أفيقوا.. أو ارحلوا غير مأسوف عليكم

احمد لطفى

السبت, 15 يناير 2011 12:25
بقلم: أحمد لطفي

المؤشرات السياسية تدل دلالة قاطعة على تصدع عروش الأنظمة العربية، التي بدأت تتهاوى وتتقوض أركانها، فالأحداث من حولنا تتصاعد بلا توقف.. والمواجهات العنيفة بين الشعوب والأنظمة الديكتاتورية تستعر، وجماعات التطرف الديني تفسح لنفسها مكانا في الملعب السياسي من خلال زرع الفتنة واستقطاب الأعوان للانقضاض على السلطة إذا حانت لها الفرصة.

فها هي لبنان تعود إلى مربع الاضطرابات مرة أخرى مهددة بغياب الاستقرار السياسي واشتعال الحرب الطائفية. وهذه هي السودان تنشطر بتخطيط غربي.

وتلكم دول الخليج، التي تشهد تأجج نار الصراعات الدفينة بين الشيعة والسنة.

ولا يختلف الحال في الصومال الممزق إلى طوائف وجماعات مسلحة، وكذلك فلسطين المحتلة، التي انشطرت إلى دويلتين غير رسميتين تهددهما الحرب الأهلية.. وإذا كانت ثورة الجياع في تونس قد أجبرت الرئيس بن علي على ترك الحكم فجأة والهروب مذعورا، فإن السيناريو مرشح للتكرار بصورة أو بأخرى في مصر والأردن اللتين تعانيان من نفس الإشكاليات المزمنة وتشهدان بين الحين والآخر غليانا شعبيا، يظهر بين الحين والآخر في شكل مظاهرات تعبر عن السخط من البطالة وارتفاع الأسعار.

فهل تأملت رموز النظام الحاكم في مصر ملامح الصورة جيدا؟. وهل استوعبت هذه الدروس؟. وهل قرأت ما وراء الأحداث؟. وهل ستطبق خطة طوارئ لوقف الزحف الثوري أم سترضخ لإرادة الجماهير وتبدأ على الفور إجراءات إصلاح سياسي واقتصادي طال الشوق إليهما؟.

في اعتقادي أن النظام الذي اتسم بالعناد طوال فترة حكمه لن يستوعب الدرس، فهو لا يقرأ التاريخ، ومازال يعيش في وهم استخدام القوة المفرطة التي أثبتت أحداث تونس أنها لا تجدي نفعا.

إن عوامل الثورة الشعبية في تونس موجودة في مصر، وربما أكثر حدة. ويمكن أن نلخصها في خمس نقاط هي:

• شبح البطالة، الذي وصلت معدلاته- وفقا لمنظمة العمل العربية- إلى أرقام لا يمكن تجاهلها حيث تجاوزت النسبة 14% من إجمالي سكان

الوطن العربي البالغ عددهم حوالي 350 مليون نسمة، ما يعني أن هناك نحو 50 مليون عاطل، منهم نحو 12 مليونا في مصر، يشكلون ألغاما قابلة للانفجار متى ما تعرضت لأي ضغط.

• الغلاء الذي يلتهم الدخول الهزيلة للسواد الأعظم من الناس، ناهيكم عن ارتباطه بمعدلات تضخم عالية لم نسمع عنها من قبل.

• الفساد الذي استشرى في مجتمعنا ومعظم الدول العربية من حولنا، الأمر الذي رسخ الشعور لدى الناس بغياب العدالة ودفع بالكثيرين إلى الانغماس في هذا المستنقع. ولأن لكل فعل رد فعل- كما تقول نظريات الفيزياء- فقد تفشت ظاهرة اللجوء إلى الأديان بحثا عن أمل يهبط من السماء، واتخذت بعض المظاهر الدينية أسلوبا متشددا في التعامل مع الواقع والآخرين.

• غياب الديمقراطية والحريات العامة والخاصة، وتزوير الإرادة الشعبية، الأمر الذي رسخ شعورا لدى الناس بأن السلطة في مصر مسلوبة بقوة العسكر من ناحية وبشبكة المصالح التي تربط جماعة الحكم.

