ثورة الشباب وعودة الوعي!!

بقلم :السفير:صلاح الدين إبراهيم

لم يكن أحد منا يتصور ان انتفاضة شباب 25 يناير تتحول إلي ثورة بيضاء وتتمكن من تغيير نظام حكم استبدادي استمر يسيطر علي مقاليد الحكم لأكثر من ثلاثين عاما دون استخدام أي وسائل عنف أو قوة بل بالوسائل السلمية. الأمر الذي جذب إعجاب شعوب العالم شرقاً وغربا وأثار فينا جميعا شعورنا الوطني وانتماءنا الي وطننا مصر بعد ان اعتلي الصدأ عليها طوال هذه الفترة.. ومما يدعو للإعجاب بشباب الأمة التزامهم بالعمل الجاد نحو تحقيق مطالبهم الأساسية والتي وردت في مطالبهم الداعية للمطالبة بالحرية والعدالة واحترام القانون والمساواة..

ولم يسجل تاريخ العالم ثورة سلمية استطاعت خلال فترة وجيرة وفي نطاق التزامها بمبادئها السلمية ان تحقق طموحاتها في بداية جديدة نحو مستقبل أكثر أشراقاً وأكثر عدالة وهو ما دفع أكثر من رئيس وزراء في أوروبا سواء إنجلترا أو النمسا أو أيرلندا أو غيرها الدعوة لدراسة الثورة السلمية المصرية التي اندلعت في 25 يناير الماضي في مدارسها.

ولقد ظلت مصر في الفترة الأخيرة ترزح تحت نظام سياسي فقد بوصلة الحكم الرشيد القائم علي أسس ديمقراطية وعدالة اجتماعية وحريات طبيعية واحترام لحقوق الإنسان. وكنا علي شفي الوقوع في بئر الفوضي الهدامة وانهيار واضح في مناحي الحياة المختلفة بعد ان زادت معدلات الفقر التي زادت عن نصف المجتمع وانتشار الجهل والبطالة بعد أن انهارت المنظومة التعليمية علي اختلاف درجاتها وانتشار المرض بصورة واضحة بعد ان تدنت الخدمات الصحية مع مرور الوقت وهو أدي إلي تدهور أسس الحياة الطبيعية في المجتمع وهروب أعداد متزايدة من شبابنا علي سفن متهالكة في رحلات للهجرة غير الشرعية إلي دول عدة حولنا.. وفي ظل هذا التدهور المتزايد وانعدام صور الآمال والاحلام في المجتمع مع زيادة السيطرة علي الحياة العامة باستخدام القوة والمؤسسات الأمنية علي اختلاف أنواعها وأهوائها حماية للنظام علي

حساب مصالح المجتمع الأساسية.

وكدنا جميعا نفقد الأمل في مستقبل أفضل وحياة طبيعية بعد ان انتشر الفساد والفاسدون في مناحي حياتنا العامة وزادت عمليات الاستيلاء علي المال العام وعلي أراضي الدولة وأملاك الأمة وعلي أموال البنوك وزادت المساحة بين الأقلية الغنية والغالبية التي ترزح تحت خط الفقر ومع انتشار المناطق العشوائية وسكان المقابر وأطفال الشوارع الأمر الذي جعل من مصر بثرواتها المنهوبة. وإمكانياتها المستغلة لصالح أقلية من المنتفعين من النظام والمفسدين من تواجده ومن سيطرة الحزب الواحد الهادف إلي توريث الحكم خلافا لأي نظام ديمقراطي أو حتي شبه ديمقراطي.

إن ما حدث في مصرنا العزيزة يا سادة خلال الشهر الماضي من أحداث ومن ثورة بدأت بانتفاضة الشباب لأمر يدعو إلي فخرنا جميعا ويدفعنا إلي الحرص علي إنجاحه ومحاربة محاولات السيطرة عليه أو إفشاله فما حققته مصر خلال هذه الفترة لم يسبقها إليه أي من شعوب العالم من حولنا هذه الثورة البيضاء التي حاول النظام قبل رحيله تلويثها بالاعتداءات الفاضحة علي هؤلاء الشباب في ميدان التحرير سواء بسحب قوات الأمن من الشوارع وإشاعة الفوضي الهدامة في المجتمع واستخدام القوة الغاشمة ضد هؤلاء الشباب المسالم الذي خرج مطالبا بحقوقه في الحرية والعدالة والديمقراطية الحقيقية.

