الحكومة تصرف نفقة متعة البرلمان

كتب: محمود‮ ‬غلاب

في‮ ‬مثل هذه الأيام من كل عام كان مجلس الشعب‮ ‬يتأهب لإقرار الموازنة العامة للدولة‮. ‬وكانت الوزارات تتقدم بالتماسات الي‮ ‬اللجان البرلمانية لزيادة مخصصاتها عن التقديرات التي‮ ‬اعتمدتها لها وزارة المالية لمواجهة احتياجاتها الفعلية‮.. ‬كانت وزارات العدل والصحة والتعليم تجأر بالشكوي‮ ‬من نقص الاعتمادات الموجهة لخدمات العدالة وعلاج المرضي‮ ‬وبناء المدارس‮. ‬وكانت لجنة الخطة والموازنة البرلمانية التي‮ ‬يرأسها احمد عز تعد تقريرا مجمعا عن الموازنة التي‮ ‬يقترحها الدكتور‮ ‬يوسف بطرس‮ ‬غالي‮ ‬وزير المالية في‮ ‬ذلك الوقت مع مطالب الوزارات لعرضه علي‮ ‬المجلس‮. ‬وعلي‮ ‬مدي‮ ‬السنوات الطويلة الماضية‮. ‬كانت الحكومة تضع البعد الاجتماعي‮ ‬في‮ ‬ذيل اهتماماتها ويصرخ النواب الشرفاء احتجاجا علي‮ ‬الفتافيت التي‮ ‬يتم اعتمادها لدعم الأدوية وصيانة المستشفيات ودور العدالة وتدني‮ ‬الانفاق علي‮ ‬البحث العلمي‮ ‬والعشوائيات ومياه الشرب والطرق واعتمادات الحد من البطالة ومحو الأمية في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كانت تخصص فيه وزارة المالية أكثر من‮ ‬5‮ ‬مليارات جنيه تحت مسمي‮ ‬دعم الصادرات‮ ‬يلهفها رجال أعمال في‮ ‬مقدمتهم أحمد عز محتكر حديد التسليح علي‮ ‬طريقة طباخ السم‮ ‬يدوقه‮.‬

كان العجز في‮ ‬الموازنة‮ ‬يرتفع عاما بعد عام حتي‮ ‬اقترب‮ ‬في‮ ‬آخر موازنة من‮ ‬115‮ ‬مليار جنيه‮.‬

ولم‮ ‬يتخذ مجلس الشعب أي‮ ‬اجراء مع الحكومة‮ ‬يلزمها بتقديم موازنة تحقق معيشة كريمة للمواطنين ولم‮ ‬يستفد من التعديل الدستوري‮ ‬الأخير الذي‮ ‬منح المجلس سلطة تعديل الموازنة بالاتفاق مع الحكومة لأنه باختصار كان مجلس الشعب ملزما بتدبير أوجه تمويل أي‮ ‬زيادات جديدة وتمكنت الحكومة عن طريق استقلالها جهل معظم النواب باعداد الموازنات تارة وعن طريق سيطرتها علي‮ ‬نواب الأغلبية تارة أخري‮ ‬من فرض أعباء كثيرة علي‮ ‬المواطنين في‮ ‬صورة رسوم ورفع أسعار‮ ‬وضريبة عقارية جمدتها حكومة الدكتور شرف بعد أن تبين أنها من أرخم أنواع الضرائب التي‮ ‬تطارد المواطن في‮ ‬حجرة نومه‮! ‬كان مجلس الشعب طوال السنوات الماضية‮ ‬يعنيه في‮ ‬المقام الأول وضع ميزانيته التي‮ ‬يعدها ويوافق عليها بنفسه وكان مكتب المجلس‮ ‬يسعي‮ ‬لارضاء النواب بأي‮ ‬طريقة فكان‮ ‬يهتم بالبحث‮ ‬لهم عن موارد مالية لزيادة قيمة مايحصلون عليه من خزانة المجلس كل شهر،‮ ‬وارتفع مع السنين جملة ما‮ ‬يتقاضاه النائب حتي‮ ‬وصل الي‮ ‬14‮ ‬ألف جنيه شهريا في‮ ‬الدورة الماضية في‮ ‬صورة مكافآت وبدلات حضور اجتماعات المجلس واللجان‮ ‬النوعية،‮ ‬يضاف الي‮ ‬هذه المبالغ‮ ‬خدمات عينية للنواب مثل العلاج المجاني‮ ‬وبدلات السفر

