رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

جحا فى الوزارة

د.عزة احمد هيكل

الاثنين, 03 مارس 2014 23:20
بقلم - د. عزة أحمد هيكل

 


جحا تلك الشخصية المصرية الشعبية تعبر عن خلاصة التجربة الإنسانية للحضارة المصرية، تلك الحضارة الفريدة فى قدرتها على امتصاص كل الروافد

الحضارية التى تمر عليها وإعادة تشكيلها فى صور عادات وتقاليد وسلوك وتكوين شخصية تملك ذكاء ودهاء وقدرة عجيبة على تجاوز الأزمات بالسخرية والضحك والصبر على جار السو.. يا يرحل يا تأتى له كارثة أو مصيبة تأخذه.. أى أن المصرى دائمًا ما يؤمن بأن للقدر وللغيب معجزات تغير مجريات الأحداث حتى إن لم يتدخل بذاته لتغيير مصيره وقدره، ولأن جحا هو المصرى الأصيل فإنه دائما ما يحكم بأن الأرض سوف تطرح محصولا أكبر وأن المحصلة ستكون أغنى وأثر، فلا مانع من الصبر مع الحلم والأمل، لكن فى بعض الأحيان يفيق جحا ليعد غنمه.. أو يتعرف على قدراته وامكاناته فهو مهما حلم عليه أن يعود إلى أرض الواقع لا الخيال، فلا يحلم أو يأمل فوق امكاناته.. غنم جحا هى القدرات الشخصية والكفاءات المهنية التى تستطيع أن تدير بلدًا فى مرحلة السيولة والميوعة والتفكك والانقسام الذى تعيشه مصر الآن.
أغرب تشكيل وزارى وأعجب طريقة لاختيار السادة الوزراء.. بداية غير مبشرة بأى خير حتى ولو كنت ممن لا يبدأون النقد أو اللوم إلا بعد رؤية النتائج، ولكن فى علم إدارة الأزمات هناك قواعد وأصول على المدير الناجح أن يتبعها ليصل بالمؤسسة إلى أفضل مكانة، والبداية هى فى كيفية اختيار القادة ورؤساء القطاعات المنوط بهم تشكيل الاستراتيجية ووضع الخطط القريبة والبعيدة الأمد لتحقيق أفضل النتائج وتنفيذ الخطط والبرامج بصورة مهنية.. وإذا كانت مصر بعد 30 يونية 2013 قد دخلت فى دائرة السيولة الإدارية والانقسام المجتمعى والانهيار الأخلاقى والفراغ الأمنى الداخلى والذى أدى إلى غياب الانتاج والاستثمار ومن ثم تدنى مستويات الناتج القومى وانهيار قيمة العملة الفعلية أمام العملات الأجنبية مع زيادة معدلات البطالة والتضخم بنسبة تتجاوز الـ30٪، وتراجع مؤشرات التنمية والتقدم، وذلك كان بسبب الإدارة والحكومة التى شكلها البرادعى وحجازى والببلاوى ووصل الحال إلى اندلاع الاضرابات الفئوية لأن الوعود لم تواكبها برامج انتاج وتنمية واستثمار، ولأن الحكومة عجزت عن تحقيق التوازن بين الأمن والحريات من جانب وبين تطبيق القانون والخوف من الرأى العام الداخلى والعالمى من

