رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

طريق الحرير الصيني نحو المجد

احمد عز العرب

الخميس, 18 ديسمبر 2014 21:11
بقلم: أحمد عزالعرب

خلال العصور الوسطي كانت التجارة بين الشرق والغرب تمر عبر آسيا بما يعرف بطريق الحرير حيث كانت تنقل عبره حرائر الصين ومنتجاتها لدول أوروبا. وكان الرحالة الشهير ماركو بولو من مدينة البندقية الإيطالية أشهر من ذكرته روايات العصور الوسطي في رحلته الشهيرة من البندقية للصين.

واليوم تعود الصين لفتح طريق الحرير لأسباب مختلفة تماما. فالصين تقف اليوم وجها لوجه أمام أمريكا في المنافسة علي المركز الأول في الاقتصاد العالمي بعد أن تفوق الإنتاج الكلي للصين علي الإنتاج الأمريكي لأول مرة في التاريخ منذ أكتوبر الماضي. ولم يعد الحرير هو السلعة التي تحيي الصين من أجلها هذا الطريق، فالهدف الاستراتيجي الأول لها حاليا هو مد خط أنابيب لنقل بترول الخليج العربي وبحر قزوين إلي الصين. ولما كان نقل البترول بحرا قد يعرضه لخطر جسيم في أوقات التوتر أو الحرب من الأسطول السابع الأمريكي المسيطر علي الخطوط الملاحية بين الخليج العربي وشرق آسيا. فإن الصين تريد تأمين وصول البترول إليها دون انقطاع بإنشاء خط أنابيب وسط آسيا.
وتحت عنوان هذا المقال نشر الكاتب السياسي بيبي إسكوبار في مجلة آسيا تايمز أون لاين في 16 نوفمبر عرضا متميزا عن طريق الحرير الحديث.
يقول إسكوبار: لو كان هناك شك بالنسبة للغباء غير المحدود الذي ينشره الإعلام الاقتصادي الغربي فإن مثاله الأوضح هو ما نشره هذا الإعلام عن مؤتمر قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي. فبدلا من تغطية محتوي المؤتمر نشر قصة عن اهتمام الرئيس الروسي بوتين بزوجة الرئيس الصيني جينينج وقيامه بتغطية كتفيها بشال يقيها من البرد!!
فلنترك هذا العبث ونعرض العمل الجاد. ففي بداية المؤتمر دعا الرئيس الصيني الدول الأعضاء إلي إعطاء دفعة قوية لاقتصاد الدول الأعضاء وللاقتصاد العالمي. وبعد يومين من دعوته حصل علي كل ما يريد علي كل الجبهات:
1- حصلت الصين علي موافقة دول المنظمة الـ 21 علي المنطقة التجارية الحرة فيما بينها، فهذه الرؤية الصينية تعني صفقة تجارية يكسب فيها كل المشتركين ويزداد التعاون بين دولها. وكان الخاسر نتيجة لها هو الدول السائرة في الفلك الأمريكي وخاصة اليابان وماليزيا.
2- قدمت الصين مشروعها لربط الدول الأعضاء ربطا وثيقا يتضمن استراتيجية متعددة الجوانب. وأحد جوانبها الرئيسية إنشاء بنك رأسماله خمسين مليار دولار يهدف إلي الاستثمار في مجال البنية التحتية للدول الأعضاء. وكان هذا هو الرد الصيني علي رفضه أمريكا إعطاء الصين حق التصويت بأكثر من 3٫8٪

