رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الثورة والفتنة الطائفية

بقلم : السفير: صلاح الدين إبراهيم

لم يكن متوقعاً بعد ثورة 25 يناير تلك الثورة التي لقيت هذا الترحيب المزهل من كافة طبقات الشعب المصري وشارك فيها أبناء الوطن من كافة طوائفه المسلمة والمسيحية، وغيرها من عناصر الأمة المتباينة أن يظهر في صفوفها بعد فترة وجيزة من قيامها هذه الخلافات والانقسامات الطائفية.

فقد سجلت الثورة الشابة وما حققته من نجاحات اهتم بها كافة شعوب العالم وتمكنت من إسقاط نظام استبدادي ظل جاثماً فوق صدورنا عدداً غير قليل من السنين وإحلال محله بداية مشرقة من التغيرات التي ظللنا لفترة طويلة نحلم بها ونسعي لتحقيقها ورغم البدايات المشجعة التي صاحبت الثورة في بدايتها إلا أنه سرعان ما ظهرت الانشقاقات والخلافات التي تصاحب الكثير من الثورات عبر التاريخ، وكان من المأمول أن تزول هذه الخلافات وهذه الصراعات مع التقدم والنجاحات التي تحققها الثورة علي مر الوقت.
إلا أن العناصر السلبية التي صاحبت الثورة المضادة التي جاء بها إلي الساحة فلول النظام السابق التي فقدت مع نجاح الثورة الكثير من سلطاتها ومن مراكزها ومن دورها في المجتمع، ولعل أكثر هذه المظاهر السلبية هو الفتنة الطائفية التي بدأت تظهر شواهدها بعد فترة قصيرة من بداية الثورة ومن خلافات ومنازعات فئوية تحت مبررات عدة وخلافات كانت نائمة سواء كانت بناء دور العبادة وإقامة الكنائس هنا وهناك وزاد من هذه الخلافات ظهور التجمعات الدينية المتطرفة التي كانت كامنة في الماضي وبعد إتاحة الفرصة لها للظهور في ظل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية هذه المبادئ التي رفعت رايتها الثورة منذ بدايتها واعتبرتها معياراً لحركتها ونشاطها في المجتمع.
وعلي الرغم من مظاهر الوحدة الوطنية التي تجلت مع بداية الثورة،

خاصة في التجمعات التي احتلت ميدان التحرير إلا أنه سرعان ما ظهرت الخلافات والانشقاقات، وحاولت فلول النظام السابق بث الفرقة والمنازعات بكل الصور الممكنة مستخدمة في ذلك ما تبقي في أياديها من إمكانيات مادية ومصالح مشتركة بين جانب عناصرها السابقة.
وإذا كانت الثورات في كثير من الأحيان تتعرض لمحاولات إفشالها والقضاء علي نجاحاتها فإن ثورتنا الشابة لم تنجح في مراحلها الأولي تجنب هذه السلبيات.. فمع إطلاق الحريات وإفساح المجال أمام القوي المختلفة في المجتمع لممارسة نشاطها وتكون التجمعات الحزبية والمجتمعية المختلفة ظهرت في المجتمع أحزاب وجماعات متطرفة إسلامية وغير إسلامية بدأت نشاطها بالتمسك بمظاهر التطرف المعروفة، الأمر الذي أدي إلي زيادة الاحتكاكات في المجتمع بدلاً من زيادة الوحدة والتجانس، خاصة بعد أن أبعدت القوي الرجعية السابقة عن ممارسة نشاطها وبدء محاكمة رموزها.
والمجتمع المصري الذي ظل فترة طويلة يرزح تحت نظام سياسة اجتماعية بعيدة عن الديمقراطية الحقيقية القائمة علي الحرية والعدالة الاجتماعية وجد نفسه أمام قواعد ومبادئ جديدة وحريات واسعة أدت بطبيعة الحال إلي زيادة مظاهر الارتباك والتفكك في صفوفه واستغلت العناصر المتطرفة منه هذه الظروف لزيادة نشاطها والارتفاع بسقف مطالبها ومتطلباتها.
ولن يستطيع أي مجتمع من المجتمعات تحقيق ما يصبو إليه من تقدم وتطور حقيقي دون تفعيل مظاهر احترام القانون ومظاهر العدالة والمساواة وترشيد قواعد العمل الجاد وضمان الأمن والأمان في المجتمع.
ومن المخاطر التي واجهها المجتمع المصري خلال هذه
الفترة القصيرة من عمر ثورته الشابة التي اندلعت في يناير الماضي ظهور هذه المنازعات الطائفية التي كانت نائمة طوال هذه السنين، ولا ريب أن مناخ الحرية والاطمئنان في المجتمع يدفعان به إلي تحقيق الآمال والأحلام التي يسعي المجتمع لتحقيقها.
وكان مستغرباً أن تظهر في مجتمعنا بعد هذه الفترة القصيرة من بداية الثورة هذه الانتفاضات العنصرية والتحركات الطائفية، فالمعروف عن المجتمع المصري تجانسه وتوافقه عبر تاريخه الطويل إلا أن مخططات النظام القديم الذي فقد الكثير من قدراته ومن مصالحه في الرجوع مرة أخري إلي الوراء سرعان ما وجدت طريقها إلي ساحاتنا الوطنية، خاصة بعد تفريغ المجتمع من عناصر الأمن والأمان بسحب قوات الأمن من الشارع المصري وإطلاق أعداد غير قليلة من الخارجين علي القانون والاعتداء علي مراكز الشرطة والاستيلاء علي أسلحتها وغير ذلك من الخطوات التي نعرفها جميعاً!
وإذا كانت شواهد هذه الفرقة لاتزال بارزة في الشارع المصري إلا أن المجتمع بات قادراً علي القضاء علي هذه المظاهر التي تضر بمستقبل الوطن ودوره في الداخل وفي محيطه الخارجي.. ولن تستطيع مظاهر الفتنة الطائفية والانقسامات العرقية وغيرها من السلبيات التي تظهر علي وجه مجتمعنا أن تغير من مسيرة التاريخ ومن نجاح الخطوات الجادة التي حققتها الثورة حتي الآن، فالمجتمعات في أغلب الأحيان تميل إلي تفعيل الإيجابيات وترك السلبيات.
ومن المؤكد أن المجتمع المصري سينجح في الفترة القليلة القادمة في وضع الأسس السليمة والقواعد الجادة لإنجاح الثورة والوصول بالمجتمع إلي أهدافه المنشودة.
إن ما تحقق من نجاحات حتي الآن ومن خطوات جادة للقضاء علي سلبيات المجتمع التي كادت تصل به إلي حافة الهاوية لدليل واضح علي هذا الزعم وعلي قدرة المجتمع المصري ذو التاريخ العريق أن يستمر في خطواته الإيجابية وأن يحقق ما يريد من خطوات جادة نحو مستقبل أكثر إشراقاً وأكثر تقدماً.. وما نراه من سلبيات من وقت لآخر سيكون مآله بطبيعة الحال إلي الفشل وإلي الانهيار.. فهل المجتمع المصري سينجح في استثمار قدراته وإمكانياته أم أنه سيظل في مكانه دون حركة ودون تقدم إلي الأمام؟.. هذا هو السؤال.