عادل صبري يكتب:الوثيقة المحرمة!

الشارع السياسي

الأحد, 06 نوفمبر 2011 02:13
بقلم: عادل صبري

بعد هدوء العاصفة، عاد الحديث من جديد عن وضع وثيقة المبادئ فوق الدستورية. القضية لم تثر عبثا، بل أعلن عنها مسئول كبير في الحكومة، بدرجة نائب رئيس الوزراء وهو الدكتور على السلمي. في المرة الأولى كانت الوثيقة تستهدف وضع اطار عام للدستور المزمع اصداره في البلاد، وتشكيل اللجنة التي ستعده،

تحت ستار ضمان مدنية الدولة وعدم تحولها إلى دولة دينية. هذا الزعم كان وراء الاقتتال الذي شهدته الشوارع بين المسلمين والمسيحيين خلال الأشهر الماضية، والذي غزته للأسف الأموال القذرة وبعض الرجال الذي لعقوا أحذية النظام السابق، ويريدون تسيد المشهد السياسي، بعد الثورة، وهم يظنون أن الناس غافلون عن أفعالهم.
عندما رفع المزايدون شعار مدنية الدولة، خلطوا بين الغث والسمين، فحذروا من تحول مصر إلى دولة دينية على غرار ايران والسعودية، وهم يعلمون تمام  العلم أن مصر وشعبها لا يعترفون بما يسمى دولة الفقيه في إيران، التي تمنح رجل الدين سلطة مطلقة فوق سلطة البرلمان والدستور والقانون. فالخميني عندهم هو صاحب المرجعية الأخيرة، ولجنة تشخيص النظام هي التي تحدد صلاحية  القوانين وتشطبها إذا تطلب الأمر، وإن كانت صادرة بإجماع النواب الممثلين للشعب. ولا يمكن قياس نظام السعودي الملكي، بنظام جمهوري يرتكز إلى دستور حديث وبرلمانية بمجلسيه الشعب والشورى، وتعيين رئيس ينتخب مباشرة من الشعب. وتجاهل المزايدون أن الشعب المصري، لم يعرف في تاريخه، تواجدا للدولة الدينية، حتى في الفتح الإسلامي، حيث استعان عمرو بن العاص ومن خلفوه بالأقباط في إدارة شئون الدولة. ويشهد التاريخ مدى توسع الأسر الحاكمة في مصر بالأقباط في الإمساك بشئون البلاد الاقتصادية وخاصة الميزانية والحسابات، والخدمات الطبية لأهالي القصور، والتي جعلت من الصعب على أي منصف أن يدعى أن الأمة المصرية عرفت اضطادا لأقلية في تاريخها. وتذكر وقائع التاريخ أيضا أن الفتنة بين المسلمين والأقباط تحدث عادة عندما تتدخل سلطة أخرى غير سلطة الدولة لنصرة طرف على آخر، وهو ما كان يحدث في حالات الضعف العربي  ووجود الاحتلال، الذي كان يبث نيرانه بين عنصري الأمة لإضعاف كيانها، ويعلو بشأن أتباعه من المسيحيين الغربيين  دون غيرهم، وهو

