شواطىء أوروبا مقبرة للمصريين

الشارع السياسي

الخميس, 30 أغسطس 2012 14:12
شواطىء أوروبا مقبرة للمصريين
فكرية أحمد

نزفت قلوب المصريين الما خلال الأيام الماضية بعد غرق مركب صيد يحمل 40 مهاجرا غير شرعى من الشباب المصرى على السواحل المصرية الليبية ، ورغم انخفاض عدد الضحايا

هذه المرة إلا أن ذلك لا يعنى ان عمليات الهجرة غير الشرعية خفت وطأتها ولكنها علي العكس أصبحت كارثة حقيقية يجب مواجهتها بقوة من الداخل وبالتعاون مع دول الخارج ، فحياة اى شاب مصرى غالية ، حتى وان فرطت حكوماتنا المتتالية فى هذه الحياة ، ومن المهم ان يعرف اى مصرى يفكر فى الهجرة غير الشرعية الى اوروبا عبر ليبيا او اى بلد عربى اخر ، ان بلدان  اوروبا لم تعد الجنة التي ينتظرها المهاجرون ، فقد اغلقت اوروبا ابوابها منذ التوسع الاخير فى عضوية الاتحاد الاوروبى عام 2007 لتصبح 27 دولة بضم بلغاريا ورومانيا .
ومن ثم أصبحت مقولة « اوروبا للاوروبيين « ليست مجرد شعار ، بل واقع يتم تنفيذه بقوه ، فالشرق الاوروبى يضم الدول الشيوعية القديمة ، والتى تتسم بالفقر والازمات المالية ، وقد ضمها الغرب الاوروبى فى مجموعة الاتحاد ، حتى لا ترتمى مجددا فى احضان الشيوعية ، او تمد جسور التعاون مع روسيا والصين على حساب الغرب الاوروبى ، وبهذا التوسع اغلقت 27 دولة اوروبية ابوابها امام المهاجرين غير الأوروبيين ، خاصة من العرب والمسلمين ، وترى هذه الدول ان العرب « بينهم المصريون « انما يشكلون خطرا للمد الاسلامى من جهة ، ومن جهة اخرى ينافسون الاوروبيين فى مجالات العمل ، بسبب قبول المهاجرين بأجور متدنية عن السكان الأصليين، الامر الذى يحرم الشباب الاوروبى من فرص العمل .
اوامر بالموت
رصدت ثورات الربيع العربى ، المخاوف الاوروبية من حدوث امواج من الهجرة او اللجوء ، تحت مزاعم الخوف من وجود عناصر ارهابية اسلامية بين هؤلاء اللاجئين  ، الامر الذى دفع دول اوروبا مؤخرا الى تشديد الحراسات الامنية على الحدود وفى الشواطئ ، خاصة فى ايطاليا التى ينزح منها المهاجرون الافارقة القادمون من ليبيا ، ومن المعابر البحرية الاخرى ، بجانب اعادة النظر فى اتفاقية « شنجن « التى تقضى بفتح الحدود بين الدول الاوروبية لمنع انتقال المهاجرين الشرعيين من بلد اوروبى الى اخر ، حيث أجريت استثناءات على بنود الاتفاقية ، باغلاق الحدود بين الدول الاوروبية ، والسماح لكل دولة بان تتخذ ما تراه ملائما لاغلاق حدودها حال استشعارها لخطر من نزوح امواج اللاجئين ، خاصة من دول الربيع العربى على غرار مصر ، ليبيا ، اليمن ، تونس ، وسوريا ، واكد تقرير أوروبي أن عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين دخلوا إلى الأراضي الأوروبية قادمين من شمال أفريقيا قد تضاعف العام الماضى ، وان إيطاليا ومالطا قد أصبحتا المعبر الرئيس للمهاجرين غير الشرعيين القادمين عبر البحر من دول شمال أفريقيا، حيث «تم تسجيل 112.844 حالة دخول لمهاجرين غير شرعيين في الفترة الواقعة بين شهري يناير وفبراير من العام الماضى ، مقابل 76697 حالة خلال عام 2010 .
وصدرت  اوامرسرية من بعض دول الاتحاد الاوروبى لوكالة « فرونتكس « ، وهى الوكالة الامنية الاوروبية لحماية الحدود البحرية ومقرها وارسو ، بعدم التحرك الجدى لانقاذ المهاجرين غير الشرعيين القادمين فى قوارب مطاطية من دول افريقيا ، بل تركهم لمصيرهم ، وهى الاوامر التى تسربت قبل اشهر عبر وسائل الاعلام الاوروبية نفسها ، واثارت ضجة كبرى بين منظمات حقوق الانسان ، ومن قبل مفوضية حماية اللاجئين بالامم المتحدة ، حيث تلاحظ

