"القديسين".. شماعة للتدخل الخارجي

الشارع السياسي

السبت, 08 يناير 2011 14:32
تحليل: محمد جمال عرفة


ما أن انقشع غبار التفجير الارهابي في كنيسة القديسين في مدينة الاسكندرية، حتي عزف الفاتيكان وأطراف أوروبية وكنسية غربية وأمريكية يمينية متطرفة، علي وتر حماية المسيحيين في مصر والشرق الأوسط، ووصل التطرف الغربي حد مطالبة البعض بتدخل الاتحاد الأوروبي لحماية المسيحيين أو ربط المعونات الأوروبية بهذا التدخل الغربي للتأكد من حماية المسيحيين.

 

والحقيقة أن ردود الأفعال الأوروبية والأمريكية هذه من قبل التيارات اليمينية تحديدا، ليست جديدة، إذ إن هناك متطرفين أوروبيين ومن الفاتيكان يلوحون منذ سنوات بورقة (مسيحي الشرق الأوسط)، ويسعون لاستغلال هذه الورقة في الضغط علي الحكومات العربية خصوصا مصر، برغم أن الأقلية المسيحية في مصر غالبيتها أرثوذكسية تتعارض كنيستها مع كنائس الغرب، وسبق لأبناء الشرق المسيحيين رفض هذه الوصاية في مناسبات سابقة .

ولهذا فالمنهج الذي تبناه البعض في الاتحاد الأوروبي والفاتيكان تحديدا لاستغلال ورقة تفجير كنيسة القديسين في العودة لإثارة ملف المسيحيين في الشرق جاء بهدف الصيد في الماء العكر، وبهدف تحقيق مصالح سياسية لا التدخل لصالح المسيحيين العرب أنفسهم كما يدعون .

فالرئيس الفرنسي ساركوزى ألمح كذبا لأن هناك مخططاً "تطهير ديني" ضد مسيحيي الشرق، وحذر من وجود ما أسماه مخطط "تطهير ديني شرير" يستهدف الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط، ولكنه حاول تلطيف تصريحاته العنصرية بالقول : إن الإسلام دائما ما يتسم بالتسامح واحتضان وحماية من سماهم القرآن الكريم بـ "أهل الكتاب" .

قال الرئيس الفرنسي : "لا يمكن أن نقبل ومن ثم أن نسهل ما يزداد شبها أكثر فأكثر بمخطط تطهير إجرامي في الشرق الأوسط. وأكرر مخطط تصفية دينية في العراق كما هو الحال في مصر. مسيحيو الشرق الأوسط هم في أوطانهم. إنهم هناك في بلدانهم وأغلبهم منذ ألفي عام. لا يمكننا القبول بأن يختفي هذا التنوع البشري والثقافي والديني من هذه المنطقة من العالم".!!

ووزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني أعلن عن مبادرة تتبناها ايطاليا لاستصدار قرار أممي يهدف الى حماية المسيحيين في العالم بدعم من الاتحاد الأوروبي، وقال فراتيني إن إيطاليا تقدمت بدعم بلدان الاتحاد الأوروبي بمشروع قرار إلى الأمم المتحدة يؤكد عدم المساس بحق الفرد في المجاهرة وممارسة شعائر دينه وعدم المساس بحق التعبير عن معتقده في العلن وكذلك بمظاهر عامة.

وذكر أن ايطاليا حصلت على التزام من الاتحاد الأوروبي لصالح الحرية الدينية والتصدي للاضطهاد، مشيرا إلى أن كل سفارات دول الاتحاد الأوروبي في العالم ستتلقى مدونة سلوك للدبلوماسيين "حتى ترفع كل أوروبا صوتها عندما يتم تعرض حقوق المسيحيين للتمييز أو التضحية بأي شكل كان".

