رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خشية أوربا من الخطر الأمريكي

احمد عز العرب

الخميس, 21 مايو 2015 21:19
بقلم: أحمد عزالعرب

 

كشف مؤتمر الأمن الذي عقدته دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا في ميونخ في فبراير الماضي عمق الفجوة بين دول أوروبا وبين أمريكا نتيجة خوف أوربا من أن أي حرب عدوانية تشنها أمريكا ضد روسيا ستدور على أرض أوروبا التي سيكون الدمار مصيرها، وقد شرح الكاتب الشهير فينيان كننجهام الوضع بكفاءة نادرة في مقاله على موقع مانفورميشن كليرنج هاوس بتاريخ 8 فبراير الذي نعرضه على القارئ فيما يلي:

يقول كننجهام إن أزمة أوكرانيا سيطرت على مؤتمر الأمن في ميونخ الذي استضافته مستشارة ألمانيا ميركل وحضره قادة أوروبا وأمريكا ووزير خارجية روسيا، وكانت ميركل عائدة لتوها من زيارة لموسكو مع الرئيس الفرنسي هولاند حيث اجتمعا 4 ساعات بالرئيس الروسي بوتين في محادثات بناءة لم يكشفوا محتوياتها دارت حول محاولة الاقطاب الثلاثة ايجاد حل سلمي لمشكلة أوكرانيا، وصرح هولاند بأن محادثات السلام التي دارت في موسكو كانت آخر فرصة لتجنب حرب شاملة، وقد أذاع التليفزيون البريطاني BBC أن ميركل وهولاند وبوتين كانوا مدركين حيوية الوصول لحل سلمي، ولكن هذا الحماس سابق لأوانه بسبب موقف أمريكا، وكان أكثر ما أشعل خشية القادة الأوروبيين ورغبتهم في ضرورة الحل السلمي هو ضراوة الاقتراح الامريكي الأخير بإرسال مزيد من الأسلحة لحكومة أوكرانيا، وكانت ألمانيا وفرنسا بالذات ضد إرسال أي مزيد من الأسلحة لأوكرانيا، وحتى بريطانيا تابعة أمريكا عادة اعترضت على اقتراح امريكا بإرسال مزيد من الأسلحة، وقد حذرت روسيا امريكا من خطورة موقفها قائلة إنه لو أقدمت امريكا على زيادة معونتها العسكرية لأوكرانيا فإن ذلك سيسبب دماراً هائلاً لعلاقات امريكا وروسيا.
الكل باستثناء أمريكا والعصابة النازية التي تحكم أوكرانيا يدركون أن إرسال مزيد من الأسلحة الامريكية لأوكرانيا سيكون لحظة فارقة تقوم فيها أمريكا بتكديس السلاح بأوكرانيا تمهيداً علنياً ضد مصالح روسيا الحيوية.
وبينما كانت ميركل وهولاند يحاولان إيجاد مخرج من الوضع الخطير مع بوتين كان واضحاً أن التنافر الكبير بين مواقف أوربا وموقف امريكا قد خرج الى العلن، وكان غياب وزير خارجية أمريكا جون كيري عن اجتماع ميركل وهولاند مع بوتين علامة صارخة على التنافر بين موقفي اوربا وأمريكا، وكان الاعلام الأوروبي يحاول نسج وصلة بين امريكا ومحاولات الحل السلمي زاعماً أن كيري رحب بمبادرة السلام الأخيرة، قائلا إنها عامل مفيد، فقد نشرت النيويورك تايمز هذا المانشيت الأجوف: «أمريكا وأوربا تعملان على إنهاء