ان السلطات الايطالية والاسبانية تترك المهاجرين فى عرض البحر ، ولا تتحرك لانقاذهم او سحبهم الى شواطئها ، حتى لا تكون ملزمة باستقبالهم على اراضيها ، او حتى تتكلف بنفقات اعادتهم الى اراضيهم وتسليمهم للبلدان التى قدموا منها ، وهو الامر الذى ادى الى غرق 1820 مهاجرا غير شرعي في البحر المتوسط منذ بداية العام الماضى فقط معظمهم من الافارقة القادمين من شمال افريقيا ، وذلك وفقا لما اكدته جماعة « سانت ايجيديو الكاثوليكية « في إيطاليا ، حتى ان هذه الجماعة اختصت باقامة الصلوات على جثامين المهاجرين الذين يلقون حتفهم فى احتفاليات يطلقون عليها صلاة  «موت الأمل» ، وقال رئيس الجماعة  إن فكرة صلاة «موت الأمل» نشأت من خلال التفكير في هؤلاء الرجال والسيدات والأطفال الذين ذهبوا لمصارعة الموت وهروبا من الصراعات والانتهاكات العنيفة لحقوق الإنسان ومن الاضطهاد في بلادهم ،  مؤكدة أن فقد روح واحدة من تلك الأرواح يعد خسارة للجميع ، مشيرة ان معظم المهاجرين الذين يلقون حتفهم غرقا ، يكونون قادمين من ليبيا و تونس  ومصر ، وان هؤلاء تكون وجهتهم إيطاليا لاسيما جزيرة لاميدوسا» الأكثر قربا من السواحل الأفريقية ، بينما هناك اكثر من 17597 شخصا على الأقل قد لقوا حتفهم منذ عام 1990 خلال السفر عبر المعابر المائية العربية بالبحر المتوسط، فى طريقهم الى الحدود البحرية الاوروبية ، فتحولت تلك المعابر الى مقابر لهم ، وسط اهمال وتجاهل دولى واوروبى ، كما تركت الدول الطاردة للمهاجرين ومنها مصر ابناءها فريسة لتجار الهجرة غير الشرعية ، الذين يتربحون بالملايين على حساب دماء الشباب الابرياء ، ويكدسونهم فى قوارب مطاطية صغيرة ، او داخل الاماكن المخصصة لشحن الحقائب بالسفن ، او تهريبهم فى شاحنات مغلقة الابواب مما يؤدى الى موت المئات منهم قبل وصولهم الى ارض الاحلام الوهمية فى اوروبا ، ويتم التخلص من هؤلاء فى عرض البحر او فى اماكن مجهولة على الحدود  .
الجنة المفقودة
والمثير ان مصر وغيرها من الدول العربية والافريقية ، لا تقوم بدورها فى كشف الابعاد والحقائق التى تواجه المهاجرين غير الشرعيين من بلدانها الى دول اوروبا ، متجاهلين ان اوروبا بعد عمليات التوسع فى عضوية الاتحاد لم تعد الجنة الموعودة او بلاد المال واللبن والعسل والشقراوات ، بل اصبحت جحيما بالنسبة لهم ، بعد ان سقطت اسطورة زواج « البيزنس « الذى كان المصريون والعرب يلجأون اليه بعد دخولهم البلدان الاوروبية بصورة غير شرعية ، هذا ان تمكنوا اصلا من التسلل لاوروبا احياء ولم تبتلعهم مياة المتوسط ، وزواج البيزنس او الورق ، كان يتم بصورة صورية ، حيث يتزوج المصرى من اوروبية على ورق للحصول على الاقامة مقابل مبالغ تبدأ من 10 الى 20 الف يورو ، يفعل المستحيل لاقتراضها من كل ممن يعرفهم ، او يدفع المبلغ  بصورة مؤجلة من خلاله عمله فى اعمال متدنية كأعمال النظافة ، او فى مطاعم الشاورما لبيع لحوم الخنزير والخمور ، او فى صوبات الزراعة
التى ترتفع بها درجات الحرارة من الى 60 درجة مئوية ، الامر الذى يصيب العاملين بها بالتهابات رئوية حادة وبمياه على الرئة مع انتقالهم من درجات الحرارة المرتفعة الى برودة الجو فى اوروبا خارج الصوبات ، ويلتزم هؤلاء بدفع اكبر قسم من رواتبهم لسداد قيمة الزواج البيزنس الذى بموجبه سيحصل على الاقامة ، وقد اغلقت دول اوروبا باب زواج البيزنس ، بعمل اجراءات عديدة معقدة لاتمام زواج اى اجنبى باوروبية .
