رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

التراث الإسلامى بين التقديس.. والازدراء

السيد الغضبان

السبت, 07 فبراير 2015 22:05
بقلم -السيد الغضبان


ضوابط الخطاب الدينى المستنير
تسفيه الفقهاء ينفر الجماهير
سنة العبادة وسنة العادة شرحهما يفتح باب التنوير

الجماعات المتطرفة التي ترفع رايات إسلامية وهي ترتكب أبشع جرائم الذبح البشع، وباسم الإسلام تعيث فساداً في الأرض وترهب المجتمعات البشرية لتتحول إلي مسخ بالغ التخلف بحجة أن هذا هو النموذج الذي يريده الإسلام للبشر.
هذه الجماعات بفكرها المختلف وسلوكها الشاذ لم تنشأ فجأة في المجتمعات الإسلامية، لكنها ظهرت في السنوات المبكرة من القرن الهجري الأول، والمتتبع لنشأة هذه الأفكار والجماعات المتعصبة والمتخلفة سوف يلاحظ بكل وضوح أن نشاط هذه الجماعات وانتشار هذه الأفكار يرتبط أشد الارتباط بالصراع علي السلطة.
فكل طامع في السلطة وكل قابض علي زمامها يسعي بكل قوة للاستناد إلي حجج ترسخ سلطته إذا كان متربعاً علي عرشها أو تبرر له استخدام كل الوسائل للوصول إليها وإزاحة خصومه.. ويري المتصارعون علي السلطة أن الحجج والمبررات تكتسب قوة إذا استندت إلي تفسيرات وتأويلات لآيات قرآنية أو أحاديث نبوية تعزز وجهة نظرها.
وفي مناخ الصراع الدامي بين الأمويين والعباسيين بدأت حركة جمع الأحاديث النبوية التي اعتمدت علي «روايات» الرواة، وبذل من تصدي لجمع الأحاديث النبوية الشريفة جهوداً خارقة لتوثيق الروايات ووضعوا مناهج ممتازة لهذا النشاط، غير أن عوامل كثيرة أثرت سلباً علي هذا النشاط ولم تستطع النوايا الحسنة والمناهج المتقنة أن تمنع تسرب الكثير من الأحاديث المنسوبة إلي الرسول صلي الله عليه وسلم والتي تتصادم مع المقاصد العليا للإسلام، والتي لا ترتكز علي نصوص قرآنية قاطعة الدلالة.
ويؤكد كثير من الباحثين في علوم الحديث أن أطراف الصراع علي الحكم كان لهم نصيب كبير في استخدام بعض من ينتسبون إلي طائفة الفقهاء وعلماء الحديث ليضعوا أحاديث منسوبة كذباً إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم.
هذه الشبهات القوية حول دقة جمع الأحاديث النبوية الشريفة، فتحت الباب واسعاً لمن نسبوا أحاديث إلي رسول الله تدعو للتكفير والتعصب المذهبي والطائفي والعنف الدموي، وصدرت فتاوي كثيرة لمن تصدروا ساحة الإفتاء في هذه الأزمة وما بعدها تكرس التطرف والتعصب والعنف ضد المخالفين.

تقديس التراث الديني
تراكمت هذه الفتاوي علي مر الزمان وأصبحت «تراثاً» تعتبره الجماعات المعنية بالدعوة الإسلامية والمرجع الموثوق الذي تتشكل علي أساسه الاتجاهات الفكرية لأعضائها، وفي فترات الانحطاط والضعف تنشط هذه الجماعات، مؤكداً أن هذا الضعف والهزيمة أمام الأعداء سببه الابتعاد عن «شرع الله» وأن الطريق لاستعادة مجد الأمة الإسلامية والمتمثل في صدر الإسلام، الطريق الوحيد هو العودة إلي نمط الحياة التي عاشها الرسول صلي الله عليه وسلم وصحابته ويقدم أصحاب هذه الرؤية ذلك «التراث» باعتباره المرجع المعتمد لتحقيق النجاح وتجاوز الهزائم وإعادة الأمجاد التي تحققت في عصر النبوة.
واكتسب هذا «التراث» منزلة تقترب من القداسة، بل لا أغالي إذا قلت إن هذا التراث اكتسب لدي العوام قدسية تفوق كل ما عداها، وفي هذا السياق فإن العوام في مصر يرون أن الخطأ يمكن أن يغتفر إلا في حالة واحدة إذا كان هذا

الخطأ متعلقاً بأحد كتب هذا التراث ويعبر العامة في مصر عن هذا المفهوم بعبارة شهيرة يطلقونها في وجه من يستنكر خطأ ارتكبه شخص ما فيقولون باستنكار «هو يعني غلط في البخاري؟».. هذه العبارة تكشف عن مدي تقديس قطاعات كبيرة من الشعب المصري لهذا «التراث».

