مصر التي عادت لخاطري‮!!‬

بقلم :السفير صلاح الدين إبراهيم

لم يتصور أحد منا أن الانتفاضة الشبابية التي اندلعت يوم‮ ‬25‮ ‬يناير الماضي،‮ ‬ستصبح الثورة البيضاء لشعب مصر تلك الثورة التي تحدث عنها العالم أجمع رؤساؤه وشعوبه،‮ ‬وأعربت فيه عن إعجابها بثورة شباب مصر البيضاء تلك الثورة التي أعادت إلي شعب مصر كرامته وحريته وحيويته تلك الثورة التي ترجمت ببساطتها الحضارة المصرية الأصيلة وتاريخها العريق‮.‬

إن ثورة مصر وشبابها قد استطاعت أن تغير النظام الفردي والعسكري الذي استولي علي السلطة منذ عام‮ ‬52‮ ‬بعد انقلاب حركة الجيش التي تبناها شعب مصر علي أمل أن تحقق هذه الحركة آمال مصر وشعبها،‮ ‬إلا أننا وجدنا أنفسنا تحت حكم عسكري فردي تطور علي مرور الوقت إلي نظام استبدادي فاسد وحكومات‮ ‬غير رشيدة‮ ‬غير قادرة علي تحقيق احتياجات الشعب الأساسية وهو ما أدي بطبيعة الحال إلي تدهور الأوضاع الداخلية علي جميع المستويات وانحدار دور مصر الإقليمي والدولي إلي مستويات‮ ‬غير مسبوقة ومنذرة بأخطار لا حدود لها‮.‬

وثورة‮ ‬25‮ ‬يناير التي قادها شباب مصر من ميدان التحرير تلك الثورة البيضاء التي أعادت إلي شعب مصر هيبته وكرامته،‮ ‬وأحيت فيه أصالته وحيويته لقادرة أن تحقق لمصر طفرتها نحو مستقبل أكثر إشراقاً‮ ‬وأكثر تقدماً‮.. ‬إن ما نراه علي الساحة المصرية خلال الأيام القليلة الماضية،‮ ‬والتي لم تزد عن ثلاثة أسابيع ومطالبهم المشروعة والتي ظل جيلنا يطالب بها لسنين طويلة،‮ ‬وإنه من واجبنا جميعاً‮ ‬أن نحرس هذه الثورة وأن نحميها لا أن نحاول فرض وصايتنا عليها أو نقبل أن يسعي أحد لإجهاضها وتحديد آمالها وأهدافها‮.. ‬إن ما حدث خلال الفترة القصيرة الماضية ليس له مثيل في تاريخ شعوب العالم شرقاً‮ ‬وغرباً‮.‬

وقد ظلت مصر منذ حركة الجيش عام‮ ‬52‮ ‬تتأرجح بين عدد‮ ‬غير قليل من أساليب الحكم بعد أن ألغي دستور البلاد الذي استفتي عليه وهو دستور‮ ‬23‮ ‬وبعد أن ألغيت الأحزاب التي كانت قائمة والبرلمان المصري بمجلسيه والدخول فيما أطلق عليه‮ »‬الشرعية الثورية‮« ‬وإعداد عدد من الدساتير المؤقتة إلي أن استقر الأمر علي دستور‮ ‬71‮ ‬الذي كرس السلطة الفردية ونظام الحزب الواحد وغير ذلك من مظاهر الحكم الذي كان سائداً،‮ ‬والذي زادت خلاله مظاهر الفوضي الهدامة وانتشار للفساد والفاسدين والاستيلاء علي المال العام وعلي أرصدة البنوك وتحويلها وتهريبها إلي الخارج والدخول في منازعات وصراعات داخلية بين منازعات فئوية وصراعات عرقية وفتنة طائفية وتقسيم أبناء الوطن بين عمال وفلاحين يتمتعون بحقوق لن يتمتع بها‮ ‬غيرهم أو تقسيمهم بين موالين ومعادين‮!! ‬وغير ذلك من التقسيمات التي أدت إلي تدهور ملحوظ في النسيج الوطني علي مرور الوقت‮.‬

هذا إلي جانب الخيارات الخارجية التي أدت إلي دخولنا في عدد‮ ‬غير قليل من الحروب والنزاعات الإقليمية التي راح ضحيتها عدد كبير من أبناء الوطن وانحدار واضح في البنية الأساسية للوطن ومن الخدمات الأساسية ومؤسسات

