رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

التعليم... الدين... لا مؤاخذة

د.عزة احمد هيكل

الاثنين, 10 فبراير 2014 23:43
بقلم - د. عزة أحمد هيكل


في فيلم من أعمق وأبسط الأفلام طرح الكاتب عمرو سلامة مع مجموعة العمل قضية مصر سبب الأزمة الحالية ولب القضية  ومحور الحدث الجلل الذي تعيشه مصر منذ ثلاثين عاماً وهي ما أدت بنا إلي هذه الحالة العصيبة من الانقسام والانهيار  الأخلاقي والفوضى الانسانية ألا وهي قضية التعليم الذي شكل وأنشأ ولم يرب جيلاً ضائعاً تائهاً عنيفاً عشوائياً من جانب  وجيلاً  آخر متعالياً مبتعداً غير منتم غريبا منفصلا من جانب آخر... فهذا التعليم هو ما أفرز ذلك الانقسام الطبقي الاقتصادي الأخلاقي وأيضاً عمق مفهوم الاختلاف الديني والفرقة والفتنة الطائفية الكاذبة والتي يغذيها الغرب وكذلك الجهل بصحيح الدين الاسلامي الذي لم يكن يوماً دين العنف والتطرف والارهاب...

قصة الفيلم هي قصة وطن غاب عنه الأب بالموت المفاجيء أو حتي بالبحث عن كسرة خبز أبيض نقي في غربة داخلية أو خارجية وتقوقعت بعض الأمهات داخل ذواتهن حزناً أو إهمالاً أو سلبية لأن التيار الخارجي كان أقوي وأقسي من قدرة التحمل لديهن.. وهنا تكمن مأساة هذا الجيل فالأم التي أرهقت زوجها بالطلبات والمظاهر وماديات الحياة في شقة بكمبوند وعربة بالأقساط ومدارس أجنبية بالعملة الصعبة هي التي دفعت الزوج  والابن إلي المأساة بالرغم من أن هذا حقها في التطلع إلي حياة أفضل لها ولأسرتها لكن الضغوط الاقتصادية هي منبع الألم وشرارة الحريق... بعد موت الأب وظلم الأعمام وتدهور الوضع الاقتصادي تضطر الأم إلي التفكير في الهجرة ولحينه ينتقل الابن إلي إحدى المدارس الحكومية  ولم نرها تبحث عن عمل أو حتي تقف في منتصف الطريق وتلحقه بإحدي المدارس التجريبية النموذجية.. المفارقة والتضاد الحاد هو ما أبرز الفكرة الساخرة الباكية السوداوية لما آل إليه حال المجتمع المصري  المنقسم طبقياً إلي حد الصراع الداخلي والخارجي وأيضاً الديني  والفكري والأخلاقي... عدة مشاهد صادمة تبدأ مع تغيير اسم المدرسة من مدرسة كاظم باشا إلي القومية التجريبية في عهد ناصر إلي مدرسة عمر بن الخطاب مع مبارك والمد الوهابي الصحراوي الذي ضرب مصر مع المرحلة النفطية الخليجية.. هذه المدرسة الحكومية تخصص فصولاً للطلبة الأقباط تفصلهم عن الطلبة المسلمين... وتعمق فكرة الاختلاف منذ الصغر... أما المدرسون فانهم يفتقرون إلي أساليب التربية الحديثة فضلاً عن الضعف العلمي الذي يصل إلي حد الجهل والسطحية فأستاذ اللغة العربية يدرس المواد الاجتماعية والدين وأستاذ اللغة الانجليزية لا يعرف مباديء اللغة