والاقامة علي‮ ‬حساب المجلس بمن فيهم نواب القاهرة الكبري‮.. ‬كان النواب‮ ‬يحصلون علي‮ ‬كميات أدوية من عيادة المجلس تكفي‮ ‬لعلاج سكان محافظة بالكامل‮. ‬وبعد أن اكتشف بعضهم عدم حاجتهم الي‮ ‬الأدوية التي‮ ‬يحصلون عليها في‮ ‬أي‮ ‬وقت ومن خلال صرفيات شهرية قاموا بتحليلها الي‮ ‬أدوية منشطة ومقوية،‮ ‬في‮ ‬اطار الشيء لزوم الشيء‮!!‬

ورفع مجلس الشعب موازنته الأخيرة التي‮ ‬واكبت حل المجلس الأخير بعد قيام ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير الي‮ ‬ما‮ ‬يقرب من‮ ‬600‮ ‬مليون جنيه‮ ‬يحصل منها النواب علي‮ ‬حوالي‮ ‬200‮ ‬مليون في‮ ‬صورة مكافآت وبدلات وعلاج ويخصص باقي‮ ‬المبلغ‮ ‬لصرف مرتبات العاملين والحرس وتكاليف سفر الوفود والبرلمانية ونفقات رحلات الشتاء والصيف للجان النوعية ومكافآت المستشارين وشراء السيارات والصيانة والوقود والطباعة والضيافة‮. ‬كما كان مجلس الشعب‮ ‬يحصل حتي‮ ‬من الحكومة علي‮ ‬حوالي‮ ‬25‮ ‬مليون جنيه اضافية علي‮ ‬الموازنة الرسمية تسمي‮ ‬موازنة استثمارية للاتفاق علي‮ ‬اقامة المباني‮ ‬الجريدة واجراء عمليات الصيانة والترميم والدهانات وشراء الأثاث‮. ‬ويعمل في‮ ‬مجلس الشعب حوالي‮ ‬4000‮ ‬موظف وعامل بدءا من وكلاء أول وزارة حتي‮ ‬عمال اليومية معظمهم من السيدة زينب دائرة الدكتور سرور بخلاف جيوش المستشارين الملحقين بمكاتب رئيس المجلس واللجان النوعية لا‮ ‬يستشارون في‮ ‬شيء‮!! ‬في‮ ‬تخييرهم بين صرف مكافآتهم من الخزنة مباشرة أم عن طريق‮ »‬الفيزا‮«!!‬

ومعظم هؤلاء المستشارين كانوا‮ ‬يعملون في‮ ‬وزارة التربية والتعليم عندما كان سرور وزيرا واصطحبهم معه الي‮ ‬مجلس الشعب وبعضهم من رجال القضاء وأساتذة الجامعات الذين‮ ‬يبحثون عن زيادة دخولهم‮!!‬

ولأول مرة منذ تشكيل أول مجلس شعب في‮ ‬11‮ ‬نوفمبر عام‮ ‬1971‮ ‬أي‮ ‬منذ‮ ‬40‮ ‬عاما لم‮ ‬يصبح مجلس الشعب مسئولا عن اقرار ميزانية الدولة،‮ ‬ولا حتي‮ ‬ميزانيته الخاصة والتي‮ ‬كان‮ ‬ينوي‮ ‬رفعها‮ ‬هذا العام الي‮ ‬700‮ ‬مليون جنيه في‮ ‬موازنة‮ ‬2012‭/‬2011‮ ‬بحجة مواجهة التزامات الكوتة التي‮ ‬ضخت في‮ ‬مجلس الشعب‮ ‬64‮ ‬سيدة لترفع عدد النواب الي‮ ‬518‮ ‬نائبا ونائبة بالمعينين العشرة‮. ‬فبعد حل مجلس الشعب وشقيقه الشوري‮ ‬عقب ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير،‮ ‬انعقدت مسئولية اعداد الموازنة لحكومة الدكتور شرف وأصبح

الدكتور سمير رضوان وزير المالية المسئول الأول عنها وأصبح المجلس الأعلي‮ ‬للقوات المسلحة بقيادة المشير طنطاوي‮ ‬هو المسئول الأخير عن اعتمادها لتصير قانونا‮ ‬ينفذ من أول‮ ‬يوليو القادم‮. ‬كما أصبحت الحكومة والمجلس الأعلي‮ ‬مسئولين عن اعداد واعتماد موازنة مجلسي‮ ‬الشعب والشوري‮ ‬وهو ما‮ ‬يحدث لأول مرة منذ‮ ‬40‮ ‬عاما بعد أن كان المجلسان‮ ‬يعدان ميزانيتهما بمفرديهما ويضعان الرقم المطلوب وتوافق الحكومة فورا ولا تخضع حسابات المجلسين لأي‮ ‬رقابة من أحد،‮ ‬ولا تعرض علي‮ ‬المجلس مجتمعا ولا منفردا ما دام النواب مستمتعين بالمكافآت والبدلات في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كانت تصرخ فيه المستشفيات الحكومية‮ ‬من نقص‮ ‬القطن والشاش وأجهزة الغسيل الكلوي‮.‬

