 2011 16:04
شهادات أطفال في التحرير تكذب الجميع!
كتب ـ عبدالوهاب شعبان:

تستتر البراءة خلف أوجاعهم، تقرأ في أعينهم متون الهوان بـ«الوطن» حاضره ومستقبله، جزاءاً وفاقاً كما هانوا عليه، تعرف في وجوههم التي ودعت ربيعها في ريعانه، معني «الحياة المستعارة»،

إذا رأيتهم من مكان قريب سمعت لهم تغيظاً من لظي الحرمان، وزفيراً من جفاء العمر.
مرآة الحاضر لدي أطفال ميدان التحرير تعكس تعاسة المستقبل، وتغلق دون الأماني المترنحة صفحة الأمل.
وحده الميدان الذي يقبل من أتاه ثائراً، أو زائرا، فتح لهم ذراعيه، يلتحفون بسمائه، ويفترشون أرضه التي يذهب بـ«صقيعها» دفء دماء الشهداء..
حضر المعروفون لدي النخب المستهلكة بـ«أطفال الشوارع» علي دفتر الفضائيات، أدخلتهم السلطة في معادلة، خاصم طرفاها التكافؤ، وأثقلت ظهورهم التي قصمتها الأيام، بـ«تهمة» التورط في إشعال حرائق «المجمع العلمي»، تاركة لـ«أبواقها» مساحات أوسع من الاغتيال المعنوي لـ«آدميتهم» التي ضلت طريقها إلي أذهانهم، وأسرفت في إطلاق مخبريها لـ«اختطافهم» وتسليمهم الي جهات الأمن، في الوقت الذي ضنت فيه السلطة بـ«سكن» يحفظ أجسادهم.
الطريق إلي الحوار مع أطفال التحرير، لم يكن مفروشاً بالورود، التوقيت مغامرة غير محسوبة، إزاء حذر من الركون إلي أشخاص لا يعرفونهم، والأصعب في رحلة اختراق مجتمع «الهامش» علي متن «الميدان» هو التقاط الصورة، الرغبة في منحهم حق التعبير عن أنفسهم، غلبت الخوف من الاشتباك غير محمود العواقب يبطل العجب في ذلك إذا علمت أن بعض شباب الميدان بصدد تكوين «لوبي» من الأطفال لـ«تمرير» أعمال منزوعة المشروعية..
علي مقربة من سيدة في عقدها السادس، تنتظر الاتوبيس المتجه إلي القلعة، يقف 3 أطفال، ضربة البداية مقياس حقيقي لـ«نجاح الفكرة»، والفشل القريب في التواصل، كفيل بـ«إغلاق» صفحة استكمالها.
سلام عليكم، إزيك ياكابتن، ممكن أتكلم معاكم شوية، هكذا بدأت الحديث، تراجعوا، واصلت القول «أنا صحفي متخافوش» أنا عايزكم تردوا علي الاتهامات اللي بتقول إنكم بلطجية.
أنصتت السيدة، تدخلت قائلة متخافوش ياولاد، وأردفت إنت عاوز إيه يابني بالضبط، شرحت في إيجاز فكرة الموضوع.
اسمي محمد هاني، كان ذلك هو مفتتح الحديث مع أول أطفال التحرير، مصحوبا بـ«شجاعة الطفل» الذي قال في معرض حديثه أنا هتكلم معاك زي ما أنت عايز، ومش خايف من حاجة..
محمد ذو الـ11 عاماً، لم يدخل مدرسة علي الإطلاق، وانفصل والده عن والدته منذ 3 سنوات، ولديه 4 إخوة، 3 أولاد وبنت، يقول «أنا عايش في المطرية، وبشتغل فكهاني، بكسب 5 جنيهات في اليوم، مكنتش اعرف يعني إيه ثورة، كنت فاكرها يوم وهيعدي، وجيت الميدان من يومين، وزعلت لما عرفت إن الجيش بيضرب الناس اللي عملت الثورة».
أحلام محمد التي تشبه براءته تماما، تتلخص في أن يكون إنساناً علي قد حاله، ولما يكبر هيدي المحتاجين ومش هيكره حد رغم أنه كان نفسه جداً يطلع مدرس.
نجاح تجربة الحديث، دفعت الي استعمال الأسلوب ذاته، والذي يأتي في استقطاب شخص ذي قبول للمساندة أثناء الحوار.