إجهاض محاولات التنوير
شهدت مصر وكثير من البلاد الإسلامية علي فترات متفرقة محاولات من علماء مستنيرين يخشون علي الإسلام من تشويه يلحق برسالته، وتحريف لمقاصده العليا يعتمد علي تأويلات وتفسيرات تغذت علي هذا التراث وما حواه من أفكار متطرفة ومتعصبة تم إقحامها علي صحيح الإسلام، وحاول هؤلاء العلماء المستنيرون أمثال الشيخ محمد عبده والشيخ علي عبدالرازق والشيخ محمود شلتوت أن يصححوا «الخطاب الديني» الذي يجلو الوجه الوضىء للإسلام كدين يرفض كل ألوان العنف والإكراه، ويدعو إلي الحوار الموضوعي المغلف بالكلمة الطيبة الودودة حتي مع الأعداء «ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم».
وكان شيوخ التخلف والتعصب الدموي يسارعون باتهام رواد الاستنارة هؤلاء بالكفر والإلحاد وبكل ألوان الفساد الأخلاقي ويستثيرون العامة ضدهم، وكثيراً ما نجح شيوخ التخلف والتعصب في إرغام رواد الاستنارة الانزواء بأفكارهم بعيداً عن الخطاب الجماهيري العام.

حسن النية حدها لا تكفي
اليوم تتجدد الدعوة بقوة لتبني خطاب ديني مستنير يواجه خطاب التعصب الدموي والتخلف، وقد شجع تبني السلطة لهذا الاتجاه كثيرين علي اقتحام هذه الساحة، وتزاحم الكثيرون ليتصدروا المشهد، وبعضهم للأسف لا ترقي معارفهم ومعلوماتهم إلي الحد الذي يؤهلهم للخوض في الموضوعات الشائكة التي تتطلب علماً غزيراً وقدرة فائقة علي اختيار الأسلوب الأمثل للخطاب الديني المستنير.
بعض هؤلاء يضبطون نغمة أحاديثهم بطريقة ترضي عواطف الجماهير حتي إن اقتضي الأمر الهروب، من إبداء الرأي بوضوح في الموضوعات الخلافية، وهؤلاء يقدمون خدمة كبري لشيوخ الجهل والتعصب.
البعض الآخر يقتحم كل الموضوعات بآراء بالغة التطرف دون أن يملك الحجة المنطقية التي تسند رأيه وتعززه، ويعتمد فقط علي «الصوت العالي» والصراخ واتهام الآخرين بالتخلف والجهل، وهؤلاء هم الوجه الآخر لشيوخ الجهل والتعصب ويتفوق عليهم شيوخ التخلف بامتلاكهم بعض العلوم حول الموضوعات الخلافية.

الازدراء المنفر
وهناك فريق ثالث يمتلك المعارف والعلوم التي تؤهله لمقارعة الحجة بالحجة، وتقديم الشواهد والأسانيد الشرعية التي تدحض دعاوي شيوخ التعصب، لكن بعضهم يدفعه الحماس والغيرة علي الإسلام إلي استخدام خطاب إعلامي يستفز العامة وينفرهم ويقدم لشيوخ التعصب دليلاً يستخدمونه لاتهامه بتحريف الإسلام.
من بين هؤلاء أتوقف عند أسلوب الخطاب الذي يتنباه «إسلام بحيري» في برنامجه، وأثق كل الثقة في أن دوافع الرجل خالصة لوجه التنوير

وتخليص الإسلام من شوائب شوهت وجهه، وأنه يمتلك المعارف التي تمكنه من تقديم خطاب ديني مستنير ومقنع.
مشكلة «إسلام بحيري» أن حماسه يدفعه لاستخدام عبارات قاسية في وصف فقهاء أجلاء ترسخت مكانتهم في نفوس المسلمين علي مر العصور، وأيضاً يقع الرجل في خطأ ازدراء بعض النصوص التي أوردها هؤلاء الفقهاء في كتبهم، ويسفه آراءهم بطريقة تستفز قطاعات كبيرة من المشاهدين المفترض أن خطابهم يستهدفهم ويحاول إقناعهم بخطأ ضمه هذا التراث، ومن الطبيعي أن مثل هذا الخطاب الصادم، يجعل قطاعات كبيرة من الجمهور تنصرف عن متابعته وترفض الإصغاء لمنطقه.

