الفوضي الثورية وآثارها التدميرية!!

بقلم : السفير: صلاح الدين إبراهيم

تتعرض الثورات في بعض مراحلها لحالات من الارتباك والفوضي وعدم وضوح الرؤية والمقاصد، خاصة بعد أن تتشعب مصالحها وأهدافها وتدخل قوي الثورة المضادة وأصحاب النفوذ السابقون في جهود لإفشال الثورة أو إعادة السيطرة عليها أو اختطافها.

وتلعب قوي الثورة نفسها وعناصرها الأساسية دوراً واضحاً في استدعاء هذه الفوضي وهذه الارتباكات وذلك بتشتيت جهودها وانقسامها وزيادة الخلافات بينها.

ومن الواضح أن المرحلة الحالية التي تمر بها ثورتنا الشابة التي انطلقت في 25 يناير الماضي هي أولي مراحل هذه الفوضي وهذه الارتباكات رغم النجاحات التي تحققت خلال الشهور الخمسة الماضية إلا أن المطالب التي يتقدم بها شباب الثورة من وقت لآخر سواء للحكومة القائمة أو للمجلس الأعلي للقوات المسلحة الذي يمثل السلطة العليا في البلاد التي تهدف إلي تحقيق أهداف الثورة وإفشال جهود رجال النظام السابق وفلوله لإشاعة الفوضي الهدامة والفرقة بين فئات الشعب أو إذكاء الفتنة الطائفية من وقت لآخر أو تعطيل عجلة الإنتاج أو استمرار التسيب الأمني، خاصة في ضوء تعطيل رجوع رجال الأمن إلي الشارع المصري أو ارتفاع سقف المطالب الفئوية أو غيرها.

ولقد ساعدت الانقسامات التي سادت صفوف شباب الثورة وعناصرها الأساسية وعدم الاتفاق علي توحيد كلمة هذه المجموعات المتفرقة أو وضوح مطالبها أو خلق قيادات تتولي مسئولية عرض مطالبها وتحديد طريقها إلي المستقبل

كثيراً علي زيادة حدة الفوضي والارتباك واستغلال الأطراف المضادة لهذه السلبيات لتحقيق أهدافها المعروفة، ومقاصدها المعروفة.

والثورات يا سادة لا يعتمد في تحقيق أهدافها علي عناصر وقوي خارج صفوفها وإذا كانت الثورة قد جذبت إليها الملايين من أبناء الشعب الذي ظل ينتظرها لسنين طويلة إلا أن استمرار إمساك عناصر النظام السابق بكثير من مقاليد السلطة سواء داخل الحكومة أو خارجها واستمرار عملية التباطؤ في محاسبة مسئولي النظام السابق بغرض زيادة الفوضي وإطالة الفترة الانتقالية وغيرها من الجهود المعروفة والمتعارف عليها لخطف الثورة أو إفشالها أو العودة بها إلي الوراء.. ومن غير الواضح للكثيرين ممن يتابعون خطوات الثورة منذ اندلاعها استمرار المظاهرات أو الاعتصامات أو تعطيل عجلة الإنتاج أو إتاحة الفرصة لزيادة المطالب الفئوية في هذه الأوقات العصيبة.. ويتطلب ذلك من عناصر الثورة الحريصة علي إنجاحها وقفة مع النفس ومع الغير وتحديد الأهداف التي قصدت الثورة منذ قيامها الوصول إليها وتولي مسئولية تحقيقها لا المطالبة بها سواء من الحكومة المؤقتة أو من المجلس الرئاسي الذي يتولي السلطة العليا في الوقت الحالي، فلا شك أن كلاً من الحكومة والمجلس

الأعلي للقوات المسلحة له نظرة مغايرة لنظرة شباب الثورة ومسئوليها!! لو علي أقل تقدير حول المساحة والوقت المطلوب لتحقيق هذه الأهداف.

وإذا كانت الثورة في عودتها مرة أخري إلي ميدان التحرير وتقديم مطالبها مرة أخري من هذا المكان المقدس بالنسبة لها للحكومة وللمجلس الأعلي للقوات المسلحة ومطالبتهم بالإسراع لتلبية هذه المطالب قد حقق بعض النجاحات المحدودة المفعلة في التعديل الوزاري الأخير وتغيير بعض المحافظين أو غير ذلك من خطوات يطالبون بسرعة محاكمة رجال النظام السابق أو علانية هذه المحاكمات أو  غير ذلك إلا أن هذه الجهود في مجملها لا تحقق الأهداف الأساسية التي جاءت الثورة من أجلها وهو إحداث التغييرات الأساسية في المجتمع المصري والتحول من مرحلة انتشار الفساد والفاسدين إلي مرحلة الشفافية وتطبيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وهي الركائز التي تدعو إليها الثورة منذ اندلاعها.

ولا ريب أن هناك قوي جديدة في المجتمع أصبحت تترصد بالثورة وتحاول التسلط عليها أو الاستيلاء عليها تلك القوي التي أتاحت لها الحريات الجديدة تكوين أحزاب متعددة سواء كانت دينية أو سلفية أو غيرها من القوي التي تبذل جهوداً واضحة للوصول إلي السلطة سواء عن طريق استخدام آليات الحرية الجديدة من انتخابات أو استفتاءات أو غيرها باعتبارها القوي الأكثر تنظيماً وتحويلاً في المجتمع.

وسيؤكد المستقبل أن الثورات التي تحرص علي حقوقها وتبذل جهوداً جادة لتحقيق أهدافها قادرة علي التغلب علي هذه القوي المضادة وعلي فلول النظام السابق وعلي العناصر الهدامة من قوي الأمن ومن العناصر التي هربت من المعتقلات ومن السجون.. فالثورات بمبادئها النبيلة.. وأهدافها السامية أكثر قدرة علي اجتذاب تأييد المجتمع من القوي الهدامة أو الداعية إلي العودة إلي الوراء.