حيث يشترط أولا ان يكون الاجنبى مقيماً  فى البلد الاوروبى بصورة رسمية شرعية ثلاث سنوات متتالية ، وان يكون لديه مسكن ، ولديه عمل رسمى لا يقل اجره عن الحد الادنى للاجور ، وبالتالى تعذر على المصريين من المهاجرين غير الشرعيين السير قدما فى عمليات زواج البيزنس بعد ان تكشفت اوراق هذه الزيجات امام السلطات الاوروبية ، وتم سد ثغراتها بقوة ، وبهذا يبقى المهاجر غير الشرعى الذى نجح فى التسلل لاوروبا ، او تجاوز فترة فيزا السياحة التى دخل بها اوروبا ، يبقى هاربا دوما من الشرطة ، لا يتمكن من العمل فى اى مكان الا بصورة سرية ، ويكون معرضا  للقبض عليه وترحيله فى اى لحظة ، يضاف الى ذلك ان السلطات رفعت قيمة الغرامات التى يدفعها اصحاب العمل ممن يقومون بتشغيل الاجانب غير الشرعيين الى 10 الاف يورو فاكثر ، بل ان دولا اخرى تضع عقوبة السجن جنبا الى جنب مع الغرامات لاصحاب العمل المخالفين ، وبالتالى اصبح تشغيل الاجانب غير الشرعيين مغامرة كبرى لا يقدم عليها اصحاب العمل فى اوروبا .
ابواب سوداء للإقامة
ولم يعد امام المهاجرين غير الشرعيين فى اوروبا الا ابواب سوداء سرية ومخجلة ، يتم اللجوء اليها للحصول على الاقامة ، وتتمثل فى طلب اللجوء الدينى ، او اللجوء الجنسى ، والاول يتم باعلان الارتداد على الديانة التى يحملها المصرى او جنسية أخري ، ويزعم المهاجر انه مضطهد فى بلده بسبب تغييره ديانته ، ويقدم على هذه الوسيلة الرخيصة مسلمون غالبا ، يدخلون فى الديانة المسيحية  ، اما اللجوء الجنسى ،وهو الاسلوب الاكثر « بشاعة « فيتم باعلان الشخص بانه « مثلى « ، وان مثليته او « شذوذه « يعرضه للقتل والتنكيل به ايضا فى بلده ، والشىء المرعب ، ان بعض هؤلاء يحاولون التدليل على مثليتهم بقبول الاقامة مع شاب اوروبى ، وذلك مقابل الحصول على الاقامة ، ونظرا لان الاوروبيين يقبلون المثليين ، ويدافعون عنهم بقوة كنوع من حماية الحريات الشخصية ، فان هؤلاء يجدون المساعدة من جمعيات المثليين لتأمين اقامتهم ، ويكون هذا الطريق الرخيص لامتهان النفس والكرامة ، مقابل الحصول على اقامة وحفنة من اليورو .
ان الواقع الاوروبى الحالى يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ، ان البلدان الاوروبية لم تعد جنة للمهاجرين غير الشرعيين او الاجانب بصفة عامة ، فبجانب الاجراءات المشددة على الحدود لمنع المتسللين ،والتهاون لانقاذ القادمين على قوارب مطاطية ، والاجراءات الداخلية المشددة لقبول اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين ، فان الاوضاع الاقتصادية فى اوروبا نفسها لم تعد مبشرة حتى لأهل اوروبا انفسهم، حتى ان نظام البطاقات الزرقاء الذى كانت اوروبا تنوى اطلاقه فى العام الماضى ، لاستقطاب اصحاب العقول والخبرات الرفيعة الى اوروبا من الدول العربية وغير العربية مقابل عقود عمل مدتها 3 سنوات قابلة للتجديد ،وفقا لاحتياجات اسواق العمل الاوروبية ، فقد تم ارجاء هذا النظام لاجل غير معلوم ،وذلك بسبب سوء الاوضاع الاقتصادية فى بلدان اوروبا ، وتراكم الديون على عدد لا بأس به من دولها ، وهو ما تدلل عليه المظاهرات الشعبية الغاضبة فى اليونان ، وايطاليا ، وفرنسا ، وغيرها من بلدان اوروبا بسبب اجراءات التقشف ، وارتفاع معدلات البطالة ، وتدهور المستويات الاقتصادية ، وكل هذه المؤشرات تؤكد للمصريين ان اوروبا ليست دول مهجر ، وان المغامرة فى البحر المتوسط للوصول الى شواطئ اوروبا ، لا يعنى الا مقامرة بالحياة ، ولا يمكن لانسان ان يضع حياته مقابل مغامرة نتيجتها الموت تحت زعم البحث عن فرصة عمل ، وعلى الحكومة المصرية ان تحكم سيطرتها على الحدود ،وقبل هذا عليها السعى الجدى لحل مشاكل البطالة بين الشباب، اراضى مصر واسعة ، يمكن تمليكها ، والمستثمرون المصريون ورجالات الاعمال بالخارج لديهم المليارات التى يمكن اجتذابها فى استثمارات بمشروعات لتشغيل الشباب .

 

أهم الاخبار