وأصواتها... ومعلم التربية البدنية بلطجي تائب يدرب الأطفال علي جمع القمامة والصلاة جماعة ويحمل مطواة لترهيب الصغار... أما مدرسة الحساب فهي ترتدي الخمار وتهتم بالشكليات خاصة كشكول المربعات ذا الغلاف الأحمر!!  وحين تظهر مدرسة العلوم غير المحجبة نجد الطلاب في حالة هوس نفسي، يصل بهم إلي التحرش بها خارج المدرسة وملاحقتها داخل الفصل... ويعتقد المشاهد أنها مسيحية لأن اسمها «نيللي» ولكننا نفاجأ بأنها مسلمة في مفارقة ساخرة صادمة حتي للجمهور.. فلقد تهيأ المجتمع لاعتبار أن كل امرأة لا ترتدي الحجاب.. غير مسلمة.. لأن الحجاب صار ظاهرة دينية واجتماعية وعنواناً للديانة.. أما التلاميذ فهم ينتمون إلي فئات المجتمع الحرفية  والمهنية مثل السباك والمبيض والسائق والحلاق والبقال وغيرها من المهن الشريفة المحترمة لكن الأطفال  لا يعترفون بهذا فإذا بهم يبدأون تعريف أسمائهم وخلفيتهم الاجتماعية ومهنة الآباء بكلمة «لا مؤاخذة» علي اعتبار أنها مهن بسيطة أو تستدعي أن يخجل منها الفرد ويستحي من الانتماء إليها... فيتصور «هاني عبدالله» أنها أحد متطلبات لغة حوار هذه الفئة وتلك الطبقة البسيطة العاملة... وحين يشعر بأن الطلاب يحتقرون  ويبتعدون عن الأقباط فيقرر أن يخفي ديانته ولقبه ويحاول أن يتقرب من زملائه في الفصل بأن يقلدهم في الصلاة وقراءة القرآن والإنشاد الديني بعد أن حاول التميز العلمي واجتهد وصنع طائرة تطير  وقدم اختراعه أمام طابور الصباح لكنه لم يلاق لا القبول ولا التقدير من أقرانه وأساتذته بينما حين غني وأنشد أسماء الله الحسني اعتبره الطلاب نابغة واحتفي به الناظر  ومنحه جائزة مصحف وسجادة صلاة وامتدحه الأساتذة ووضعوه مقاما عالياً مرددين دعاء «بارك الله فيك» وكأنما التميز في المدارس يأتي من التدين والصلاة وحفظ أناشيد  دينية أو التحلي بالمظاهر الاسلامية وليس التفوق العلمي والابتكار والاختراع...
التعليم والدين قضية العصر التي أدت إلي صراع الصغار  وتناحرهم وهي في الواقع التي تغذي الفرقة والطائفية بالرغم من محاولات الاعلام حجب الحقيقة واظهار مدي الترابط والتقارب والمودة والتسامح إلا أن ما ينطقه اللسان لا تعبر عنه الأفعال فالناظر والمدرسون حين يعلمون
بديانة هاني المسيحية... تتغير معاملتهم له ولكأنه أجنبي أو مستعمر عليهم حمايته ورعايته  والتعامل معه بالحذر  والخوف والابتعاد  بينما الصغار يتجنبونه و يقاطعونه وهنا تبدأ المحنة التي نضع جميعنا رءوسنا في الرمال لنخفيها.. ألا وهي أن الدين قد أصبح محور الشخصنة والهوية للمواطن المصري  وليس العلم والأخلاق والمصرية والتي من المفترض أنها معيار  التعريف للفرد في الأوطان... هوية  المصري ليست ديانته  أو طبقته الاجتماعية والاقتصادية ولكن هوية المصري هي مصريته وعلمه وأخلاقه وانسانيته... المواطنة ليست مادة في الدستور ولكنها عنصر مصري أصيل في الشخصية المصرية السوية والتي عبرت عنها الأستاذة «نيللي» التي تحضر قداساً واكليلاً في الكنيسة وتشجع هاني دون النظر إلي اسمه أو ديانته... وفاء الطفل «مؤمن» الذي أحب وصادق ولازم هاني حتي بعد أن كذب عليه ولم يخبره بديانته.. فالخصام بينهما لم يكن للدين ولكن لمضمون أخلاقي وانساني...
الأم التي ابتعدت عن الدين  والكنيسة هي التي جعلت الصغير ينكر ديانته ويخجل منها مثلها  مثل المدرسة والمجتمع خاصة بعد أن عمقت لديه مفهوم عدم الانتماء لهذا الوطن  وسعيها الدائم لانفصاله سواء بالتعليم في مدرسة أجنبية أو السكني في كمبوند بعيد معزول عن  الواقع المصري أو طلبها الهجرة لأمريكا أو كندا باعتبارأنها وابنها ليس لهما مكان في هذا البلد...
الأبطال في الفيلم هم الأطفال ذلك الجيل القادم الذي لا يطرب إلا لموسيقي أوكا وأورتيجا العشوائية الصارخة، الجيل الذي يصلي وفي ذات الوقت يلاحق المدرسة جنسياً، الجيل الذي قد يكذب ويسرق ويحمل الأسلحة البيضاء وهو الذي يتعامل باحترام وإجلال مع الطالب الذي  نجح في مسابقة الانشاد الديني باعتباره «شيخاً جليلاً» وهو مجرد طفل ضعيف هزيل ليس له أي حضور أو تواجد أو تميز علمي... هذا الجيل الذي ينام... آباؤه علي باب المدرسة للمرض أو العجز أو الادمان وتتباعد فيه الأم ولا  تتواصل مع أبنائها حزناً أو خوفاً أو سلبية... الجيل الذي لا يجد الأستاذ أو المعلم القدوة الذي يعلمهم ويربيهم، الجيل الذي يربيه الشارع والعنف ويهتم بالمظاهر والملابس المحتشمة والصلاة جماعة والانشاد الديني لكنه لا يقدر الاختراع والعلم والتميز الأكاديمي.. الجيل الذي ترسخ فيه المدرسة معني الاختلاف والفرقة في حصة الدين والفصول المنفصلة للأقباط والمعادلة الحذرة المبتعدة المفتعلة معهم... الجيل الذي يخجل صغاره من مهنة آبائهم ويسبقونها بكلمة «لا مؤاخذة» لأن المجتمع لايقدرها ولا يحترمها بل ويمجد ويجل أصحاب الياقات البيضاء وذوي المراكز العليا... الجيل الذي لا يتعلم  لغة أجنبية لأن المدرس ذاته فاقد الشيء فلا هو قادر علي تعليمه أو تعلمه... جيل لا يتلقي في المدرسة أي تعليم أو رياضة أو تربية وانما يصارع للبقاء والحياة ثم يخرج للمجتمع حاقداً كارهاً عنيفاً فاشلاً جاهلاً متعصباً طائفياً... ونسأل أنفسنا لا  مؤاخذة هو احنا وصلنا إلي هذه الحالة لماذا؟... يا وزير التعليم قدم مشروعاً لتطوير المدارس والمناهج وأطالب  وزير التعليم العالي بغلق كليات التربية لحين إشعار آخر... لا مؤاخذة... لا تعليم... ولا... دين صحيح لا مؤاخذة.
 

 

Smiley face