ولن تكون مهمة الحكومة والمجلس العسكري‮ ‬سهلة في‮ ‬وضع الموازنة واقرارها هذا العام ليس لابتعاد البرلمان عنها ولكن للمهمة الثقيلة التي‮ ‬ستواجه الحكومة في‮ ‬تدبير اعتمادات الموازنة العامة والتي‮ ‬يتوقع ارتفاع العجز المالي‮ ‬فيها ليقترب من حاجز الـ‮ ‬150‮ ‬مليار جنيه في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تسعي‮ ‬فيه الحكومة الي‮ ‬زيادة الاعتمادات المالية عن العام الماضي‮ ‬لمواجهة الاحتياجات الفعلية التي‮ ‬ترتبت علي‮ ‬قيام ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮.‬

وللاقتراب من نقطة الامان فان الحكومة والمجلس العسكري‮ ‬مطالبان باعادة النظر في‮ ‬الموازنات الخرافية التي‮ ‬كانت تخصص لوزارات الداخلية والاعلام ومخصصات رئاسة الجمهورية والأجهزة الرقابية الأخري‮ ‬التي‮ ‬لم‮ ‬يعلم عنها أحد وأن تضع الحكومة في‮ ‬اعتبارها،‮ ‬وأن نائب البرلمان تحول الي‮ ‬موظف‮ ‬يتقاضي‮ ‬مرتبين أحدهما من جهة عمله الأصلية سواء تفرغ‮ ‬لمهمته البرلمانية أم لم‮ ‬يتفرغ‮ ‬والمرتب الآخر هو ما‮ ‬يتقاضاه شهريا من مجلس الشعب هذا بالنسبة للنائب الشريف أما النائب الضعيف فأمامه الحصانة التي‮ ‬لا‮ ‬يقدر ريعها بمال‮!! ‬بخلاف اهدار النواب للدستور في‮ ‬القيام بأعمال تجارية مع الدولة،‮ ‬وقبض‮ ‬المعلوم من الوزراء مقابل عدم استعمال أدوات الرقابة ضدهم علي‮ ‬طريقة سيب وأنا أسيب وعفا الله عما سلف الي‮ ‬آخر أمثال كبار البرلمانيين فك الله ضيقتهم‮!! ‬وبخلاف اقتراب النواب من المنصة التي‮ ‬تجلب عليهم السعد باختصار أن السلطة التشريعية في‮ ‬حاجة الي‮ ‬ضبط وربط بدءا من نفقة المتعة التي‮ ‬سيصرفها لها المجلس الأعلي‮ ‬للقوات المسلحة خلال اعتماد الموازنة الجديدة لحين تشكيل البرلمان الجديد مرورا بعلاقتها بالحكومة والشعب حتي‮ ‬انهاء علاقة الزواج‮ ‬غير الشرعية مع السلطة التنفيذية‮.‬

والآن‮ ‬يقبع مجلس الشعب أمانة في‮ ‬رقبة أمينه العام المستشار سامي‮ ‬مهران الذي‮ ‬يعتبر مدرسة في‮ ‬تدريس علم الادارة وتدريب النواب الجدد علي‮ ‬الممارسة البرلمانية الصحيحة‮.. ‬هذا الرجل حافظ علي‮ ‬المسئولية التي‮ ‬أسندها اليه الدكتور‮ ‬يحيي‮ ‬الجمل نائب رئيس الوزراء المشرف علي‮ ‬مجلسي‮ ‬الشعب والشوري‮ ‬بعد أن فوضه في‮ ‬تعيين وترقية وانهاء خدمة العاملين بالمجلس في‮ ‬اطار اللائحة والقانون حتي‮ ‬بداية الدورة البرلمانية الجديدة‮. ‬ونفذ مهران هذه المهمة باقتدار وموضوعية وامانة فقام بتعيين عدد كبير من عمال اليومية الذين‮ ‬دخلوا المجلس عن طريق الدكتور سرور شخصيا كما قام بترقية من‮ ‬يستحقون الدرجات العليا وانهاء خدمة من انتهت خدمتهم قانونا أو استنفدوا مدد المد التي‮ ‬ساعدهم فيها الدكتور سرور‮.‬

أهم الاخبار