في صندوق النقد الدولي في حين تحصل فرنسا المتعثرة اقتصاديا علي 4٫5٪ من الأصوات.
3- عقدت روسيا والصين صفقة غاز ضخمة ثانية. وهذه المرة ستكون عبر خط أنابيب آلتاي في غرب سيبيريا بعد الصفقة الأولي لغاز سيبيريا التي عقدت في مايو الماضي.
4- أعلنت بكين توجيه أربعين مليار دولار لبدء بناء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير ولطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين.
ومرة أخري كما هو متوقع فكل هذه الصفقات الضخمة والاستثمارات توجهت نحو أكثر الطموحات البراقة لبنية تحتية دولية متعددة الأهداف. فطريق الحرير الجديد متعدد الأهداف المتضمنة خط سكة حديد عالي السرعة. وخط أنابيب ومواني وخطوط كابلات اتصالات تبنيها الصين حاليا عبر وسط آسيا تصل بين دولها وبين روسيا وإيران وتركيا والمحيط الهندي وتتفرع إلي أوروبا طول الطريق إلي البندقية وروتردام ودوينترج وبرلين.
ولنتصور الآن الفزع الذي يصيب رجال المال الأمريكيين عندما يرون الصين توصل حلمها الخاص بوسط آسيا إلي أطول كثيرا من ذلك. وتمده في المستقبل القريب إلي كل أوراسيا كحزام حريري ضخم في تنسيق اقتصادي استثماري مع روسيا.
بوتين لا يفعل أشياء غبية: بالنسبة لبوتين فإن أي شيء يريد الإنسان معرفته عن آسيا / المحيط الهادي كأولوية استراتيجية روسية قد وضح خلال حضوره مؤتمر الدول العشرين. فقد كان هذا في الواقع تحديثا اقتصاديا لحديثه الشهير في نادي فالداي عند اجتماعه في مدينة سوتشي في أكتوبر الماضي. الذي أعقبه حديثة صحفي مطول تجاهله الإعلام الغربي. لقد أسست روسيا اعتقادها بأن أمريكا ونخبتها المالية ليس لديهم النية إطلاقا للسماح بعالم متعدد الأقطاب في السياسة الدولية.
ولا شك ان موسكو تتباعد عن الغرب إلي اتجاه وسط آسيا. وهي خطوة دفع لها أوباما بسياسته الخارجية التي أعلنها عند عودته من آسيا في إبريل الماضي من رحلته إلي آسيا. ولكن الشراكة الاستراتيجية الروسية الصينية تتطور في مستويات متعددة. ففي مجال الطاقة تتجه روسيا شرقا لان الطلب الأكبر فيها. وفي مجال المال فقد أنهت روسيا الرابطة بين الروبل والدولار واليورو. ولذا لم يكن غريبا هبوط قيمة الدولار ولو مؤقتا بالنسبة للروبل وقد أعلن بنك
VTB الروسي أنه قد يترك بورصة لندن المالية إلي بورصة شنغهاي التي توشك علي الارتباط بهونج كونج التي تجتذب بدورها عمالقة الطاقة الروسية.
فإذا مزجنا كل هذه التطورات الآن مع الصفقة الضخمة للطاقة بأسعار الروبل واليوان الصيني تصبح الصورة واضحة. وهي أن روسيا تحمي عملتها ضد المضاربات الغربية ضدها.
إن الشراكة الاستراتيجية الصينية الروسية تتوسع بوضوح في مجال الطاقة والمال والتكنولوجيا العسكرية. وهذا يتضمن قيام موسكو ببيع صواريخ الدفاع الجوي S400 للصين. ومستقبلاً صواريخ S500  التي تعجز أمريكا عن مواجهة فعاليتها. ويحدث هذا بينما تطور الصين صواريخ أرض/ بحر تستطيع محو الأسطول الأمريكي من الوجود.
وعلي أي حال فقد اتفق رئيس الصين وأوباما خلال مؤتمر الدول العشرين الأخير علي إنشاء آلية لتبادل المعلومات بالنسبة للعمليات الحربية الكبيرة حتي يمكن ربما تجنب تكرار ما فعله حلف الناتو من اضطرابات ضد روسيا في أوكرانيا لتجنب حدوث ذلك في شرق آسيا.
اليمينيون الجدد: عندما وصل بوش للرئاسة سنة 2001 فوجئ اليمينيون الجدد بحقيقة واضحة. كان الأمر مجرد وقت قبل أن تفقد أمريكا سيطرتها العالمية جيوبوليتيكياً واقتصادياً. فكان أمامهم خياران. إما السيطرة علي التراجع وإما اللجوء للحرب لاستعادة هذه السيطرة. وكلنا يعرف الآن أحلام اليقظة التي صاحبت غزو العراق ظنا بأنه قليلة التكلفة. وأن أمريكا تستطيع إضافة كل من يتحداها سواء كان الاتحاد الأوروبي أو روسيا أو الصين. ولكنا نعرف الآن كيف كانت النتيجة عكسية. فقد أضاعت المغامرة تريليون دولار ومعها سيطرة أمريكا علي العالم. ومع ذلك سيطرتها العالمية.
هناك دلائل متفرقة علي ذكاء جيوبوليتيكي  في بعض الدوائر العلمية الأمريكية مثل مركز ويلسون، ومع ذلك يظن المركز أن روسيا والصين لا تمثل تحديا لأمريكا والنظام العالمي وأن أمريكا تستطيع استرداد سيطرتها. وبالإضافة لهذه النظرة قصيرة النظر تظن النخبة المالية الأمريكية أن أمريكا ما زالت تتمتع بالدور التاريخي كحكم بين دول آسيا وبيدها ميزان القوة، ولذا فلا عجب أن الرأي العام الأمريكي والغربي لا يستطيع تصور الأثر المدمر لطريق الحرير الجديد في القرن الحادي والعشرين علي مصالحة، فهو ما زال يفكر بعقلية أيام الحرب الباردة أن روسيا والصين ستكونان دائما متنافرتين. أما رجال المال الألمان فيتحمسون للسير وراء الصين في طريق الحرير الذي سيربط بكين ببرلين عبر موسكو. وسيحذو الساسة الألمان حذوهم قريبا.
كل ذلك ستتم مناقشته خلف الأبواب المغلقة بمؤتمر العشرين الذي سيعقد في أستراليا. وكذلك الحلف المتوقع لروسيا والصين مع ألمانيا. وسيكون تحالف دول البربكس (البرازيل والهند وروسيا والصين وجنوب أفريقيا) موضع قلق للغرب ومؤشر علي عالم مستقبل متعدد الأقطاب. ستظل كلاب الحرب الغربية تنبح. ولكن قافلة الحلف الصيني الروسي مع دول آسيا ستظل تسير علي طريق عالم متعدد الأقطاب.
وإلي هنا ينتهي هذا التقرير الخطير الذي يحمل ومن نذر الشر للاستعمار الأمريكي مالا يستطيع استيعابه للآن. ولكن الوقت كفيل بتطويقه لقبول حقائق العالم الجديدة. أما التفكير في الحرب الشاملة علي أساس خيار شمشون: «علىّ وعلي أعدائي يارب». فلا نتصور أن تجرؤ أمريكا أو الغرب الإقدام عليه هذه المرة.

نائب رئيس حزب الوفد

ا