وأشار إلى أن إيطاليا في إطار دفاعها عن المسيحيين "حققت خطوات مهمة مع مصر والعراق والسودان وكذلك خارج الشرق الأوسط مع الهند باعتبارها "بلداناً يعيش فيها المسيحيون أوضاعا معقدة"، مؤكدا "أننا في المستقبل أيضا لا نعتزم التراخي" في هذا الالتزام.

أيضا اقترح فولكر كاودر، رئيس الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي، المنتمية إليه المستشارة أنجيلا ميركل، تقديم مساعدات تنموية موجهة لدعم مشروعات مسيحية فقط في الدول التي زعم أن المسيحيين يعانون فيها من الاضطهاد، وذكر مصر بالاسم بعد حادث كنيسة القديسين .

ناشد رئيس مجلس الكنيسة البروتستانتية في ألمانيا، نيكولاوس شنايدر، الأوساط السياسية في بلاده، المطالبة باستمرار الحرية الدينية في الدول العربية على حد تعبيره.

كما عرض الرئيس الأمريكي باراك أوباما تقديم الولايات المتحدة "كل ما يلزم من مساعدة لمواجهة هذه الأعمال والرد عليها " !؟.

الفاتيكان.. تدخل ديني

وإذ كان التدخل الأوروبي لحماية المسيحيين العرب اتخذ طابعا دبلوماسيا سياسيا، فقد جاء

تدخل الفاتيكان يحمل طابعا دينيا مباشرا مستغلا ما جري من تفجير كنيسة الاسكندرية وما قبلها من تفجير في كنيسة بغداد، ليطرح بقوة مشروعه الديني (الكاثوليكي) المرفوض من قبل الكنيسة المصرية (الأرثوذكسية)، والمتعلق بوضع كافة كنائس الشرق تحت زعامة الفاتيكان، وهو هدف ليس متعلقا بتفجير اسكندرية وإنما بدأ قبل هذا بسنوات وظهر بوضوح في "سينودس" الشرق الأوسط الذي عقد في الفاتيكان في أكتوبر 2010 أي قبل ثلاثة اشهر من تفجير الاسكندرية !.

فوثيقة الفاتيكان المعدة قبل تفجير الاسكندرية بعدة أشهر تحدثت عن توحيد الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما، ولكنها صاغتها بعبارة خبيثة تقول "إن تلتف الكنائس حول أسقف روما (وهو أحد ألقاب البابا) خليفة بطرس، الراعي العالمي للكنيسة، من أجل الكنيسة العالمية" !؟

والمشاركون في مؤتمر الفاتيكان "السينودس" لبحث حماية الأقليات المسيحية في المنطقة، زعموا أن المسيحيين في الشرق الأوسط، خاصة في مصر يعانون من القمع، الأمر الذي يدفعهم إلى الهجرة إلى أوروبا وأمريكا واستراليا وكندا، داعين إلى وقف ما أسموه بـ "نزيف الهجرة" وإبداء الدعم الغربي لهم، حتى يتوقفوا عن الرحيل من "أرض الأجداد"!!.

والبابا بينديكت السادس بابا الفاتيكان، قال في كلمته الافتتاحية للمؤتمر :"يجب أن يكون المسيحيون في مصر وباقي دول المنطقة قادرين على العيش بكرامة في أوطانهم، وأن لا يتعرضوا للعنف" !.

ولأن تصريحات بابا روما كانت عدائية ضد الشرق المسلم وهو يتقمص دور المدافع عن مسيحي الشرق ، فقد علقت الصحف الفرنسية علي هذه الوثيقة الفاتيكانية بالقول في مانشيات الصحف بأنها : "نداء إلى حرب صليبية جديدة ضد الإسلام"، أو "البابا يستعدى مسيحيي أوروبا على الإسلام" ، أو "البابا يحث أوروبا المسيحية لنجدة إخوانهم من الإبادة في الشرق الأوسط "أو "البابا يدعو أوروبا الى حماية أصول جذورها المسيحية فى الشرق الأوسط "، وكأن المسيحيين يرضخون تحت نير "احتلال المسلمين" - في الشرق الأوسط - لأراضيهم ويسومونهم أشد أنواع العذاب أو يلقون بهم إلى ساحات الأسود الجائعة !