ما برز واضحا في بداية القرن الماضي، ونهايته أيضا.
للأسف الشديد  التقط دعوة المزايدين على مدنية الدولة، بعض القساوسة والمشايخ، فوقعوا بإرادتهم في الشرك الذي صنعه الخبثاء. فوجدنا قبل الاستفتاء على المواد الدستورية، قساوسة يطالبون المسيحيين بالخروج والمشاركة بكل قوتهم في الانتخابات حتى لا تتحول مصر إلى دولة اسلامية. وفي المقابل انتشر الشيوخ لدعوة الناس على المشاركة بالرأي المضاد، حتى تصبح للمسلمين الكلمة العليا!. نسى الطرفان أن المادة التي كانت تستحق المعارك حولها، لم تمس، وأن ما أثير من لغط حولها، كان مجرد نقاش أناس من حقهم إبداء رأيهم في الدستور، وأن موقفهم المتعنت من المادة الثانية لم يقدم أو يؤخر، لاسيما، بعد أن شهد الأنبا شنودة أن هذه المادة لا تمس بحقوق الأقباط، بل هناك من الاقباط من قال بأن إسلامية الدولة ضمانة لحقوق الآخرين.
إذن نحن أمام أناس ينفثون شرا، وكلما أطفأ الشعب نارا أوقدوا غيرها. فلا يعقل أبدا بعد أن هدأت التظاهرات، التي كانت تندلع للرد على تلك المزاعم، نأتي اليوم وفي بداية السباق البرلماني، نعيد إلقاء كرة اللهب في    خزان ملئ بالوقود!. فلا ندري لماذا عاد الدكتور على السلمي بعد رحلة علاج طويلة مع المرض، ليطرح وثيقة رآها الشعب محرمة، وأعلن المجلس العسكري أن النظر في أمرها سابق لآوانه؟. فإما أن غياب الدكتور على السلمي عن المشهد السياسي خلال الفترة التي مرض بها، جعله جاهلا بما حدث من تطورات في البلاد، خلال تلك الفترة أو أن المجلس العسكري يحرك أمرا لا نعرفه؟. ويدفعنا التسليم بالنقطة الثانية، أن الوثيقة التي طرحت في شكلها الأول قبيل مرض الدكتور على السلمي، كانت تتعلق بأمور عامة قانونية لضمان عدم صدور دستور يجعل من مصر دولة إسلامية نظاما وتشريعا، أما اليوم فقد أضيفت للوثيقة مادتين تجعل المجلس العسكري والجيش
قوة فوق الدستور وأي قانون، وتمنحه سلطة التدخل والانقضاض على سلطة البرلمان « أي الشعب» والحكومة، في أية لحظة، بينما تغل الوثيقة يد كافة السلطات من محاسبة أو رقابة القوات المسلحة!.
لقد جاءت الوثيقة التى نراها بحق «وثيقة محرمة» لأنها تحلل حراما، وتحرم حلالا»، بما يشير إلى أن هناك قوى تريد أن تأخذ بنواصي الشعب ، وتوجهه عمدا لاختيار تفضله، على غرار النظام الفرعوني السابق، الذي كان يقول للناس «لا أريكم إلا ما أري». ألا يعلم هؤلاء المزايدون أن الشعب المصري، رفض الانصياع لهذه السياسات، ودفع الغالي والثمين في سبيل قطع أيدي النظام الذي وضع السكين على رقبة العباد لعقود طويلة، ومازال الشعب مصمما على التخلص من تلك العبودية التي فرضت عليه مهما كان الثمن؟!.  ألا يظن هؤلاء المزايدون أن سياسة سكب البنزين على النار في أوقات حرجة  إما تدفع البلاد إلى صدام ديني جديد أو تشعل أزمة لا قبل لهم بحلها، وسيكونون هم أول من يحترق بتلك النيران؟. فالمصري البسيط لم يعد لديه ما يخشى على ضياعه، فالبطالة تنهشه والغلاء يكوي جلده، ولا يملك سوى الأمل في المستقبل، فإذا ما فقده، فإن الكوارث لن تحرك فيه ساكنا.
كفاية استباق للأحداث وعلينا أن نعمل جميعا على تمرير الانتخابات ببساطة وهدوء مهما كلفنا ذلك الأمر من جهد ومال. فمصر لن تكون دولة، قبل أن يكون لها برلمان ممثل لشعبها. ومهما كانت نتائج الانتخابات علينا التسليم بنتائجها. فقد كان النظام الفاسد يفرض علينا القبول بنتائجه المسمومة، وكنا نستسلم لها  مع علمنا بأنه سلعة مغشوشة، وذلك خوفا على البلاد من الانهيار أو الدخول في مستقبل غامض. الآن ونحن نعيش الغموض كله، علينا أن نمر بهذه المرحلة، وأن نبدأ  عقبها  في الحديث عن المبادئ الدستورية أو غيرها. فاليوم يتكلم الجميع بلسان الدولة، وغدا سيكون لدينا برلمان نتحاور معه ونطالبه، وسيكون لدينا بدلا من المجلس العسكري الحاكم المؤقت والحكومة المؤقتة، برلمان يدير دولة مستقرة ودائمة.
بالطبع لن يستطيع البرلمان الممثل لقوى الشعب، أن يخرج عن ثوابته أو يزايد على مطالبه، فلن تكون مصر دولة دينية، بل دولة ذات أغلبية مسلمة، تتحدث قوانيها عن مجتمع حديث يعيش به أقباط ويدار بطريقة تتلاءم مع العصر، حيث السوق المفتوحة والتعامل الحر مع كافة الدولة اليهودية  والمسيحية وعبدة الأوثان ومن لا دين لهم على الاطلاق. لذا علينا أن نتوقف عن المزايدات على أمر لا نملكه الآن، وبالتأكيد سيكون لدينا القدرة على تحريكه في المستقبل، طالما ظل الشعب هو صاحب الكلمة العليا في البلاد. فيكفي مصر مؤامرات وحوارات انتهازية لا تخدم سوى أغراض متحدثيها، بينما تقتل الأمل في قلوب العباد.
[email protected]

 

أهم الاخبار