مستقبل مظلم أمام إسرائيل

احمد عز العرب

الجمعة, 29 يوليو 2011 08:51
بقلم : أحمد عزالعرب

عندما نتذكر أن إنشاء الدولة العبرية فى فلسطين كان بقرار من الأمم المتحدة فى 29 نوفمبر 1947 نص على تقسيم فلسطين لدولتين إحداهما لليهود والأخرى للفلسطينيين مع بقاء القدس مدينة منفصلة لها وضع إدارى دولى خاص، عندما نتذكر ذلك، وبصرف النظر عن العدل والشرعية، نجد أن المنطق يقول إنه لا حاجة لقرار جديد من الأمم المتحدة بالاعتراف بدولة فلسطينية، فالدولة قائمة قانوناً بموجب هذا القرار، والخلاف الباقى هو على حدودها، هل هى الحدود المنصوص عليها فى قرار التقسيم سنة 1947 أو البقايا الباقية من أرض فلسطين الواقعة حالياً تحت الاحتلال الإسرائيلى فى الضفة الغربية وقطاع غزة بعد أن نهب الاستعمار الاستيطانى الإسرائيلى أغلب المساحة المخصصة للفلسطينيين وبنى عليها مستوطنات يهودية، ولكن ورغم الفرق الهائل فى القوة بين إسرائيل وأعدائها من العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً، ورغم الحماية الشاملة من الاستعمار الأمريكى للكيان الصهيونى تبقى الشرعية الدولية موضوعاً يؤرق الإسرائيليين ويضفى على حياتهم رعباً حقيقياً من المستقبل، وبين يدينا مقال للكاتب الإسرائيلى كارلو سترنجر نشره فى جريدة «هآارتس» الإسرائيلية فى 3/6 يعبر بدقة عن هذا الخوف الشديد من المستقبل.

يقول سترنجر إن إسرائيل عليها أن تهيئ نفسها لأوقات مظلمة قادمة، فالاعتراف الوشيك بدولة فلسطينية من الأمم المتحدة يضع إسرائيل على طريق الصدام مع باقى دول العالم، وهناك طريقة واحدة فقط لجعل هذا الوضع أقل كارثية، فبنيامين نتنياهو وأفجدور ليبرمان وشركائهما يبيعون وهماً للإسرائيليين، فهم يضعون أنفسهم فى وضع البطل الذى سينتصر ضد العالم كله، إنهم يصورون زيارة نتيناهو الأخيرة لأمريكا كنجاح ضخم ضد أوباما وأنها أقنعت العالم أن حكومتنا هى الصحيحة، ويحضر وزراؤنا مراسم وضع حجر أساس مستوطنات جديدة فى القدس ويشمر أعضاء الكنيست عن سواعدهم، وينادى دانون بضم الضفة الغربية لإسرائيل كرد على مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف لهم بدولة مستقلة وزادت شعبية نتيناهو فى استطلاعات الرأى بعد عودته من أمريكا بما يوحى بأن كثيراً من الإسرائيليين يظنون أنه ينقذ إسرائيل.

وليس هناك شىء أبعد عن الحقيقة من هذا الوهم، فبصرف النظر عن أن الإعلام الأوروبى سواء كان بريطانياً أو فرنسياً أو ألمانياً يعطى صورة أخرى تماماً عن الصورة التى يعطيها نتنياهو فإن أغلب المعلقين الأمريكيين يوافقون على ما يقوله الإعلام الأوروبى، فتحليلاتهم كلها

تنتهى إلى نتيجة واحدة: لقد أوضح نتنياهو تماماً أنه لا توجد أى جدوى للفلسطينيين من العودة لمائدة المفاوضات لأنه ليس هناك من يتفاضون معه، وليس هناك من يصدق قصة نتنياهو من أن الفلسطينيين هم سبب انهيار عملية المفاوضات.

ويتفق المعلقون فى العالم كله على أن السيناريو القادم هو الآتى: سيذهب الفلسطينيون للجمعية العامة للأمم المتحدة مطالبين بالاعتراف بدولتهم وستؤيدهم دول الجامعة العربية كل التأييد، ولديهم حالياً ضمان كامل على أن أغلبية الثلثين من دول الجمعية العامة ستقف معهم، وسيسبب تصلب نتنياهو فى تسهيل موافقة دول أوروبا الكبرى مثل فرنسا وبريطانيا على الوقوف بجانب الطلب الفلسطينى وتأييدهم.

وبذلك فإن أجندة الأيام القادمة قد تم وضعها فعلاً: إسرائيل مقبلة على طريق الصدام مع باقى دول العالم، ولن تكون الصورة جميلة وسيستخدم الفلسطينيون شرعيتهم التى سيكتسبونها من الأمم المتحدة فى اللجوء إلى المحاكم الدولية لمساعدتهم ضد الاحتلال الإسرائيلى، وسيؤيدهم الرأى العام العالمى، وسندفع نحن الإسرائيليين الثمن الباهظ قانونياً ومادياً وستزداد شرعيتنا تراجعاً. فقد أخبرنى الدبلوماسيون الأجانب من أصدقاء إسرائيل الذين تحادثت معهم مع وعد منى بالاحتفاظ بسرية أسمائهم أنهم مندهشون تماماً من موقفنا: هل تريد إسرائيل أن تسير فى الطريق نفسه الذى سار فيه النظام العنصرى فى جنوب أفريقيا قبل أن تفيق لنفسها؟ كنت أتمنى أن أكون متفائلاً وأقول لهم إن الطبقة السياسية فى إسرائيل ستصحو من غفوتها، ولكننى أخشى أنها لن تفعل ذلك وأننا وبرغم جهود معسكر السلام الإسرائيلى سنضطر للعيشة مع حل للنزاع العربى ـ الإسرائيلى مفروض علينا من الخارج.