جانب آخر.. وحين وصلت الحال إلى نقطة اللاعودة والتى تهدد الثورة وتنذر بحالة من العصيان المدنى، تمت اقالة الحكومة لنفاجأ بأن السيد رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب هو المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، فإذا به يبقى على أكثر من ثلثى الأعضاء القدامى فى الحكومة التى أوصلت الوضع إلى حالة السيولة والتفكك والغضب التى نعيشها اليوم.. ثم كان الاختيار بصورة عشوائية.. كل ساعة نسمع عن وزير ثم استبعاده.. ثم اختيار تنويعات على أساس غير معروف.. وإن كانت دوائر القرب والبعد من المجموعات الحاكمة مازالت هى المعيار لاختيار السادة الوزراء وأيضا أن تكون الحكومة مشكلة من توجهات أمريكية الهوى مع إخوانية المنبع وبقايا نظام لجنة السياسات والحزب الوطنى فى تشكيل حكومى برادعاوى أمريكانى إخوانى وطنى بجدارة.. والمثير للجدل وللريبة أن بعض الوزارات مثل وزارة الثقافة التى ترزح تحت وطأة الفساد والشللية والدوائر المغلقة والمنتفعين بجدارة، تلك الوزارة التى لم تفتح ملفاتها الإدارية والمالية والثقافية حتى اليوم صارت وزارة على الهامش فى المرحلة الحالية فلا أهمية لمن يتولى أمرها ويجدد فساد دمائها، ويطهر أروقتها ومؤسساتها طالما أن المرحلة هى سياسة وأمن واقتصاد، فما هى أهمية الثقافة؟ أيضا وزارة الصحة واضرابات السادة الأطباء والصيادلة وسوء أحوال المستشفيات وغياب أى رؤية جادة للتطوير وللإصلاح ولتحسين أحوال الأطباء والصيادلة والكادر مع أن هؤلاء الذين يرفضون علاج الغلابة وصرف الأدوية المدعمة هم أنفسهم الذين يعملون فى العيادات الخاصة والمستشفيات الاستثمارية بعد أوقات العمل الرسمية، والسادة الصيادلة يدعون أنهم يقفون مع المرضى والغلابة إلا أنهم يبحثون عن مطالب ومكاسب شخصية ومالية.. ووزارة الصحة لم تبد أى نية أو خطة لمعالجة المهزلة التى تقودها نقابتا الأطباء والصيادلة، وهم الذين يعرفون حال الوطن وخزينة الدولة ولم يتطرقوا إلى أنهم أحد أسباب المأساة.
الحكومة الجديدة تم تكوينها بذات الطريقة التى تدار بها الدولة العميقة.. الاستجابة للرأى العام وللإعلام وللعاملين فى
الوزارات أمر جيد فى الإدارة ولكنه لا يبنى وطنًا ولا ينشئ فكرًا ورؤية عامة إذا جاء بطريقة الفعل ورد الفعل، كان من الأحرى بالوزارة ورئيسها أن يضع فترة زمنية قصيرة لحين دراسة ملفات المرشحين من قبل الجهات الرقابية ومن قبل الاحزاب ومن قبل الوزارات ذاتها.. ويعكف السيد المهندس مع السيد رئيس الجمهورية لدراسة السيرة الذاتية والتنفيذية للمرشحين وطرح عدة أسماء على الرأى العام ليحصد استطلاعات الرأى السريعة من خلال الإعلام والوزارات ثم يكون الاختيار حاسمًا قاطعًا لأن المسئولية تقع على من اختار كما تقع على من وقع عليه الاختيار، ومن هنا تبدأ المحاسبة والمراقبة لتحقيق الأهداف فى أصعب مراحل التغيير السياسى والمجتمعى الذى تمر به مصر.. وإن كانت تلك الوزارة انتقالية إلا أنها وزارة خطيرة لأنها تقوم على انتخابات الرئاسة وهو ما سوف يحدد مصير ومستقبل الوطن داخليًا وخارجيًا.. كما أنها هى الوزارة التى عليها تطبيق عدة قوانين جمدتها وزارة الببلاوى.. مثل قانون التظاهر.. قانون الحد الأدنى والأقصى للأجور.. قانون الإرهاب.. قانون الجمعيات الأهلية.. قانون الصكوك.. قانون الكادر.. قانون الأمن داخل الجامعات.. قانون الانتخابات البرلمانية.. قانون المحليات.. قانون الضرائب الجديد.. قانون الإعلام وميثاق الشرف الإعلامى.. تفعيل مواد الدستور الجديد والذى تم الاستفتاء على تعديلاته فى يناير 2014.. هذه الحكومة اختارت أعضاءها على أسس غير معلومة ورؤى وأهداف مبهمة وبدأت مشوارها الإعلامى بالتصريحات المكررة والمعادة.. والتى نسمعها مع كل وزير يدخل الوزارة بداية من تحسين رغيف الخبز إلى توفير أنبوبة البوتاجاز إلى تحسين أحوال الموظفين وإعادة الأمن وجذب الاستثمار وانتعاش السياحة وتحقيق العدالة الاجتماعية ومراعاة محدودى الدخل وتطوير العشوائيات وبناء مساكن للشباب وتوفير فرص عمل جديدة والقضاء على الأمية وتطوير المستشفيات... و... و... و...
كل التصريحات منذ عهد مبارك وحكوماته إلى عصام شرف والجنزورى وهشام قنديل والببلاوى حتى محلب.. نفس الكلمات والوعود والآمال والتصريحات.. ونحن الشعب نفس الاندهاش.. وذات الترقب.. وكل الأمل الذى يعقبه الاحباط ثم الغضب ثم اليأس.. ولا نريد أن نصل إلى التمرد أو الثورة.. وهذه المرة لن تسلم الجرة.
ومع كل هذا فإن هذه الحكومة مسكينة لأن الامكانيات البشرية والمادية ضعيفة جدًا.. وحالة السيولة الأخلاقية والأمنية والقانونية التى نعيشها صعبة، وكذلك التحديات الخارجية وتدخل الإعلام والمصالح فى تشكيل الرأى العام الناقد الساخر  المناهض لأى حكومة حالية بدعوى الثورية وبدعوى الحرية وبدعوى الديمقراطية، هذه الحكومة تذكرنى بجحا الذى ظل يحلم بالقصر والمزرعة والمال الوفير الذى سوف يجنيه من رعى الغنم.. وإذا بصوت يوقظه من الحلم فإذا غنمة واحدة قائمة أى صحية وعفية وفيها خير وأخرى نائمة أى مريضة وعليلة ولا رجاء فيها أو خير سيأتى منها.. تلك هى حالتنا ناس تعمل وناس تطالب بالحقوق.. حكومة جحا ربنا يعينها.. ويصبرنا عليها.. يا ترحل.. يا تجيلها.. تأخذها...

 

Smiley face