طوبى لك في فردوس النعيم

احمد لطفى

الثلاثاء, 03 مايو 2011 10:45
بقلم: أحمد لطفي


قد يعذرني القارئ إذا بكيت اليوم حبرا على أعز صديق، بعدما جف ينبوع الدمع في المآقي. وقد يلتمس لي البعض العذر إذا بحت بمكنون النفس في زمن عزت فيه مشاعر النبل والوفاء.

فلم يكن الراحل عادل القاضي مجرد صديق، قل أن نجد مثيلا له في هذا العصر، فمنذ أن التقينا في "الوفد" أواخر عام 1986 توطدت صداقتنا. ولا أتذكر أننا اختلفنا يوما.. اقتسمنا لقمة العيش وهموم الحياة في مصر والسعودية والإمارات.

تقاسمنا متاعب المهنة وهموم الناس في "الوفد" و"وفد الدلتا"، كنا نعمل بحب وتفان من أجل وطن نحلم له بمستقبل أفضل.

ثم تركني وسافر للعمل في جريدة "المدينة" السعودية في النصف الثاني من عام 1991، فلحقت به في نفس الصحيفة بعد شهور قليلة.. أمضينا سنوات جميلة في جدة، وتوطدت علاقتنا الأسرية، إلى درجة أننا سافرنا إلى القاهرة لحضور انتخابات نقابة الصحفيين، فلم يأمن على أسرته إلا في بيتي.

كنت وهو نحرص على الخروج بأسرتينا للتنزه أو التسوق في نهاية الأسبوع أو التزاور ومناقشة أمور العمل والحياة. كانت آراؤه تتسم بالجرأة والتسامح والعمق.

امتزجت مواقفه الإنسانية بشجاعة المحارب وبراءة الطفولة وحب الناس، فاستطاع أن يشكل رابطة غير رسمية لجالية مصرية مصغرة لتوطيد العلاقات الاجتماعية في جدة والتخفيف من هموم الغربة، فأصبح أصدقاؤه أصدقائي وأبناؤه أبنائي.

وعندما تعرض لأول مرة لحادث تصادم، وكان يقود سيارة الزميل رسام الكاريكاتير الصديق عصام حنفي، كنت أول من استغاث به، فلم أتردد في الذهاب إليه رغم شعوري في ذلك اليوم بآلام مبرحة في الظهر.

بعد وصولي إلى جدة في فبراير 1992، استقبلني بحفاوة واستضافني في شقة الزميل والصديق أشرف محمود، رافضا أن أدفع الإيجار مثله، حيث تحمل نصيبي في السكن.

وعندما استأجرنا شقة كبيرة مع بعض الزملاء، كنا ننام سويا في غرفة واحدة. وكنت استيقظ من نومي في رمضان لتناول السحور، فإذا بي أفاجأ به يقيم الليل تعبدا وزهدا دون أن أشعر بوجوده في الغرفة.

آه يا عادل.. ما أروع صحبتك، وما أقسى فراقك.

الآن، مضت عشرة أيام على رحيلك يا أعز الأصدقاء، ومازلت أشعر أنك معنا، وكيف لا وأنت من أنت؟.

مضيت يا صديقي يذكرك الناس بالمحامد، وانسللت بعيدا في صمت، متطهرا من أدران الحياة، وتركتنا نتمرغ في وحلها.

من أين أستعير قلما أسطر به قصتك؟، وكيف ارتقى في الكتابة إلى مستواك الشامخ بتواضعك الجم، وأخلاقك الكريمة، ونفسك الطاهرة؟.
كيف أرثيك وأنت حي في القلب والفكر والوجدان؟.

لم تكن صحفيا يجسد صورة الواقع وحسب، وإنما كنت مثقفا تستشرف صورة المستقبل. لم تكن مثل الكثير من "المستصحفين"، لا ثقافة ولا إطلاع ولا تجارب ثرية.

غصت في المهنة كالباحث عن اللؤلؤ في أعماق البحار، ولم تسع يوما للأضواء والاستعراض وحب الظهور مثل أنصاف الصحفيين وأشباه الكتاب. كنت مندهشا.. كيف لا تكتب مقالا يوميا وأنت من أكفأ من عرفت من الصحفيين والكتاب؟.

كنت أعلم أن همك الأول والأخير هو أن تقفز- في صمت وإخلاص المجد المجتهد- ببوابة الوفد الالكترونية إلى أعلى الدرجات، وتحقق لك ذلك النجاح في زمن قياسي، فلم تنسبه لنفسك وحدك، وإنما كنت تقدر جهود من حولك بتواضع العلماء وشموخ الرجال.

شعرت حينما جاءني صوتك عبر الهاتف قبل أربعة شهور، أننا لن نلتقي.. كان صوتك واهنا، شعرت بعد هذه المكالمة أنني لن أراك ثانية.

أحيانا حديث القلب يا يكذب.

آه يا ابن القاضي.. آه من لوعة فراقك. آه من ذكراك.

طوبي لك في فردوس النعيم.

[email protected]