النزاع الأوكراني»، ولكن غياب كيري عن اجتماع موسكو بين ميركل وهولاند وبوتين أوحى بقصة أخرى.
أما في ميونخ نفسها فيبدو أن جوبيدن نائب الرئيس الامريكي كان يفعل جهده لاستفزاز روسيا بمزيد من الإهانات الشديدة، فكان يقول للوفود الحاضرة إن روسيا تصعد التوتر، وإن أوكرانيا كانت تحارب من أجل البقاء كدولة، كما قال: إن اعتراض أوربا على العقوبات التي تقودها امريكا ضد روسيا بسبب الصراع الأوكراني كان اعتراضاً في غير محله ومثيراً للغضب، وأن على دول أوربا أن تقف بصلابة بجانب أمريكا ضد التهديد الروسي بإعادة رسم خريطة أوربا.
وفي هذه الأثناء كان جون كيري يستفز روسيا بدوره قائلاً: إن على روسيا وضع حد لإراقة الدماء وإلا فإن امريكا سترسل مزيداً من السلاح لأوكرانيا، وأضاف: إن روسيا تمثل أكبر تهديد لأوكرانيا.
ها هو الامريكي يرسل إنذاراً لموسكو يخدم الأهداف الامريكية، رغم أن روسيا ليس لها سيطرة على العنف في أوكرانيا، لأنه رغم الدعاية المعادية التي يبثها حلف الناتو فروسيا ليست طرفاً في النزاع الأوكراني باستثناء التأييد الدبلوماسي الذي تقدمه لمواطني شرق أوكرانيا من أصل روسي الذين يحاربون حكومة كييف التي يساندها حلف الناتو، فحكومة كييف هي التي تسيطر على العنف، فهى التي أعلنت الحرب على مواطني شرق أوكرانيا من أصل روسي، ورفضت الدخول في مفاوضات مع الانفصاليين في الشرق لوضع حد للعنف الذي أدى لإهدار حياة 5400 انسان في الشهور العشرة الأخيرة.
وكان رفض كيري مقابلة وفد الانفصاليين في الشرق الذين أعلنوا انفصال اقليمهم عن أوكرانيا تحت اسم «جمهورية دونتسك ولوهانسك الشعبية» حافزاً ومشجعاً لحكومة كييف على الاستمرار في العنف.. وبذلك فإن من ناحية أمريكا وحكومة كييف سيستمر العنف مع الأسف وستزعم واشنطن أن استمرار العنف دليل على أن التمرد في الشرق تسانده روسيا بما يمكن أمريكا من تبرير الاستمرار في تزويد حكومة كييف بالسلاح، بما يؤدي بدوره الى استمرار العنف، وهكذا في حلقه مفرغة.
وتبرر أمريكا تصعيدها العسكري على أنه «احتفاظ بكل البدائل» في يدها، وقد أعلنت الخارجية الأمريكية هذا الاسبوع
أن الاقتراحات الواردة من مختلف المسئولين في واشنطن بمن فيهم وزير الخارجية جون كيري ووزير الدفاع الجديد آشتون كارتر تدعو لإرسال مزيد من السلاح لكييف، وأن الحكومة الامريكية تحتفظ بحقها في الاحتفاظ بعدة بدائل لتختار منها، كما صرح بذلك جين بساكي الناطق باسم الخارجية الامريكية.
ونفس الأسلوب التهديدي استخدمه قائد عام قوات حلف الناتو في مؤتمر ميونخ، فقد صرح للتليفزيون الفرنسي بأن كل خيارات استعمال القوة مفتوحة بالنسبة للأزمة الأوكرانية «والدفاع ضد العدوان الروسي».
واختيار قائد الناتو للكلمات يظهر مدى تبعية الناتو لأمريكا وليس للحلف بين أمريكا وأوربا كما يبدو من اسم الحلف، وطبعاً كان القائد يزعم أن خياره الأول سيكون الحل الدبلوماسي، ولكن من الواضح جداً أن أمريكا تدفع نحو الحل العسكري.
واختيار كلمة «كل البدائل مطرحة» هو تهديد عدواني أمريكي صريح، وفي نفس الوقت تعلن أمريكا أنها لاتريد حرباً بالوكالة مع روسيا، ولا يستطيع أحد تصديق مثل هذه الأقوال، فالحرب بالوكالة هى ما تدفع إليه امريكا مهما تشدقت بالحل الدبلوماسي.
ولكن يبدو أن الأوربيين يستيقظون على حقيقة أنهم معرضون لفقد أكثر كثيراً مما قد تفقده امريكا من تصعيد الصرع، فحرب شاملة على أرض أوربا كارثة واضحة لدول أوربا، وحتى قبل اندلاع حرب شاملة تعاني دول أوربا اكثر مما تعانيه أمريكا، فحجم التجارة بين روسيا ودول اوربا عشرة أمثال حجمها بين روسيا وأمريكا. فألمانيا أكبر خاسر من المواجهة مع روسيا بسبب أوكرانيا، والمتوقع أن تخسر ألمانيا هذا العام 20٪ من صادراتها لروسيا، وهذا يعني هبوطاً قدره 8 مليارات يورو للاقتصاد الألماني ومزيداً من الانكماش والبطالة لكل دول الاتحاد الأوروبي.
وقد صرح كوردس رئيس لجنة العلاقات مع شرق أوربا بأن أثر العقوبات الامريكية علي روسيا يعني أن هبوط صادرات ألمانيا بنسبة 20٪ يعني تعطل ستين ألف عامل ألماني من العمل، حيث إن ثلاثمائة ألف عامل ألماني يعملون في قطاع الصادرات لروسيا.
يبدو أن الساسة الامريكيين يتكلمون بلسانهم عن الحلول السلمية بينما تعني تصريحاتهم عن كل البدائل المتاحة أن لديهم أجندة مختلفة تماما عن الحلول السلمية، ولكن هنا دلائل متصاعدة علي أن الاوربيين قد بدأوا يفيقون من خطورة السير وراء أمريكا، فالمبادرة السلمية الأخيرة من ميركل وهولاند لروسيا دون حضور أمريكا تقطع بأن أوربا تخشى الانزلاق الى حرب تدفع اليها امريكا.
وإلى هنا ينتهي عرض كننجهام عن الوضع الأوروبي في الأزمة الأوكرانية، ونحن من جانبنا نوجه نظر القارئ الى أن اندفاع أمريكا نحو الحروب شىء لا تملك أمريكا إيقافه، فما دام الاقتصاد الكلي الأمريكي يبلغ 55٪ من صناعات الأسلحة والصناعات المكملة لها فلا يمكن لأمريكا إيقاف الاندفاع نحو الحروب بالأصالة أو الوكالة، وهو ما فعلته في غزو العراق وأفغانستان، وماتفعله حالياً في إشعال الصراعات في الشرق الأوسط وغيره، وتنظيم وتسليح العصابات الارهابية مثل داعش والقاعدة سراً، فما دام وحوش المجتمع العسكري الصناعي يحكمون أمريكا، فلا يمكن للحروب أن تتوقف ولا يمكن للعالم أن يرى السلام.

نائب رئيس حزب الوفد
 

ا