هناك طريقة واحدة فقط لجعل الصدام المنتظر مع العالم أقل كارثية على إسرائيل فيستطيع أوباما أن يعتبر اتجاهه، وبدلاً من أن يعارض قيام دولة فلسطينية فى الأمم المتحدة يمكنه أن يؤيد قيامها، ويجب على إسرائيل كذلك تأييد قيامها إن كانت تريد التصرف بحكم وعلى أساس شرطين: على الفلسطينيين التنازل عن أى مطالب خارج حدود سنة 1967 وعن

حق عودة اللاجئين.

وعلى الجامعة العربية أن تعلن أنها ستعترف بشرعية وجود دولة إسرائيل وستطبع العلاقات معها، ربما يوافق الفلسطينيون على هذين الشرطين، وتوافق عليهما الجامعة العربية، حيث إنهما متفقان مع مبادرة السلام العربية، وإذا فعل أوباما ذلك فإنه يكون قد أدى لإسرائيل أكبر خدمة ممكنة، فالإسرائيليون يعيشون تحت رعب أن حل إقامة دولتين هو الخطوة الأولى نحو إلغاء إسرائيل كوطن للشعب اليهودى، وهو رعب يمكن تفهمه، ولذلك فإن قراراً من الأمم المتحدة يجمع بين الاعتراف بدولة فلسطينية والاعتراف الصريح بحق إسرائيل فى البقاء دون مطالب إضافية من جيرانها سيهدئ هذا الرعب.

إننى لا أستطيع قراءة أفكار أوباما الخاصة ولكنى أفترض أن فى قرارة نفسه يفضل تأييد مثل هذا القرار من الأمم المتحدة بدلاً من قرار تصدره الجمعية العامة للأمم المتحدة بالاعتراف بدولة فلسطينية توافق عليه كل دول العالم باستثناء أمريكا وإسرائيل، إن أوباما يعلم أن رفض أمريكا للمطلب الفلسطينى بإنشاء دولة فلسطينية لن يخدم وضع أمريكا فى العالم، ويعلم كذلك أن هذا الرفض الأمريكى لن يمنع الصدام بين إسرائيل وباقى دول العالم.

الواضح أن أوباما غير مستعد لدفع الثمن السياسى فى خلاف علنى مع نتنياهو وحكومته، ومن الصعب أن نلوم أوباما على ذلك فهو يستعد لمعركة إعادة انتخابه رئيساً العام المقبل، وصداقة مع منظمة إيباك الصهيونية وغيرها ومع اليمين المسيحى سيضر موقفه، فليس لديه شريك إسرائيلى يعمل معه، ويبدو أنه قد أسقط النزاع فى الشرق الأوسط من حسابه حالياً.

ستقوم الأمم المتحدة بإنشاء دولة فلسطينية نيابة عنه، وفى هذه الحالة يستطيع أوباما دخول حلبة النزاع عن طريق تطبيق قرار الأمم المتحدة وهو فى وضع أفضل وبالنسبة لنا نحن الإسرائيليين الذين يريدون وطناً ديمقراطياً لليهود يعنى ذلك أن علينا أن نصبر، علينا أن ندرك أنه قبل أن يصحو وطننا من غفوته فإن إسرائيل قد تتحرك أكثر نحو اليمين كرد فعل لاعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطينية، وفى هذه الحالة أمامنا واجب مهم، فعلينا تقوية قواعد المجتمع المدنى الإسرائيلى ونظامه القانونى، وتقوية الاتحادات المهنية والثقافة والفن، سيأتى اليوم الذى تعود فيه إسرائيل لرشدها، وعلينا الاستعداد للقاء إسرائيل التى ستخرج للوجود بعد الكارثة.

وإلى هنا ينتهى مقال سترنجر الذى يعرى فيه القلق والرعب الذى يدور داخل العقل الإسرائيلى حالياً، وكنا نرجو أن نشاركه تفاؤله بخروج إسرائيل جديدة وبعد الكارثة ولكننا نكاد نقطع بأن التطرف اليمينى الإسرائيلى سيظل ينهش فى أركان الكيان الصهيونى إلى يوم يصحو الإسرائيليون فيجدون أنفسهم أقلية يهودية قد ذابت فى البحر العربى المحيط بها فيقبلون صاغرين مصير الأقلية العنصرية البيضاء فى جنوب أفريقيا ويتحولون إلى أقلية متميزة اقتصادياً وعلمياً وسط بحر عربى أو يهاجر من لا يستطيع منهم احتمال فكرة البقاء كأقلية وسط العرب، هذا هو الدرس الذى علمنا التاريخ والذى سيبتلعه الإسرائيليون كالدواء المر.

*نائب رئيس حزب الوفد