رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أمريكا الدولة الإرهابية الرائدة

احمد عز العرب

الخميس, 06 نوفمبر 2014 23:49
بقلم: أحمد عزالعرب

هذا العنوان ليس افتراء أو اختيارا من جانبنا ولكن عنوان المقال المطول الذي نشره المفكر الأمريكي المعروف «ناعوم تشومسكي» الأستاذ بمعهد MIT للدراسات اللغوية في 21 أكتوبر علي موقع «انفرميشن كليرنج هاوس» الأمريكي. يقول «تشومسكي»: لو تصورنا أن المقال الرئيسي بجريدة  «برافد» الروسية كان دراسة أجرتها المخابرات الروسية عن عمليات الإرهاب الكبري التي قامت بها موسكو حول العالم في محاولة لتحديد العوامل التي أدت للنجاح أو الفشل، وانتهت الي أن حالات النجاح كانت مع الأسف نادرة مما يتعين معه إعادة التفكير في السياسات، ولو تصورنا أن مقال «برافد» استطرد ناشرا أن الرئيس بوتين صرح بأنه هو الذي أمر المخابرات الروسية بالتحقيق في الأمر لمعرفة الحالات التي قامت فيها بتمويل وتسليح تمرد في دولة أجنبية وأن العملية سارت بنجاح ولكن المخابرات لم تجد حالات نجاح تذكر ولذلك فهو يتردد في الاستمرار في هذه العمليات.

طبعا لا يمكن تصور نشر «برافد» لمثل هذا المقال، وإلا كانت صيحات الغضب تشق عنان السماء وكانت روسيا سيكون موضع غضب العالم الشديد، ليس فقط بسبب الاعتراف العلني بعملها الإرهابي، ولكن بسبب ردود الأفعال وسط القيادة والنخبة السياسية التي لا يعنيها أن تقوم دولتها بالإرهاب مادام ناجحا ويمكن تحسين أدائه.
طبعا يستحيل تصور نشر مثل هذا المقال ولكن الواقع أنه نشر ولكن في أمريكا ففي 14 أكتوبر كانت الدراسة الرئيسية لجريدة «نيويورك تايمز» للمخابرات الأمريكية التي استعرضت العمليات الإرهابية الكبري التي أمر بها البيت الأبيض حول العالم بهدف تحديد عوامل نجاحها أو فشلها، والتي كانت نتيجتها مع الأسف أن حالات النجاح كانت نادرة مما يدعو لإعادة دراسة السياسات. واستطرد المقال قائلا: إن أوباما صرح بأنه طلب من المخابرات الأمريكية دراسة الموضوع وتحديد الحالات التي قامت فيها أمريكا بتمويل وتسليح تمرد في دولة أجنبية وسارت العملية بنجاح وأن المخابرات الأمريكية لم تجد الكثير من هذه الحالات ولذلك فإن أوباما يشعر بعدم الرغبة في استمرار هذا المجهود. لم تصدر أي صيحات استنكار أو غضب أو أي رد فعل في أمريكا.
والمعني واضح تماما ففي الثقافة السياسية الغربية يعتبر طبيعيا تماما بل ومناسبا أن زعيم العالم الحر يجب أن يجد دولة إرهابية مارقة يجب عليها إعلان دورها في هذه الجرائم وطبيعي جدا ومناسب أن الفائز بجائزة نوبل والمحامي الدستوري الجالس علي عرش أمريكا حاليا يجب أن يهتم فقط بإتمام هذه الجرائم بكفاءة والنظرة الفاحصة تعزز هذه النتيجة بشدة.
فالمقال يستعرض عمليات أمريكا من أنجولا الي نيكاراجوا الي كوبا وسنضيف له قليلا مما حذفه ففي أنجولا اشتركت أمريكا مع جنوب أفريقيا العنصرية البيضاء في دعم جيش يوناس سافمبي الإرهابي، واستمرت في دعمها حتي بعد أن هزم «سافمبي» هزيمة ساحقة في انتخابات حرة تماما وحتي بعد أن سحبت جنوب أفريقيا دعمها عنه وسمته الوحش الذي سبب جشعه للسلطة في شقاء بشع