ملاحظات مهنية
أعرف أنني لا أملك الحق في توجيه النصح لأحد لكنني أسجل ملاحظاتي علي أساس خبرة مهنية في مجال الخطاب الإعلامي، وأعتقد استناداً لهذه الخبرة أن الخطاب الإعلامي الذي يتوخي تصحيح المفاهيم التي شوهت وجه الإسلام يمكن أن يحقق نجاحات كبيرة إذا ابتعد عن ازدراء التراث ولم يسفه فقهاء يحتلون منزلة خاصة في نفوس المسلمين، ويستطيع من يريد إقناع الجماهير أن يسلك طريقين.
الطريق الأول: التأكيد علي أن هؤلاء الفقهاء بذلوا جهداً يستحق الاحترام والتقدير، لكنهم قدموا لنا «اجتهاداً بشرياً» استند إلي ما توفر في زمانهم من معارف وعلوم، وأن تغيير المكان والزمان يتطلب «اجتهاداً بشرياً» جديداً يستفيد من التراكم الهائل للمعارف والتقدم العلمي المذهل، وبعيداً عن «العبادات» الثابتة بنصوص قرآنية قاطعة وأداء متواتر عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، خاصة فيما يتعلق بتفصيل لأساليب أداء العبارات «صلوا كما رأيتموني أصلي» بعيداً عن هذه الثوابت القطعية فكل ما يتعلق بممارسة الحياة اليومية تتغير بتغير الزمان والمكان مع الالتزام بالإطار الأخلاقي العام، ويحسم هذا قول الرسول صلي الله عليه وسلم «أنتم أعلم بشئون دنياكم».
الطريق الثاني: التأكيد علي تصنيف السنة النبوية الشريفة إلي «سنة عبادة» و«سنة عادة».. أما سنة العبادة فهي ما فعله الرسول صلي الله عليه وسلم لبيان أسلوب وطريق أداء العبادات كالصلاة والصوم.. أما سنة العادة فهي ممارسة رسول الله صلي الله عليه وسلم للحياة اليومية من ملبس ومأكل وتداوٍ من الأمراض وهيئة عامة وغيرها مما يمارسه كل إنسان في حياته اليومية، وفي هذا السياق كان رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يخالف «عادات قومه» فيعفي لحيته ويقصر ثيابه ويتداوي بحبة البركة وبالكي وغير ذلك من السلوك البشري في الحياة اليومية.. وسنة العادة هذه ليست من السنن المكملة لبعض ما جاء مجملاً في القرآن الكريم.. ولهذا فكل هذا السلوك مرتبط بعادات المجتمع في ذلك المكان وهذا المجتمع وفي زمان مضي وليس في هذا ما يلزم المسلم باتباعه.
وفي هذا السياق فإنني أطالب فضيلة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر بأن يركز علماء الأزهر علي هذه التفرقة بين سنة العادة وسنة العبادة.
يشجعني علي دعوة شيخ الأزهر لتبني هذا الأمر أنني سمعت فضيلته وهو يشغل منصب مدير جامعة الأزهر وكان ضيفاً علي أحد البرامج التليفزيونية، وقد سأله مقدم البرنامج لماذا لا يطلق لحيته «وكان يومها حليق اللحية» فأجاب فضيلته أنه لو كان مقتنعاً بنسبة 5٪ من أن إطلاق اللحية سنة عبادة لأطلق لحيته فوراً، لكنه مقتنع بأن الرسول صلي الله عليه وسلم أطلق لحيته جرياً علي عادة قومه وزمانه، أي أن إطلاق اللحية «سنة عادة» لا يلتزم بها المسلم.
هذا هو رأي شيخ الأزهر كما سمعته بنفسي، وأعتقد أنه أطلق لحيته بعد ذلك وارتدي العمامة والكاكولة لأن هذا هو المظهر الذي اعتاد المسلمون أن يروا شيخ الأزهر عليه، فعندما تولي مشيخة الأزهر أراد أن يحافظ علي الهيئة التي استقرت في وجدان جماهير المسلمين كصورة ذهنية للإمام الأكبر شيخ الأزهر.
هذه بداية تفتح الباب الواسع لموقف الجماهير وفهمها لسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم.


 

ا