رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أشباح النظام وأوهام المؤامرة

احمد لطفى

الثلاثاء, 04 يناير 2011 11:39
بقلم :أحمد لطفي

أشعر بخوف غريب يتسلل إلى نفسي كلما فكرت في تلك الدعوة التي انطلقت عبر المنابر الإعلامية خلال اليومين الماضيين، لحث المسلمين على التوجه إلى الكنائس لحماية المسيحيين خلال احتفالهم بعيد الميلاد.

وربما كان مصدر هذا الخوف سببين، الأول أن الشحن النفسي مازال في أوجه، ومن غير المستبعد حدوث مصادمات بين الطرفين لاسيما إذا انطلقت شعارات "عاطفية" تردد بعض العبارات الغاضبة من شاكلة "يقتلوا القتيل ويمشوا في جنازته". أما السبب الثاني فلا يستبعد احتمال اندساس عناصر مشبوهة بين جموع الجماهير المتوجه إلى الكنائس والقيام بأعمال شغب ومشاجرات قد تنتهي بما لا تحمد عقباه.

وإذا كانت تلك الدعوة قد انطلقت من مشاعر وطنية نبيلة، فإن خروج هذه المشاعر إلى أرض الواقع في وقت لا يتسق مع "الظرف الطارئ" قد يسفر عن نتيجة عكسية، بخلاف أن الأمن- في اعتقادي- لن يسمح بهذا، لأنه ببساطة لن يستطيع السيطرة على تلك الجموع الحاشدة، التي ستتجمع أمام وداخل الكنائس من مسلمين ومسيحيين، مما يرجح اختلاط الحابل بالنابل، والنتيجة لا يعلمها إلا الله.

وفي الوقت الذي يتبرأ فيه المسلمون من الجريمة النكراء التي لطخت تاريخ التسامح الديني على مر العصور في مصر، يخرج علينا أصحاب دعوة حماية المسلمين من المسيحيين. أليس في ذلك تناقضا؟.. أم أن هذه الدعوة محاولة لترسيخ فكرة أن هناك طرفا ثالثا داخل الوطن أو خارجه، لا يريد لنا الاستقرار ويعبث بالنسيج الوطني؟.

ولئن كان ذلك كذلك، فلماذا تصمت الدولة

بأجهزتها عن فضح هذا الطرف وتعريته بل ومواجهته.

إنها نظرية المؤامرة، التي أصبح يروج لها الخطاب الإعلامي دون إعمال للعقل. فما أسهل إلقاء التهم على "الأشباح"، التي ابتدعها خيال النظام السياسي، لتمارس حيلها الشيطانية في ملعب الوحدة الوطنية.

فها هم مثقفو مصر يرددون بصوت واحد أن إسرائيل وراء ما حدث، وأن مخابراتها العسكرية تعلن على الملأ- بكل بساطة- أنها لا تتورع عن إشعال نار الفتنة الطائفية في مصر. وها هم غوغاء يرددون نفس الكلام غير المنطقي من خلال وسائل إعلام مقروءة ومرئية.

نعم.. لا نختلف على أن إسرائيل لم ولن تحب العرب أبدا، ولكن لا نريد أن يجرفنا ذلك وراء أوهام، لم تثبت حقيقتها في مذبحة الإسكندرية حتى الآن.

وفي سياق نظرية المؤامرة أيضا، نجد من يردد أن أمريكا تسعى إلى تفتيت دول المنطقة إلى دويلات صغيرة لتتحكم فيها. وهذا منطق اللا منطق، فأمريكا على أرض الواقع تقود دول المنطقة- عدا إيران- كما تشاء ووفق ما تشاء، وتملي ما تريده على الحكام العرب، دون أن نسمع أن حاكما واحدا قال لها ولو مرة واحدة: لا.

إن ما كشفته وثائق "ويكيليكس" تؤكد أن العالم العربي أو بالأحرى الأنظمة العربية في يد الأمريكان، وأنهم لا يحتاجون إلى تفتيت هذه

الدول إلى دويلات طالما أنهم لم يشذوا عن الإرادة الأمريكية ولم يقفوا في طريق المصالح الغربية.

إذن.. من الفاعل؟.

هل هو الانتحاري المجهول، الذي لم تتوصل الأجهزة الأمنية حتى الآن إلى شخصيته بعد أن توصلت إلى شخصيات ضحايا التفجير.. أم هو عميل إسرائيلي أو أمريكي، لم تستطع وزارة الداخلية بكل أجهزتها والمخابرات العامة بكل ثقلها وخبرائها الوصول إليه.. أم هي أشباح النظام، التي تظهر وتختفي حسبما يتراءى لها؟.

بالطبع، ليست الأشباح، ولم يثبت حتى الآن صحة الأقاويل التي تشير إلى أصابع أجنبية.

وفي تصوري، فإن الفاعل هو ذلك "المجهول" الذي صنعته سياسة عقيمة، قسمت المجتمع إلى شطرين، وتعاملت مع الناس وفق تصنيفات عنصرية.. سياسة لا تريد أن تواجه اشكاليات الواقع بحلول منطقية وعملية، فمن خلال 36 عملية إرهابية ضد الكنائس، لم يثبت أن مرتكبيها من غير المصريين. ولعل نظرة سريعة على بعض الجرائم الأخيرة التي وقعت ضد المسيحيين تؤكد ذلك.

إن عصا الأمن التي دأب النظام على استخدامها ضد أية تجمعات للتعبير عن الرأي لم ولن تكون هي الحل، فناقوس الخطر دق مرات عديدة في الشارع المصري.. أمام جامع القائد إبراهيم في الإسكندرية، وجامع الفتح في القاهرة، وغيرها من الجوامع والمساجد التي شهدت شحنا نفسيا ضد الأقباط، مثلما دق الناقوس داخل الكنائس أيضا كرد فعل طبيعي لتأجيج الكراهية، لتتباعد الهوة بين المصريين، مسيحيين ومسلمين، ويزيد من اتساعها شيخ متطرف أو قسيس أحمق عبر قنوات فضائية تنفخ في النار، ربما دون أن تدري.

بصراحة شديدة.. يجب أن نتعامل مع الواقع بعقلية أخرى غير عقلية النعام، فمصرنا في خطر، ليس من الأشباح وإنما من عقول خاوية ونفوس مريضة تعيش بيننا، ولا تتورع عن إشعال نار الفتنة بين حين وآخر، ربما لأسباب تمتزج فيها الأوضاع السياسية المهترئة بأحوال اقتصادية متردية وأخرى اجتماعية لا تقل ترديا عن السابقتين.