محمد محمود القط، 15 سنة، مدخلتش المدرسة وبلدي المنصورة، بهذه العبارة افتتح

محمد حديثه، الذي كان مصحوباً بتدخل أحد الشباب لـ«إقناعه» بجدوي الحوار قائلاً: «اسمع يامحمد، الراجل ده بيعمل كده علشان يخدمكم ويحل مشاكلكم، لازم تتكلم بصدق».
يسترسل القط قائلاً.. والدي متوفي، ووالدتي متزوجة، وعندي أخت كبيرة عني وأخ، وأمي قعدت سنتين واتجوزت علشان مش لاقية مصاريف.
وعن رحلته إلي الميدان يستطرد قائلاً «جوز أمي لعب في دماغي وقال لي روح ميدان التحرير، اليومية هناك بـ25 جنيها، وصلت الميدان قبل أحداث محمد محمود، واشتغلت علي نصبة شاي، ولما جات أحداث محمد محمود، ضربت طوب من ناحية شارع الفلكي علشان اخواتنا الشهداء، ومحدش اداني فلوس.
ويضيف القط «هديت الأوضاع، ورجعت اشتغل تاني علي «نصبة شاي»، وكنت بنام في الجامع لحد ما الجيش دخل علينا».
«وبدأنا نضرب طوب لما يضرب علينا».
محمد القط الذي كان يعمل حدادا في المنصورة قبل مجيئه إلي القاهرة، لم يكن يعرف شيئاً عن الثورة، وعقب وصوله علم أن شهداء سقطوا، والقصاص لهم واجب.
أحلام القط، تشبه بساطة ملامحه، ويلخصها في فتح ورشة يقوم فيها بـ«دور المعلم» ويشغل الناس معاه، دون الحاجة الي السياسة ومفاهيمها، والأمر الذي كرهه في التحرير هو ضرب الحريم.
علي خطي قرنائه، مشي نادر معوض 14 عاما، غير أن اختلافا جوهريا بدا في حديثه هو «نبرة الأسي» المصحوبة بـ«دمع» من خلائقه الكبر، «سبت المدرسة بعد سنة 4 ابتدائي، أبويا هو اللي طلعني علشان كنت بهرب منها» هكذا بدأ، مستدركاً «بقالي 9 سنين مشفتش أمي، أنا كنت عايش في منيا الصعيد، وجيت القاهرة من شهرين، كنت شغال في ورشة ميكانيكا، بس صنعتي الأصلية الرخام».
رحلتي إلي الميدان، سببها «إنه المكان الوحيد اللي في عيال بتبات، واتعرفت هنا علي عيال أكثر من اخواتي، واشتغلت مع واحد بياع شاي».
زعلان جداً من الناس اللي قالت علينا بلطجية، واحنا كنا عايشين أحسن من ولادهم، بس ظروفنا كده، والحديث لـ«نادر» ضربنا طوب في أحداث محمد محمود، من غير فلوس، وأصبت في رجلي ورأسي وبرضه كنت بضرب.
يستطرد نادر قائلاً: عرفت إن فيه ثورة في مصر من التليفزيون وأنا مبسوط بقعدتي في التحرير، وبقول للناس اللي بتقول علينا بلطجية «الله يسامحكم».. واللي بيقول بناخد فلوس ييجي يشوف مين بيدينا..
نادر الذي رفض الصورة، خوفاً من تتبع والده، لا يعجبه شيء في الميدان، وأمله الوحيد الذي أعلن عنه محاط بـ«الشوق» هو رؤية إخوته، ليختتم قائلا «نفسي أشوف إخواتي أوي»..
يختلف علاء الدين أحمد محمد «11 عاما» عن أصدقائه، لا يخشي من التصوير،
ولا يؤرقه خلو الميدان والعودة إلي المنزل، يقول «كنت في سنة رابعة وجبت ملحقين وسبتها، وأبويا قال لي عايز تخرج اخرج»..
أنا ساكن في الطلبية، والحديث لـ«علاء»، وجيت الميدان من شهر، أمي جات خدتني أول امبارح، وأنا سبتها ورجعت.
ويستطرد قائلا: أنا أكبر واحد، وأبويا عارف إني قاعد هنا، والميدان أحسن من بيتنا، والجيش لو مشي، هنمشي من الميدان.
يقول علاء.. صحيح فيه عيال أخدت فلوس ورمت طوب، بس والله مش احنا، احنا بنشرب سجاير بس، إنما «كلة.. لأ».