عدة وعلي رأسها المؤسسة التعليمية والصحية والخدمية،‮ ‬الأمر الذي أدي بطبيعة الحال إلي زيادة أعداد العاطلين والهاربين علي متن سفن متهالكة في موجات متكررة من الهجرة‮ ‬غير الشرعية ومن ازدياد واضح في معدلات الفقر والجهل والمرض هذا الثالوث الذي يهدم المجتمعات وتؤدي إلي انهيارها،‮ ‬هذا إلي جانب تدهور الدور الإقليمي التقليدي لمصر وقوتها الناعمة‮!!‬

وتعرض كثير من أبنائها المهاجرين إلي دول العالم المختلفة إلي كثير من المعاناة وسوء المعاملة دون رعاية واضحة من الدولة التي أصبحت مشغولة بمشاكلها المتزايدة والمتعددة وبعد أن انقسمت السلطة الحاكمة في إجراء انتخابات مزورة ومحاولات لنقل السلطة عبر طريق تفصيل مواد الدستور لضمان عملية التوريث التي لم تلق قبولاً‮ ‬واضحاً‮ ‬علي الساحة السياسية وارتفاع عمليات العنف السياسي والاعتماد علي أمن السلطة بدلاً‮ ‬من أمن الوطن وهو ما عرض حدودنا شرقاً‮ ‬وجنوباً‮ ‬إلي مخاطر متعددة ومتكررة‮.‬

وكان من الطبيعي في ضوء هذه الأجواء المرتبكة أن تستطيع ثورة شباب‮ ‬25‮ ‬يناير البيضاء النقية أن تلغي هذا التقدير والتأييد المتزايد علي مستوي الوطن علي طوله وعرضه وأن تستطيع أن تحقق انتصاراً‮ ‬مريراً‮ ‬لم يسبقها إليه أي من الثورات الأخري في هذه الفترة الوجيزة،‮ ‬وأن تستطيع أن تغير الأوضاع القائمة بهذه السهولة الملحوظة‮.‬

إن ما حققته ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮ ‬2011‮ ‬تستدعي منا جميعاً‮ ‬أن نقف أمامه بكثير من الاحترام والتقدير وأن نعمل جميعاً‮ ‬علي مواجهة أي قوة تحاول إجهاضه أو السيطرة عليه مما حققته ثورة شبابنا خلال الأسابيع القليلة الماضية لم تستطع أن تحققه أجيال عديدة سابقة وهو ما ترتب عليه أن تحظي بهذا التقدير والإعجاب علي المستوي العالمي وهذا التأييد‮ ‬غير المسبوق من شعوب العالم علي اختلاف اتجاهاتها‮.‬

فتحية تقدير منا لهذه الثورة الشابة التي أعادت إلينا كرامتنا وفخرنا بمصريتنا وأعادت مصر لأبنائها وأعادتنا إلي وطنيتنا ولم تعد مصر كما سبق أن كتبت علي هذه الصفحة أنها لم تعد في خاطري لما حدث لها وما أحدثناه لها بل إنها عادت تملأ خاطرنا وأصبحت محط آمالنا وفخرنا‮.‬

إن من واجبنا جميعاً‮ ‬يا سادة أن ننضم جميعاً‮ ‬إلي هذه الثورة المباركة وأن ندافع عنها ضد أعدائنا الحاليين والقادمين إلينا من الداخل ومن الخارج أيضاً،‮ ‬فمستقبل الثورة وتقدمها لا يسقط من السماء،‮ ‬بل هو النتاج الطبيعي للعمل الجاد والوحدة الوطنية الصادقة والتصحيحات الطبيعية لتحقيق أهداف الأوطان وسعادتها‮.. ‬إن ما نراه علي أرض ميدان التحرير وغيره من ميادين مصر شمالاً‮ ‬وجنوباً‮ ‬قد أكد مرة أخري معدن الشعب المصري العريق الذي لا يشاركه فيه كثير من شعوب العالم وهو ما يفسر لنا جميعاً‮ ‬حكمة ورود اسم مصر في خير كتب العالم القرآن الكريم وكما قال شاعرنا العظيم حافظ إبراهيم‮:‬

وقف الخلق ينظرون جميعاً‮ ‬كيف أبني قواعد المجد وحدي

وبناة الأهرام في سالف العصر كفوني الكلام عند التحدي