وطبيعي عندما وقع تفجير الاسكندرية أن ينشط البابا بندكتوس مرة ثانية ليعيد طرح المزاعم المتعلقة باضطهاد المسيحيين العرب ويدعو لحمايتهم، لتتلاقي المصالح الفاتيكانية الدينية مع المصالح الغربية السياسية حول الحديث المزعوم عن الرغبة في حمايتهم لمسيحي الشرق، برغم أن هذه الأحداث عادية وتحدث في الغرب ايضا ولم يقل أحد في الشرق إن هناك رغبة للتدخل لحماية مسلمي أوروبا أو أمريكا !.

تدخل أزهري موفق

وكان التدخل الأزهري موفقا في هذه الحالة عندما انتقد الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف دعوة بابا الفاتيكان لحماية الأقباط فى مصر، ورفض دعوته لصلاة مشتركة يوم عيد الميلاد ، ووصفه بأنه تدخل غير مقبول فى شئون مصر، وتساءل :"لماذا لم يطالب البابا بحماية المسلمين عندما تعرضوا لأعمال قتل فى العراق، منتقدا التعامل بنظرة غير متساوية للمسلمين والمسيحيين جراء ما يحدث فى العالم من أعمال قتل لهم.

فتصريحات الدكتور الطيب جاءت من منطلق إدراك عميق لمرامي التدخلات الغربية والفاتيكانية ، إذ سبق أن انتقد الدكتور أحمد

الطيب عندما كان رئيسا لجامعة الأزهر عام 2009، ما سماه "الدور الذى يقوم به «الفاتيكان» فى الهجوم المستمر على الإسلام والمسلمين وسعيه الدائم لزعزعة جذور الحضارة الإسلامية ، وقال فى مؤتمر صحفى عقده بمناسبة الملتقى العالمى لخريجى الأزهر: «حينما نتعامل مع الغرب نجد أمامنا الغرب الدينى الذى يمثله «الفاتيكان» والغرب العلمانى ونجد أنهما يتفقان فى النيل من الإسلام و زعزعة جذور الحضارة الإسلامية».

كما انتقد الدكتور الطيب مؤتمرات الحوار الإسلامية ووصفها بأنها تشبه «المجاملات واللقاءات العامة»، مما يؤدى لضعف النتائج التى تخرج بها بصورة واضحة.

بابا الفاتيكان زعيما لكنائس الشرق!

ولأنها متخصصة في كشف مرامي سينودس الفاتيكان وأهدافه الحقيقية من السعي للعب بورقة المسيحيين العرب، فقد وصل الأمر بالدكتورة زينب عبد العزيز أستاذة الحضارة الفرنسية في مصر، لاتهام "الفاتيكان" بأنه صاحب المصلحة من تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية، وقالت إن هذا "مخطط من ضمن مخططاته للسماح للغرب بالتدخل في الشئون الداخلية بدعوى حماية المسيحيين" .

وبررت الدكتورة "عبد العزيز" اتهامها للفاتيكان بالقول إن :سينودس الشرق الأوسط الذي عقد في الفاتيكان في أكتوبر الماضي 2010 والذي طالب فيه بابا الفاتيكان الدول الأوربية بحماية المسيحيين في الشرق الأوسط كان رسالة حتى يقولوا أنقذوا المسيحيين من إرهاب الإسلام، حتى يكون هناك حجة في تدخل خارجي بدعوى حمايتهم لأنهم مضطهدون " .

وأضافت د. عبد العزيز :"لماذا لم يظهر حديثهم عن الاضطهاد إلا بعد سينودس الشرق الأوسط ؟ مؤكدة أنها لعبة قذرة بدأت بكنيسة النجاة في بغداد وانتهت بكنيسة القديسين بالإسكندرية "، ودعت مسيحيي الشرق الأوسط وخاصة أقباط مصر "أن يستيقظوا من لعبة الفاتيكان وفخ بعض أقباط المهجر الذين ينشرون أكاذيب وافتراءات في وسائل الإعلام الغربية عن الوضع الداخلي المصري وتهويل أتفه المواقف حتى يظهر المسيحيون على أنهم أقلية مضطهدة " ما يسمح بالتدخل الغربي .

