الثورة.. ومحاولات إفشالها

بقلم -السفير: صلاح الدين إبراهيم

 

تتعرض الثورات عبر التاريخ لمحاولات متكررة لإعادتها إلي الوراء وإفشالها، خاصة بعد النجاحات التي حققتها الثورة خلال هذه الأيام القليلة منذ اندلاعها وانهيار النظام الديكتاتوري السلطوي الذي ظل جاثماً علي صدورنا طوال السنين الثلاثين الماضية وتمثل هذه الثورة البيضاء التي اعتمدت في الأساس علي حماس الشباب، وقدرتهم علي التحرك السلمي للوصول لأهدافهم وآمالهم التي أعلنوا عنها عن العودة إلي الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان وغير ذلك من المبادئ التي تطالب بها الشعوب عندما تتعرض لفترات طويلة من الظلم وانعدام العدالة الاجتماعية، وضياع الحقوق الطبيعية للشعوب، ولم يكن مستغرباً أن تظهر هذه التحركات المعادية للثورة ويعمل علي إجهاضها، واتخذت هذه التحركات صوراً متعددة من العنف والاعتداء علي شباب الثوار في ميدان التحرير، خاصة بعد التأييد الواضح من جموع الشعب المصري علي اختلاف اهتماماته وتحول المظاهرات إلي حركات مليونية مسالمة مطالبة بتحقيق مطالبها المشروعة والعادلة!

ولم تشعر القوي المعارضة من فلول النظام السابق ومجموعة المستفيدين من النظام والمستغلين له بالخجل لاستخدام العنف سواء في موقعة الجمل الشهيرة التي لا يزال التحقيق فيها أمام القضاء وغيرها من محاولات متكررة من العنف ضد شباب الثورة الذي اختار السلم واحترام حقوق الإنسان سلوكاً لتحقيق مطالبهم طوال الفترة القصيرة الماضية.

ولم يكن مستغرباً أن تبدي الحكومات وشعوب الدول فيما حولنا إعجابها بالأسلوب المتمدين والمتحضر الذي تمارس من خلاله الثورة خطواتها ومحاولاتها للوصول إلي أهدافها وإلي تغيير النظام وإقامة نظام أكثر تحضراً وأكثر عدالة.

ويخطئ من يتصور أن النتائج الإيجابية التي استطاعت الثورة تحقيقها من تعديلات في بعض مواد الدستور وإجراء استفتاء عليها.

إن تقدم المجتمعات يا سادة يعتمد في المقام الأول علي مدي التعاون بين فئات الشعب المختلفة، خاصة في مراحل ما بعد اندلاع الثورات لا علي تناحر هذه الفئات وتنازعها.. وما نحن بحاجة إليه في المرحلة القادمة هو إعادة بناء مؤسسات الدولة وكياناتها علي أسس جديدة، خاصة المؤسسة التعليمية والمؤسسة الصحية والمؤسسة الخدمية، تلك المؤسسات التي أصابها الكثير من التدهور والانحسار في ظل النظام السابق.

ولعل من أكثر الإيجابيات التي حققتها الثورة حتي الآن هو الابتعاد عن القواعد الاستثنائية.. والتمسك بالقواعد والقوانين التي تحكم المجتمع التي تطبق علي الجميع.. ومن هذا المنطلق جاءت كافة الخطوات المرتبطة بتوجيه الاتهامات إلي مسئولي العهد السابق في كل القواعد العامة وهو ما أثار احترام وتقدير شعوب العالم وقادتها.

ولا ريب أن محاولات إثارة الفوضي الهدامة أو الفتنة الطائفية بصورها المختلفة بعد تحققه للساعين لإثارة الخلافات والمنازعات في مجتمعنا.. فقد أكدت الأحداث مدي الترابط والتعاون الذي يسود مجتمعنا الذي أكدته الأحداث

الأخيرة.

لقد استطاعت الثورة وشبابها تحقيق إنجازات عدة خلال الشهور الثلاثة الماضية وعلي رأسها إسقاط النظام الذي ظل جاثماً علي صدورنا لمدة ثلاثين عاماً وحل الحزب الحاكم الذي ظل مسيطراً علي الحياة السياسية في مصر متفرداً واسترجاع مقاره وأرصدته والسعي إلي استرجاع الثروات التي استولي عليها رجال الحكم السابق وتحويلهم للمحاكمة وتحمل مسئولية فساد الحكم طوال هذه الفترة، هذا علاوة علي تقديم رئيس الدولة السابق وأسرته للمحاكمة أمام المحاكم الوطنية في ظل النظام المدني القائم دون استحداث نظم ثورية أو نظم خاصة وإن دل ذلك علي شيء فهو دليل علي مدي التحضر والتمدين الذي يسود الثورة ونظمها.

وقد تم خلال هذه الفترة أيضاً تغيير الحكومة وتعديل الدستور وإجراء الاستفتاء علي المواد المعدلة والاستعداد لإجراء انتخابات مجلسي الشعب والشوري وانتخاب رئيس جديد للدولة وتغيير عدد غير قليل من المحافظين وتغيير نظام الحكم المحلي وحل المجالس المحلية السابقة، كل هذه الخطوات التي تهدف إلي إعادة الحياة الطبيعية للمجتمع المصري وإلي الوصول إلي الحكم الرشيد الذي نصبوا إليه جميعاً.

وكان من الطبيعي أن يكون علي الجانب الآخر محاولات متكررة لإثارة الفوضي أو الضغائن بين فئات الشعب المختلفة ومحاولات تأخير جهود الاستقرار الأمني الذي افتقدناه بعد سحب قوات الأمن من الشارع المصري.

ورغم المخاطر الكثيرة المرتبطة بتدهور السياحة وانخفاض إنتاجنا الصناعي والارتباك الذي جاء مع اندلاع الثورة فقد أصابت المجتمع في مجموعها محدودة الآثار بالمقارنة بالثورات علي مر التاريخ، فلا يزال المجتمع المصري بعناصره الإنتاجية قادراً علي المقاومة والوقوف علي رجله.

ولن تألوا العناصر التدميرية سواء من السلفيين أو الرجعيين الذين انطلقوا أخيراً في الساحة وغيرهم من العناصر بالنظام السابق والمجموعات التي ضاع نفوذها بسقوط النظام فعاودت جهودها في إثارة البلبلة والاضطرابات من وقت لآخر في مجالات متكررة لإثارة الفوضي وإشاعة احتمالات إفشال الثورة وجهودها، إلا أن الالتفاف الواضح لغالبية المجتمع المصري حول ثورتهم الشابة والسعي الحثيث للزود عن حياضها سيظل هو القاسم المشترك الأعظم الذي يحكم حركة المجتمع إلي أن يستقر المجتمع وتحقق الثورة أهدافها!!

إن ثورتنا البيضاء استطاعت أن تحقق في هذه الفترة القصيرة ما لم تستطع غيرها من حركات تغيير المجتمعات تحقيقه في كثير من الأحيان.

وستؤكد الأيام القادمة قدرة الشعب المصري المعروفة عبر التاريخ ومنذ القدم تحقيق المعجزات والأهداف والآمال التي أدت إلي اندلاع الثورة في 25 يناير الماضي.

فإذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر

ولن تستطع التحركات السلبية والساعية لتحقيق أهدافها لإثارة مجتمعنا إلي الوراء تحقيق أهدافها بل العكس هو الصحيح.