الثورة‮.. ‬وأسلوب الحكم

بقلم - السفير/ صلاح الدين إبراهيم

ترتبط الثورات عبر التاريخ علي‮ ‬القواعد والمبادئ التي‮ ‬تنظم حركتها وتنظم التغيرات التي‮ ‬تسعي‮ ‬إلي‮ ‬تحقيقها‮.. ‬وكان من الطبيعي‮ ‬بعد اندلاع ثورتنا البيضاء التي‮ ‬استطاعت في‮ ‬عدة أيام قليلة إسقاط نظام الحكم السابق الذي‮ ‬ظل جاثما علي‮ ‬نفوسنا لأكثر من ثلاثين عاما استطاع خلالها نشر الفوضي‮ ‬الهدامة في‮ ‬المجتمع واتاحة الفرصة لاعداد‮ ‬غير قليلة من الفاسدين والمستغلين من السيطرة علي‮ ‬مقاليد الحكم وعلي‮ ‬مصالح الوطن في‮ ‬جميع مناحيه وهي‮ ‬الأمور التي‮ ‬بدأت تتضح بعد سقوط النظام وظهور هذا الكم من الفساد والفاسدين وهذه الأموال العامة التي‮ ‬تم الاستيلاء عليها طوال هذه السنين واشتراك الدولة بأكملها في‮ ‬عمليات النهب والسلب من رأس النظام وجميع أركانه‮.‬

ولم‮ ‬يكن مستغربا ان تهتم قوي‮ ‬الفساد والفاسدين بمحاولات إعادة عجلة الزمن إلي‮ ‬الوراء ومحاولات الثورات والحركات المضادة بدءا بسحب قوي‮ ‬الأمن علي‮ ‬اختلاف أنواعها من الشارع المصري‮ ‬وفتح أبواب السجون وإخراج هذه الأعداد من المجرمين إلي‮ ‬الشارع المصري‮ ‬والاعتداء علي‮ ‬مراكز الأمن المختلفة واستخدام العنف بأشكاله المتعددة لإشاعة الفوضي‮ ‬والخوف في‮ ‬المجتمع المصري‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يعرف العنف وانتشار الفوضي‮ ‬الهدامة في‮ ‬ربوعه‮.‬

هذا في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬التزمت فيه الثورة الشابة منذ اندلاعها في‮ ‬25‮ ‬يناير الماضي‮ ‬بتجنب العنف وتشجيع المشاركة الشعبية علي‮ ‬اختلاف صفاتها في‮ ‬جميع مدن القطر وميادينه وتأكيد الوحدة الوطنية علي‮ ‬أحسن صورها وغير ذلك من القيم والمبادئ التي‮ ‬نادت بها ثورتنا السامية من حرية وديمقراطية واحترام لحقوق الإنسان والالتزام بالقانون وغير ذلك من المبادئ والمواقف التي‮ ‬أثارت اهتمام وتقدير شعوب العالم فيما حولنا وأدت إلي‮ ‬ارتفاع قيمة المجتمع المصري‮ ‬الحقيقية،‮ ‬والتي‮ ‬كادت ان تندثر في‮ ‬ظل النظام الديكتاتوري‮ ‬الفاسد الذي‮ ‬ظل مسيطرًا علي‮ ‬مجتمعنا طوال السنين الأخيرة‮.‬

والثورات تأتي‮ ‬بطبيعتها‮ ‬يا سادة بقواعدها ومبادئها البراقة التي‮ ‬تجذب إليها جموع الشعب المختلفة‮.. ‬وثورتنا البيضاء ليست بعيدة عن هذه المبادئ والقواعد وما حدث في‮ ‬مجتمعنا طوال الشهور الثلاثة الماضية دليل واضح علي‮ ‬هذا الزعم،‮ ‬رغم محاولات الثورة المضادة وفلول النظام السابق والمستفيدين منه اشاعة الفوضي‮ ‬والتسيب في‮ ‬مجتمعنا بدءًا بواقعة الجمل أو الاعتداء علي‮ ‬الثوار في‮ ‬ميدان التحرير أو‮ ‬غير ذلك من أحداث لا تزال محل تحقيقات أمام القضاء المصري‮ ‬الشامخ‮.‬

وما‮ ‬يهمنا في‮ ‬هذه السطور القليلة هو استعراض لأسس وأسلوب الحكم في‮ ‬الفترة القادمة وخاصة أن كثيرًا من القرارات التي‮ ‬صدرت في‮ ‬الفترة الأخيرة قد قوبلت بكثير من الاعتراض من جانب فئات الشعب المختلفة لارتباطها بالأسلوب الذي‮ ‬لا‮ ‬يزال‮ ‬يستخدم في‮ ‬إدارة شئون الوطن‮.‬

والوطن‮ ‬يا سادة بعد‮ ‬25‮ ‬يناير الماضي‮ ‬يناير في‮ ‬كثير من جوانبه ما كان قائما في‮ ‬الماضي‮ ‬ومن الطبيعي‮ ‬ان‮ ‬يتغير أسلوب الحكم عما كان قائما في‮ ‬المقام الأول‮.‬

وأولي‮ ‬هذه الخطوات هو الالتزام بالقانون واحترامه وتطبيقه علي‮ ‬الجميع دون تمييز‮.. ‬ولا‮ ‬يتم ذلك الا باستعادة الأمن والأمان إلي‮ ‬المجتمع مرة أخري‮ ‬بعد

