رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تحية للشعب التونسي

بقلم - السفير: صلاح الدين إبراهيم

إذ الشعب يوماً أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر

ولابد لليل أن ينجلي.. ولابد للقيد أن ينكسر

لم يكن مستغرباً أن يختار الشباب التونسي الذي فجر الانتفاضة ضد حكم الرئيس السابق »بن علي« أخيراً لهذه الأبيات من القصيدة المعروفة للشاعر التونسي أبوالقاسم الشابي.. فقد اندلعت هذه الثورة عقب إحراق أحد الشباب التونسي نفسه لشعوره بالظلم والقهر من جانب قوات الأمن التونسية في الوقت الذي يعاني في أعداد متزايدة من الشباب التونسي من البطالة وعدم توافر أسس الحياة الكريمة لعدد غير قليل منهم، الأمر الذي مثل الشرارة التي اندلعت علي إثرها هذه الانتفاضة غير المتوقعة في مجتمع يتمتع بنسبة عالية من التعليم ومن مشاركة واضحة للمرأة في الحياة العامة.

ولم يصمد نظام »بن علي« الذي استمر في السلطة لأكثر من عشرين عاماً بعد أن اعتلي الرجل القوي في أواخر عهد »بورقيبة« السلطة وأنشأ نظاماً قوياً مبنياً علي الحرمان من كثير من عناصر النظم السياسية الرشيدة في عصرنا الحالي وعلي رأسها الديمقراطية وتبادل السلطة واحترام حقوق الإنسان وتوافر الحريات المختلفة، الأمر الذي أدي بطبيعة الحال إلي ازدياد مظاهر الفساد والشللية وعناصر الأمن الخاصة والمرتبطة بالسلطة التي كانت تستغل ثروات الوطن في نشاطاته وثرواته المتعددة!

وتغفل كثير من النظم الديكتاتورية مع مرور الوقت واستمرارها في السلطة لفترات طويلة ولعشرات السنين الصلة الطبيعية مع الواقع وتزداد بالتالي سطوتها واستخدامها للقوي الغاشمة ضد مواطنيها، وتعتمد علي أعداد قليلة من المنافقين والمستفيدين والمستغلين، الأمر الذي يعزل النظام عن واقع الحياة وعن القواعد العادية في ممارسة الحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية!

ولم يكن مستغرباً أن ينهار نظام »بن علي« بهذه السرعة المذهلة وأن تفشل المحاولات

التي حاول رئيس النظام معالجة المشاكل بها والاعتراضات والمطالبات التي بدأت تتردد علي ألسنة الشباب الثائر سواء كان ذلك محاولة لإيجاد أعداد متزايدة من فرص العمل أو السماح بدرجة أكبر من الحريات المسلوبة أو غير ذلك من وعود حاول عن طريقها الرئيس السابق »بن علي« اللجوء إليها في أيامه الأخيرة، خاصة بعد أن اعترف بأنه قد وقع فريسة عمليات تضليل وخداع من جانب كبار مستشاريه ومؤيديه في محاولة لتجنب المخاطر القادمة إليهم من وراء هذه الانتفاضة الشبابية والثورة الوطنية!

ومن المعروف يا سادة أن النظم الديكتاتورية التي تقوم علي أساس حكم الفرد أو الحزب الواحد أو الطبقة الواحدة لا تستطيع أن تواجه الثورات والانتفاضات المفاجئة لافتقارها إلي المؤسسات والنظم التي تحمي تواجدها وتخفف من مخاطر تنظيماتها الفاسدة التي تعتمد في المقام الأول علي الأفراد وعلي التكتلات المختلفة.. لا علي أساس المؤسسات الطبيعية التي تحمي المجتمعات في الوقت الحالي وعلي رأسها الديمقراطية الحقيقية التي تضمن تبادل السلطة في انتخابات شفافة وغير مزورة!

هذا إلي جانب وجود دستور يتماشي مع العصر ومع التقدم العلمي والتكنولوجي الحديث وتحقق الاستقرار والتقدم في المجتمع.. هذا علاوة علي توافر العدالة الاجتماعية بين فئات الشعب المختلفة دون تمييز لأي فئة من الفئات لأي سبب من الأسباب فكلما توافرت العدالة الاجتماعية واستقرت في أي مجتمع من المجتمعات قلت مخاطر الثورات والانتفاضات المفاجئة في أي مجتمع من المجتمعات ولا

ريب أن احترام القانون وتوافر المساواة أمامه بين الجميع دون تفريق أو تمييز بالعدالة الاجتماعية تقوم في الأساس يا سادة!! علي احترام القانون وانتشار الحريات وقواعد حقوق الإنسان المتعارف عليها والممثلة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان!

ولا ريب أن نجاح أي نظام سياسي في توفير الخدمات الأساسية لفئات الشعب المختلفة من نظام تعليم يتمشي مع التقدم العلمي والتطور في ثورة الاتصالات التي جعلت من العالم أجمع قرية صغيرة مكشوفة أمام الجميع!! وتوافر الخدمات الطبيعية في ميدان الطب أو المواصلات أو حرية الانتقال وسهولته وغير ذلك من مقومات المجتمع.. كل ذلك أصبح ضروريات وليس كماليات لأي مجتمع.

وقد أكدت الانتفاضة التونسية التي هزت المجتمعات العربية علي اختلاف توجهاتها أن افتقار النظم السياسية للقواعد المتعارف عليها في عصرنا الحديث والتي أشرنا إليها باختصار في السطور السابقة يرجع في المقام الأول إلي الفشل في تطبيق قواعد الحكم الرشيد وإلي ازدياد مظاهر الفساد والفاسدين وانتشار الفوضي الهدامة في المجتمع ولن يتحقق السلام الاجتماعي لأي مجتمع من المجتمعات إلا بتوافر هذه الأسس وهذه القواعد ولا ريب أننا في مصر نمر في المرحلة الأخيرة بكثير من مراحل التفكك والانهيار بعد أن ازدادت مظاهر الفساد والفاسدين واتساع دائرة الانفراد بالحكم وتحكم الحزب الواحد لفترة طويلة مع زيادة مظاهر الخلافات الطائفية وحوادث الاعتداءات علي دور العبادة وانتشار مظاهر التذمت الديني يميناً ويساراً، وزيادة معدلات التدخلات الخارجية الهادفة إلي تقسيم المجتمع المصري ونشر الفوضي بين أبنائه كما حدث في عدد غير قليل من المجتمعات حولنا مثل أفغانستان والعراق شرقاً والسودان والصومال جنوباً ولبنان والجزائر وغيرها من الدول المحيطة بنا.

إن ناقوس الخطر الذي جاء مع الانتفاضة التونسية معيار يجب أن نأخذه في الاعتبار وإلا وجدنا أنفسنا ومجتمعنا في ضياع قد يصعب التغلب عليه فمصالح الدول الاستعمارية من حولنا والطامعين في ثرواتنا وفي تاريخنا ليست غائبة علي أحد، فهل نحن لهذه المخاطر واعون ولهذه المطامع متيقظون؟.. أم أننا سنظل في تخلفنا وفي غيبوبتنا مستمرين؟.. هذا هو السؤال.. وكما قال شاعرنا العظيم شوقي:

وما نيل المطالب بالتمني.. ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.