• الإحساس بالغربة داخل الوطن لاسيما حينما يرى المواطنون حكومة الحزب غير الوطني تغدق بسخاء على الأغنياء والهليبة، فتشيد المنتجعات السياحية، التي لا يقدر على السكن فيها غير القطط السمان.. مواطنون يرون يوميا صور البذخ والفسوق في كل مكان، وهم لا يجدون أبسط مقومات الحياة من طعام وشراب ومياه وصرف صحي وعلاج ومواصلات آدمية.

كل هذه العوامل تتفاعل معا لتزيد الخناق على الشعب، في الوقت الذي لا تحاول الحكومة أو بالأحرى النظام الحاكم

البحث عن حلول لتلال المشاكل التي تراكمت عبر عشرات السنين.

الغريب حقا أن وزراء النظام، لا يتورعون عن مد أيديهم في جيوب الناس بدلا من البحث عن موارد إضافية لإنعاش الاقتصاد.. هؤلاء الوزراء، يفتقدون للحس السياسي، ويسعون بين الحين والآخر لحشر أنفوهم في حياة الناس فيخلقون أزمة وراء أزمة، فمن رغيف الخبز إلى الأرز إلى السكر إلى أزمة الإسكان إلى أنبوبة البوتاجاز.. والقائمة طويلة بطول نظام تربع على سدة الحكم ثلاثين عاما دون أن يحل أي من تلك الأزمات.

وأخيرا.. يخرج علينا وزير يدفع مجلس الشعب لإصدار قانون بإلغاء الدعم عن المواد البترولية والطاقة. ألا يؤشر ذلك على غباء سياسي لا يستعر النبض الشعبي؟. ألم يفكر في نتائج هذه الخطوة على المجتمع بكل فئاته؟. وإلى متى سيستمر في شفط جيوب الناس؟.

الحق أقول إن النظام ورموزه يلعبون بالنار، في وقت شديد الحساسية، فالناس تكالبت عليها الهموم والمشاكل والمتاعب، ولم يعد للصبر مكان في النفوس.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: هل الشعب المصري يحب حكامه؟.

إن الإجابة على هذا التساؤل موجودة في مقاهي المدن وعلى مصاطب القرى، وفي وسائل المواصلات والإعلام والمستشفيات ومراكز وأقسام الشرطة وفي كل موقع. وإذا كان الشعب المصري لا يحب حكامه، ويتمنى أن يفيق يوما من هذا الكابوس الجاثم على صدره، فهل سيظل النظام يحتمي بالقوة العسكرية إلى أبد الآبدين؟

لا أظن.. فها هي صورة قادمة من تونس لأفراد من الشعب يعانقون رجال القوات المسلحة فرحا وابتهاجا برحيل الطاغية. وها هم رجال الداخلية يختفون كالفئران المذعورة بعدما أطلقوا النيران على الأبرياء، الذين لا ذنب لهم إلا أنهم طالبوا بالحد الأدنى من الحياة.

هل سيأتي يوم يستنجد فيه الحاكم العربي بصفة عامة والمصري بصفة خاصة بحاشيته من الطوفان الشعبي، فلا يسمع ردا غير ما قالته اليهود لنبي الله موسى "اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون".

هذا أمر غير مستبعد، فدلائل التجربة التونسية خير برهان.. فانتبهوا أيها القابعون على كراسي الحكم.. ناقوس الخطر يدق في قصوركم، ورياح التغيير آتية لا محالة، فأسرعوا بالالتحام الصادق مع الجماهير.. حاربوا الفساد، وفكروا في هموم الشباب، واستمعوا إلى صوت العقل ولو مرة، واتركوا الجوقة التي تنقل لكم صورا كاذبة من أجل استمرار بقائها في مواقعها.

أفيقوا- يرحكم الله- قبل أن تعصف بكم أعاصير الجياع والعاطلين، أو ارحلوا غير مأسوف عليكم.