أن ظل الأمن‮ ‬غائباً‮ ‬لأكثر من ثلاثة شهور وإذا كان المجتمع المصري‮ ‬قد استطاع تجنب الكثير من المخاطر التي‮ ‬تواكب‮ ‬غياب قوي‮ ‬الأمن الا ان استمرار عدم توفر القوي‮ ‬الكافية من رجال الأمن قد تعرض سلامة الوطن إلي‮ ‬اخطار قد‮ ‬يصعب تجنبها‮.‬

ولا ريب ان الثورات تأتي‮ ‬معها الكثير من مراحل التسيب والفوضي‮ ‬وهو ما‮ ‬يفرض بطبيعة الحال الكثير من الحسم ومن الجدية في‮ ‬تطبيق القانون وتنظيم الحياة العامة في‮ ‬المجتمع‮.‬

وعلي‮ ‬ما‮ ‬يبدو أن كثيرًا من دوائر المجتمع لا تزال تعيش في‮ ‬الماضي‮ ‬وغير معترفة بما جري‮ ‬في‮ ‬المجتمع من تغيرات أساسية ومن ثورة حقيقية بكافة المعايير بسبب ارتباطاتها السابقة أو مصالحها المتشابكة ومحاولاتها الاستفادة من الأوضاع‮ ‬غير المستقرة لصالحها‮.. ‬والواقع‮ ‬يا سادة ان ما حدث في‮ ‬المجتمع خلال الشهور الثلاثة الماضية هو ثورة بكل المقاييس ثورة بيضاء لا تدعو إلي‮ ‬العنف،‮ ‬واستخدام القوة لتحقيق أهدافها ويكفينا فخرًا أن جميع المحاكمات التي‮ ‬تشمل النظام السابق كله تتم وفقا للقانون والهيئات القضائية العادية فلم تشكل‮ »‬محاكم للثورة‮« ‬أو‮ ‬غير ذلك من القواعد والخطوات الاستثنائية صلاحا لكثير من الثورات التي‮ ‬عرفها التاريخ وان دل ذلك علي‮ ‬شيء فهو دليل واضح علي‮ ‬مدي‮ ‬تمدين الشعب المصري‮ ‬ومدي‮ ‬حضارته‮!!‬

وستؤكد الأيام القادمة قدرة المجتمع المصري‮ ‬علي‮ ‬التغلب علي‮ ‬هذه السلبيات التي‮ ‬تواكب تغيير نظم الحكم في‮ ‬المجتمعات الحديثة‮.. ‬وان كان ذلك لا‮ ‬يجعلنا نغفل أهمية الالتزام بالقيم والقواعد الأساسية التي‮ ‬يتطلبها ضمان ممارسة الحكم الرشيد المبني‮ ‬علي‮ ‬العدالة الاجتماعية وعلي‮ ‬احترام القوانين وتسيير المجتمع في‮ ‬ظل الأمن والأمان الذي‮ ‬يضمن عدم اشاعة الفوضي‮ ‬الهدامة في‮ ‬هذه المراحل الحساسة من تاريخنا‮.‬

ولن تألو العناصر المضادة جهدًا في‮ ‬محاولة إثارة الفوضي‮ ‬بصورها المتعددة سواء باستخدام الخارجين علي‮ ‬القانون من العناصر التي‮ ‬هربت من السجون أو من مثيري‮ ‬الفتنة الطائفية أو من الحركات السلفية والعناصر المتطرفة سواء بالاعتداء علي‮ ‬دور العبادة المسيحية أو علي‮ ‬دور العبادة المسلمة أو إثارة الثغرات المتطرفة علي‮ ‬اختلاف أشكالها ولعل ما حدث في‮ ‬محافظة قنا عقب تعيين محافظ جديد لها دليل واضح علي‮ ‬صور الفوضي‮ ‬وعدم احترام القانون وإشاعة الفوضي‮ ‬التي‮ ‬يمكن لهذه العناصر الهدامة القيام بها،‮ ‬لقلقلة الاستقرار بالمجتمع‮.‬

ومن الصعب تفهم استمرار‮ ‬غياب قوات الأمن واستمرار عدم تواجدهم بالشارع المصري‮ ‬وتجنب قيامهم بمهامهم الأساسية في‮ ‬حفظ الأمن وخاصة بعد زيادة حالات الاعتداء علي‮ ‬المستشفيات وعلي‮ ‬كثير من المؤسسات التعليمية وغيرها من مؤسسات الدولة واستمرار القصور في‮ ‬مواجهة العمليات التدميرية في‮ ‬المجتمع‮.‬

ولن‮ ‬يتحقق لمجتمعنا الأمن والسلام الداخلي‮ ‬الا بأعمال القانون والعدالة وتحمل المسئولية علي‮ ‬جميع مستوياتها‮.. ‬فالثورات المضادة ستستمر في‮ ‬جهودها الهدامة ومحافظتها علي‮ ‬مكاسبها السابقة فهل نحن قادرون علي‮ ‬حماية ثورتنا أم أننا قد نجد أنفسنا في‮ ‬متاهات عديدة بعد هذا النجاح الباهر الذي‮ ‬حققته ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير الماضي،‮ ‬هذا هو السؤال‮.‬