إن ما نراه في مجتمعنا منذ 25 يناير أعاد إلينا جميعا روح مصرنا العظيمة كما أعاد إلينا وعينا وقدرتنا علي الدفاع عن حقوقنا بعد ان أعطتنا هذه الجموع من شبابنا مثالاً نفخر به ونسعي لحمايته.

إن ثورة مصر البيضاء قد انتقلت بسرعة واضحة إلي محيطنا الإقليمي وبدأت الشعوب فيما حولنا تطالب بحقوقها وتطالب بسقوط

نظمها الاستبدادية والفردية غير العادلة وما حدث في منطقة الخليج وفي اليمن وفي ليبيا وغيرها لمثال واضح علي هذا الزعم.. ومعادن الشعوب يا سادة لا تظهر علي طبيعتها إلا في مثل هذه الأزمات وخلال هذه الثوراث الطبيعية التي تمثل حقيقة هذه الشعوب وقدرتها علي إحداث التغيير الذي يصبو إليه.

فبعد نصف قرن من الحكم العسكري الذي استولي علي السلطة بعد انقلاب الجيش في عام 52 وهو ما أدي بنا إلي تغيير مسار حياتنا الديمقراطية الوليدة التي بدأت مع استقلال مصر الجزئي وإقرار دستور 23 الذي يعتبر من أكثر دساتير العالم تقدما وحصولنا علي الاستقلال التام برحيل الاحتلال البريطاني إلا أننا دخلنا نتيجة لخياراتنا في حروب عدة منذ عام 56 إلي ان تم تحرير سيناء بعد حرب 73 وفي ظل اتفاقيات كامب ديفيد التي أدت لنا إلي تسوية غير عادلة ولكننا اضطررنا إليها..  فلا تزال سيناء حتي يومنا هذا لا تتمتع باستقلالية كاملة ولكنها استقلالية محدودة تفرضها شروط كامب ديفيد المعروفة!!

وليس مستغربا أن كشعر الدولة العبرية بكثير من القلق مع اندلاع الثورة الشبابية في مصر تلك الثورة التي لم تعتمد علي أي قوة خارجية أو أي مدعاة أجنبية.. إن ما تحقق حتي يومنا هذا سيدفع فينا جميعاً ومواطننا إلي طريق. العزة والسلامة والحرية وستعود مصر بوعي أبنائها وإصرارهم وفخرهم بوطنهم الذي نراه يوميا في مشاركة أبناء الوطن غنيه وفقيره مسلميه وأقباطه كباره وشبابه إلي تحقيق آمالنا وأحلامنا لغيرنا من الشعوب المتقدمة والناهضة.

ولا ريب ان الشعب المصري عندما أراد الحياة فقد استجاب له القدر وانجلي من حوله الليل وانكسر كذلك القيد وهي المعاني التي جاءت في شعر أبوالقاسم الشابي هذا الشاعر التونسي العظيم الذي كانت أبياته هي الصيحات التي أشعلت ثورة تونس البيضاء المعروفة بثورة الياسمين والتي أنقذت الشعب التونسي من نظام الحكم الاستبدادي الذي ظل جاثما علي صدر تونس لأكثر من عشرين عاماً.

وكلنا أمل ان تتحقق آمال الشعب المصري في السعي نحو التقدم والحرية والديمقراطية الحقيقية وألا تنجح القوي المعارضة في محاولاتها المستميتة في الانقضاض علي هذه الثورة الوليدة.

فعلينا جميعا أن نعمل عملا جاداً نحو وطننا وآماله وأحلامه العريضة وكما قال شاعرنا العظيم حافظ إبراهيم.

وقف الخلق ينظرون جميعا كيف ابني قواعد المجد وحدي

وبناة الأهام في سالف الدهر كفوني الكلام عند التحدي.