أحلام علاء تسير في طريق رفاقه، كل أمله إنه يشوف اخواته كويسين، وأخوه يبقي متعلم وميشربش سجاير، واصرف ع البيت.
براءة علاء تجلت في إعجابه بـ«الأشخاص» الذين يعطونه «بطاطين»، وكراهيته لـ«الذين» يتسللون الي الخيام ويعملونحاجات وحشة تحت البطاطين..
وعند أحمد محمد الدسوقي ذي الـ14 عاماً، تتشابه الحكاية في مجملها لكن أحمد القادم من طنطا إلي الميدان، منذ أسبوعين لا يعرف معني «الثورة»، ولا اسم المبني اللي ولع، ويتلخص حبه للميدان في «الناس» اللي بتديله «سندوتشات» وأصحابه اللي بيلعب معاهم.
إلي جوار «نصبة الشاي»، المتواجدة أمام «الصينية»، جاء حاملا «قطعة خشب» مشتعلة من أعلي، وينفخ فيها كلما تنطفئ، اسمك إيه هكذا قلت له، رد بابتسامة مطبوعة بـ«اللا مبالاة»، حسين، بتعمل إيه يا حسين؟
مبعملش حاجة، عايز أحارب الناس..
حسين محمد إسماعيل 11 عاماً، في الميدان مقيماً منذ شهرين يكره البيت، ومدخلش المدرسة..
يقول حسين ابن الدويقة «عايز أحارب الجيش، علشان كان معانا ورجعوا في الآخر يحاربونا، وبضرب طوب علشان بكرههم».
«والحديث مازال له» أنا مبحبش حد خالص في الدنيا دي، غير ربنا، مبحبش أبويا وأمي، ومش فارقة معايا حاجةو لو قبضوا علي حتي، أصل النوم في السجن، زي هنا، زي أي حتة».
ويستطرد قائلا «عادي لو هما بيقولوا علينا بلطجية، يبقي احنا بلطجية، ولو واحد قال لي خد فلوس، وارمي طوب هتف في وشه، واخد الفلوس واجري».
معنديش أحلام، ومش عايز حاجة، هكذا تحدث عن مستقبله قائلا «لو لقيت حد يعلمني، بس ميضربنيش، هبقي كويس ولو الميدان اتفض هروح الحسين، وأنام في الجامع».
حسين، أتي بصديقه هشام ربيع، علشان يتكلم، وبيقول هشام 11 سنة، لأم مسافرة الأردن، وأب شغال قهوجي، مشكلته حسبما أفاد، أن والده لا يرغب في سفره إلي والدته يقول هشام.. أنا قاعد في الميدان من شهرين، مش عايز أطلع حاجة ولو الميدان كله مشي، هفضل قاعد»..
أما صهيب معتز، الذي يبدو اسمه «مستعارا» مثل حياته، ذو الـ15 عاماً، لم يفرح بالثورة، التي اعتقد أنها قامت من أجله، ثم اكتشف أنها أدارت ظهرها، مثلما أداره الوطن منذ النشأة.
يقول صهيب «حرمت اضرب في الجيش، علشان خدت «بليه» في رجلي، وأنا قاعد في الميدان بتفرج علي الناس اللي بتموت.
كان ماراً وفي يديه «سيجارة»، تقترب في طولها من قامته القصيرة ناداه «صهيب»، تعالي يا أحمد، علامات الشجاعة تبدو علي وجهه وتتسرب الرجولة من بين كلماته الواثقة، قال أحمد، بعد اطمئنانه عقب مشاهدة صور زملائه علي الكاميرا، «أنا عندي12 سنة، طلعت من سنة رابعة ابتدائي ولو كملت كنت بقيت في سنة خامسة، أبويا وأمي في المنيل ماسكين عمارة هناك «بوابين».
سبت البيت علشان أبويا «رمح ورايا» والحديث لـ«أحمد» وبحب الميدان علشان مبضربش ولا ضربة، ولو الناس دي كلها مشيت هقعد برضه».
ويستطرد قائلاً: «بحب أبويا بس هو اللي كارهني، ومعرفش يعني إيه ثورة، بس اللي بيعجبني في الميدان، إني بضرب الجيش لما بيضرب فينا»..
أحمد الذي يتمني لبلاده الأفضل، يقول «نفسي أطلع أيتها حاجة، وأكون متعلم، هرجع البيت زي ما يريد ربنا، ولو كنا لقينا مكان، مكناش نبات في الميدان».

أهم الاخبار