الرشاوى السياسية..إهانة لا إعانة !!

احمد لطفى

الأربعاء, 02 مارس 2011 09:57
بقلم- أحمد لطفي:

لم يكتفوا بمناصبهم الرفيعة، ولم يقنعوا بمكانتهم العالية، ولم يحرصوا على دخول التاريخ من أبواب البطولات والزعامات، إنما آثروا اختيار باب الفضلات والقاذورات.!

لوثوا سمعتهم بسرقة شعوبهم والتنكيل بهم وسلب حرياتهم ووأد حقوقهم.. ولم يترددوا في قتل أبناء أوطانهم كلما رفعوا أصواتهم.. كانوا يظنون أنهم يحكمون قطيعا من الأغنام، فإذا بهم يصدمون من هول الثورات الشعبية التي أشعلت النار من حولهم، وزلزلت الأرض تحت أقدامهم. !

لم يتخلوا عن أساليبهم البالية الغبية.. سارعوا بتقديم ما يمكن أن نسميه "الرشاوى السياسية"، فمن بدل البطالة إلى زيادة الرواتب إلى وعود بإصلاح الأحوال الاجتماعية والاقتصادية.. ووصلت التنازلات في بعض الأحيان إلى دعوة المعارضين والثوار للمشاركة في نظام الحكم. !

اعتبروا الأعاصير الشعبية مجرد سحابة صيف وستمر، أو زوبعة في فنجان وستتطاير، وأن الأمور تتطلب تقديم "بعض التنازلات المؤقتة" أو الالتفاف والدوران والمراوغة والتمويه والخداع، حتى تهدأ رياح التغيير وتعود الأوضاع إلى سابق عهدها، فيظلون على مقاعدهم إلى أبد الآبدين.

هكذا.. بين عشية وضحاها انقلب الأسد الجسور إلى أرنب مذعور، والزعيم الصنديد إلى طفل رعديد، يتلفت يمينا ويسارا من الخوف والهلع قبل أن ينطق بكلمة، محاولا استرضاء الجميع بالضعف والمسكنة، مختبئا عن الأنظار في قيعان الآبار.

ومن أسف أنهم بدوا وكأنهم- والمعذرة للتشبيه- يدللون كلبا في مخادعهم بحمام شامبو، أو حصانا في حظائرهم بقطعة حلوى أو شيكولاتة.. يظنون- وأحسبهم غافلون- أن الشعوب تحيا بالخبز وحده، وأنها تغفر لجلاديها، وتتسامح مع قاتليها، وتعفو عن سارقيها.!

هكذا تغيرت ملامح صورة معظم الأنظمة العربية، بعد ثورتي مصر وتونس، من النقيض إلى النقيض.. فبعد نجاح الثورة التونسية في الإطاحة

بزين الهاربين، زعم الرئيس المخلوع أن مصر غير تونس ولبنان.. وعلى الفور انطلقت أبواق الخداع والتضليل لتطنطن وتعزف على هذه النغمة.. دسوا رءوسهم في الرمال، فمرمغوا زعيمهم في الأوحال. !

ومن أسف أيضا أن خيالات المآتة القابعين على كراسي الحكم في بعض الدول العربية لم يتعلموا الدرس ولم يستوعبوا آليات التاريخ، فراحوا يرددون كالببغاوات "إحنا غير مصر وتونس.. مجتمعنا له خصوصيته المتفردة".!!!

ولكن سيناريو الأحداث لم يجر على هواهم، فمن اليمن إلى العراق مرورا بالبحرين وليبيا والجزائر وسلطنة عمان والأردن.. انطلقت شرارة ثورة يناير المصرية بأسلوبها المتفرد، وفنونها الراقية، وحضارتها المتغلغلة في أعماق التاريخ، وإرادتها التي لم تتزعزع رغم بلطجة وإرهاب النظام وحزبه.. فوجئ الجميع بشعوب هذه البلدان تزلزل عروش حكامها، رافعة نفس الشعارات المصرية ومقتبسة ذات العبارات، ومستلهمة نفس القوة والحماس، ساعية لترسيخ عصر جديد من الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ومرة أخرى.. تخطئ خيالات المآت، فبدلا من الإسراع بإجراء إصلاحات سياسية وفتح نوافذ الحرية، والعمل على ترسيخ قواعد الديمقراطية وطلب الصفح والعفو من الشعوب أو ترك مقاعدهم لمن يستحقونها، عادوا إلى بطانة السوء، فجاءت نفس الأساليب التي احترفوها وعفا عليها الزمان.. أساليب الرشاوى السياسية، التي كانوا يستخدمونها في الأزمات أو أثناء الانتخابات لحين نجاحهم.. فتحوا خزائن الدول التي كانت قبل أيام فقط مغلقة لهم ولحاشيتهم، ليغدقوا منها على من يعتبروهم "الرعاع"، ناسين أو متناسين أو جاهلين أو متجاهلين أن هذه الرشاوى لم تعد تنطلي على الشعوب، فهي في حقيقتها تمثل إهانة لا إعانة، وقفزا بالزمن إلى الوراء، وإهدارا للعزة والكرامة.. وهي قيم يبدو أنهم لا يدركوا معانيها.!

[email protected]