ولاحظت الدكتورة "عبد العزيز" أن وثيقة الفاتيكان الأخيرة التي ناقشها سينودس الشرق الأوسط لا تكف عن تكرار أن المسيحيين في الشرق الأوسط "أقلية ضعيفة وتعانى من الاضطهاد"، لذلك تطالب (الوثيقة الفاتيكانية) كل العالم المسيحي ليتحركوا لإنقاذهم من الظلم والانقراض..وهذا هو أحد أهم مضامين الوثيقة.. أي التدخل لحماية الأقليات المسيحية بأي وسيلة وبأي ثمن ، وأن هذا جزء من محاولته الشرسة للقضاء على الإسلام والمسلمين" .

وقالت إن هذا بمثابة "مزيد من التوغل الفاتيكاني الكاثوليكي في الشرق الأوسط ومزيد من الاستخدام لوجود المسيحيين المحليين في عملية اقتلاع الإسلام والمسلمين التى يعدّون لها، وإن أمكن ان تتم بتعاون بعض المسلمين الذين يقبلون التواطؤ- وإن كان الفاتيكان يطلق عليهم عبارة "حكماء المسلمين" ! ..

الاتحاد الأوروبي: ناد مسيحي!؟

أيضا ضرب وزير الخارجية أحمد أبو الغيط هذا التدخل من قبل الاتحاد الأوروبي في قضية مسيحيي مصر والدعوة لحمايتهم في مقتل عندما قال السبت 8 يناير 2011 أن الاتحاد "ليس جهة تقييم للأداء المصري فيما يتعلق بموضوع يقع في صميم الشأن الداخلي المصري مثل تعامل الدولة مع الأقباط والعلاقة بين الأقباط والمسلمين".

وقالإن منهج تبني البعض في الغرب وبالذات في الاتحاد الأوروبي للمسيحيين في الشرق من شأنه أن يؤزم الأمور بشكل كبير، لأن هذا التدخل : "يلقي بعلامات استفهام كبيرة حول طبيعة الاتحاد الأوروبي ذاتها ويكرس الانطباع السائد الذي يقول به رجال دين غربيون من أن الاتحاد الأوروبي هو ناد مسيحي ويجب أن يظل كذلك " !؟

ونفي أبو الغيط تقديم مصر أي تعهدات لدول أوروبية بأنها ستكثف من إجراءاتها لحماية الأقباط في مصر لأن مصر لا يمكن أن تتعهد لأطراف خارجية مهما بلغت العلاقة معها بمثل هذا الكلام، فهي (مصر) ملتزمة بحماية أبنائها مسلمين ومسيحيين ومكافحة الإرهاب والقضاء عليه وتعقب الجناة في هذه الجريمة البشعة وتقديمهم للعدالة .

وكان أبو الغيط أكثر حسما عندما كشف مرامي هذه التدخلات الغربية وفضحها علنا بتأكيده أن : "ما وقع في مصر من أحداث لن نسمح بأن يكون مطية يستخدمها أي سياسي في الغرب للتخديم على مواقفه .. ولن نمكنهم من ذلك"!.

الصراخ الاوروبي ومن الفاتيكان لم يكن بالتالي هدفه صادقا حماية المسيحيين بقدر ما هو سلسلة من سلال التدخلات الأجنبية في شئون مصر بحجة حماية الاقليات، واستخدام هذه الورقة حجة ومطية لخدمة مصالحهم والضغط علي مصر لتحقيق هذه المصالح بدعاوي حقوق الانسان أو حقوق الأقليات أو حتي حقوق البهائيين والشواذ جنسيا !؟

أهم الاخبار