رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سيكولوجية الديكتاتور

اسلام الشافعى

الجمعة, 21 يناير 2011 09:54
بقلم :إسلام الشافعي

"أتمنى  أن تنعم تونس بالوئام والهدوء حتى عام 2014 " .. آخر ما قاله  الرئيس التونسي المخلوع  قبل الهروب ..  كلمات تناولتها وسائل الإعلام والمحللون بوصفها " هذيان مخلوع يستجدي البقاء".. لكن جوهر تلك الكلمات يكشف عن حقيقة العلاقة بين الديكتاتور ووطنه .. "حتى عام2014 " ، هذا أقصى ما يتمناه المواطن رقم واحد في تونس لوطنه .. أما بعد الخروج من قصر الرئاسة فلا وئام ولا هدوء وليذهب الوطن للجحيم .. نفس مبدأ اللصوص عند اقتسام النهيبة (فيها لأخفيها) ..ولمعرفة جذور تلك الكلمات في نفس الديكتاتور .. تعالوا نتناول القضية بصورة أخرى خلاف الصورة التقليدية"ديكتاتور يلقى نهايته الحتمية ، وثورة شعبية"..  تعالوا ننظر لها من زاوية المواطنة .. فأولى دلالات المواطنة هي الحب والتضحية والعمل من أجل الوطن .. الوطن فقط وقبل أي شئ ..

فكيف يهون الوطن في نظر أحد أبنائه إلى حد التدمير .. كيف طاوعته نفسه على تعريض وطنه لمخاطر لا حد لها.. وأن يقول للوطن إما أن آخذ كل شئ أو لا وطن ولا شئ  .. كم مواطن تطاوعه نفسه على ذبح الوطن من أجل مطامعه .. فآلاف بل ملايين المواطنين لم يأخذوا أي شئ من الوطن .. لكن أحدهم لا يستطيع مجرد تصور أن يمس وطنه وأمنه بسوء .. ملايين طردوا من أوطانهم بصور شتى إما بالهجرة أو السعي للرزق أو على أحد أرصفة الوطن يبحثون عن الفتات، ولكن يظل الوطن محفوراً في قلوبهم كوجه الرضيع في ذاكرة أمه لا يمكنها تخيل المساس به ..

فكيف يتناسى أحدهم بعد أن منحه الوطن لقب "المواطن رقم  واحد" كلمة مواطن .. ولا يذكر سوى "رقم واحد" ..  ليكون الثري رقم واحد، واللص رقم واحد والقاتل رقم واحد، بل العميل رقم واحد .. والعمالة هنا ليس بالضرورة أن تكون بمعناها المخابراتي .. فكل من يعمل ضد مصلحة وطنه هو عميل .. عميل لشيطانه، عميل لأطماعه، عميل لكل من يضمن بقاءه على كرسي الحكم ..  فسيكولوجية الديكتاتور واحدة لا تتغير .. فغالباً ما يبدأ المواطن رقم واحد عهده بالأماني والوعود .. وتمر السنة تلو السنة .. ولا يقدم شيئاً سوى الفشل تلو الفشل ..وعند هذه النقطة يتوقف المواطن رقم واحد "الذي مازال يذكر أنه مواطن ليحاسب نفسه" .. وعندما يجد أن وجوده في قمة السلطة كان وبالاً على وطنه .. يجد نفسه أمام خيارين، فإما أن يقرر الانسحاب من نفسه في هدوء حفاظاً على وطنه ..  وإما أن يتناسى كلمة مواطن ولا يتذكر سوى رقم واحد الذي لا يتصور الحياة بدونه فيقرر الاستمرار استجابة للديكتاتور في داخله ..

وتمر السنون ويكبر الديكتاتور في داخله حتى يتحول وحشاً يلتهم كل ما يقابله حتى لو كان الوطن نفسه .. وعندما يبدأ الشعب التململ  يتمسك الديكتاتور بحكمة الاحتلال القديمة "فرق تسد " .. فكيف يتفرق المتململون .. ترى نظرية الديكتاتورية أو الاحتلال  "فكلاهما وجهان لعملة واحدة "إن حكم شعب

ضعيف جاهل أسهل بكثير من شعب قوي واع.. ولأن الهدف هو الحكم لا بناء دولة قوية .. يكون القمع والإرهاب والتجويع والإذلال وسحق شخصية وكيان المواطن آليات الديكتاتور للبقاء جاثما على أنفاس وطنه، والتي تصبح فيما بعد هدفاً في حد ذاتها .. فليس صحيحاً أن هناك ديكتاتوراً يريد إعلاماً حراً .. وليس صحيحاً أن هناك ديكتاتورا يريد شعباً متعلماً وإن افتتح المدارس و طنطنت  أبواق منافقيه بإنجازاته الواهية .. أما رجاله فهم دوما كومة من الفشلة والمنافقين أصحاب المطامع ..وهم دوما على استعداد لقول ما يريد أن يسمعه فقط .. ليس صحيحاً أن هناك ديكتاتوراً واحداً يريد نابهاً حقيقياً بجواره .. ليس صحيحاً أن هناك مكاناً لشريف أو مخلص في دولة الديكتاتور .. فتلك النوعية من المواطنين دائماً ما يراها الديكتاتور خطراً يهدد بقاءه..

هذا هو الديكتاتور "إما أنا أو الدمار" .. في تونس فشل الديكتاتور في إخضاع شعبه مدة أطول مما فعل ففر .. والآن ينطلق زبانيته وأعوان الفساد لسرقة الوطن وإجهاض الحلم الذي روي بدماء أبنائه .. كان العراق يوما فتيا فابتلاه الله بذلك النوع من الأمراض الخبيثة التي تصيب الأوطان فلم يترك الجسد إلا ممزقاً  .. رحل الديكتاتور الأحمق جثة مدلاة في حبل بعد أن كان يوما المواطن رقم واحد الذي طالماً هتفت الجماهير باسمه رعباً ونفاقاً .. وفي السودان كانت سمات الديكتاتورية غير المكتملة التي أصابت مواطنيه الذين حملوا الرقم واحد وراء تقسيمه  ودخوله في نفق لا نهاية له من الفقر والضعف والأزمات .. و التاريخ يحمل العديد والعديد من قصص الدَكاترة وما فعلوه بأوطانهم وما فعلته بهم الشعوب ، ليس منها قصة واحدة تنتهي نهاية سعيدة ..   إنها لحظة واحدة لو استمع فيها الديكتاتور لصوت المواطن بداخله، في معزل عن أبواق النفاق، لكفى وطنه  ونفسه وأهله شروراً كثيرة.. ولعاد إلى صفوف الجماهير مواطناً محبوباً مرحباً به لآخر يوم في حياته ..

لكنه المرض .. عفانا الله وإياكم.