لشعبه، وقد صرح ماراك جولدنج سفير بريطانيا في أنجولا وأيده في ذلك مدير مكتب المخابرات الأمريكية في كينشاسا أن دعم «سافيمبي» لم يكن فكرة صائبة بسبب المدي الذي وصلت اليه جرائم فقد كان وحشا بشعا.
ورغم العمليات الإرهابية البشعة التي ساندتها أمريكا في أنجولا فإن القوات الكوبية طردت جنود جنوب أفريقيا المعتدين من أنجولا واضطرتهم للانسحاب من ناميبيا التي كانوا يحتلونها دون شرعية، وفتحت الطريق أمام الأنجوليين لإجراء انتخابات حرة بإقرار ثمانمائة مراقب دولي خسرها «سافيمبي» ومع ذلك رفض نتيجة الانتخابات واستمر في هجماته الإرهابية بمعونة أمريكا.
إن ما حققته كوبا في تحرير أفريقيا وإسقاط الحكم العنصري كان موضع تقدير شديد من نيلسون مانديلا عند خروجه من السجن، وكان من أوائل ما فعله هو التصريح التالي: «خلال معظم سنوات سجني كانت كوبا وفيدل كاسترو مصدر إلهام لي وكان كاسترو جبلا من القوة» وقد دمرت نجاحات كاسترو أسطورة أن المعتدي الأبيض لا يمكن هزيمته، وألهت شعب جنوب أفريقيا في حربه ضد النظام العنصري وكانت نقطة تحول في حياة شعبي وتحرره من النظام العنصري ولا توجد أمم كثيرة فعلت ما فعله كاسترو وكوبا بتجرد كامل في علاقتها بأفريقيا.
وبعكس ذلك كان القائد الإرهابي هنري كيسنجر ثائرا علي كاسترو بسبب عدم انصياعه لأوامر أمريكا وطالب بتدميره كما كشفت الوثائق التي تم السماح بنشرها، أما بالنسبة لنيكاراجوا فيكفي ذكر أن حرب «ريجان» الإرهابية ضدها استمرت حتي بعد أن حكمت محكمة العدل الدولية بدعوة أمريكا لعدم استخدام القوة غير الشرعية أي الإرهاب الدولي وأمرتها بدفع تعويضات ضخمة لنيكاراجوا، ورغم قرار لمجلس الأمن يدعو كل الدول أي أمريكا لمراعاة القانون الدولي وطبعا استخدمت أمريكا حق الڤيتو لإيقاف قرار مجلس الأمن، وقد استمرت حرب «ريجان» الإرهابية ضد نيكاراجوا خلال رئاسة بوش الأب، ولم تسبب نفس الدمار الذي سببه بوش للسلفادور وجواتيمالا كان حظ نيكاراجوا الجيد أنه كان لديها جيش يستطيع مواجهة إرهابيي بوش بينما كان سوء حظ جارتها أن الإرهابيين الذين هاجموها كانوا قوات الأمن التي سلحتها ودربتها واشنطن، وخلال بضعة أسابيع ستحل ذكري المذبحة الأمريكية الكبري التي قتل فيها ستة من قادة الفكر في أمريكا اللاتينية علي يد كتيبة «أتلاتاك» التي سلحتها ودربتها واشنطن. وفي كوبا كان إرهاب أمريكا عنيفا عقابا لكوبا علي إفشال هجوم المرتزقة علي خليج الخنازير في أوائل أيام رئاسة چون كيندي. كانت عملية «منجوس» الأمريكية تعني برنامج هجمات مرتزقة وحصار اقتصادي وعمليات تخريب لإسقاط حكم
كاسترو وكان مؤرخ رئاسة كندي وهو آرثر شلنرنجر مسئولا عن حرب الإرهاب ضد كوبا، وكان روبرت كيندي شقيق الرئيس يعتبر إسقاط كاسترو أولي واجبات المخابرات الأمريكية وأى شيء آخر يعتبر ثانويا.
ولم تكن حرب الإرهاب التي شنها الأخوان چون وروبرت كندي عملية صغيرة فقد شملت أربعمائة جندي أمريكي وألفين مرتزق كوبي وأسطولا خاصا من الزوارق السريعة وميزانية سنوية خمسين مليون دولار، وكان يديرها مكتب المخابرات الأمريكية في ميامي بالمخالفة للقانون الأمريكي نفسه، وتضمنت العملية الإرهابية نسف فنادق ومنشآت صناعية وتسميم المحاصيل الزراعية في كوبا والمواشي، وكان قائد عملية «منجوس» هذه هو الجنرال الأمريكي إدوارد لانسديل الذي كانت له خبرة كبيرة في العمل الإرهابي من عمله في الفلبين وفيتنام، وكانت أجندته هي إشعال ثورة لإسقاط الشيوعية في كوبا في أكتوبر سنة 1962، يعقبها تدخل القوات الأمريكية بعد أن تؤدي العمليات الإرهابية دورها التمهيدي.
وأكتوبر سنة 1962 لحظة مهمة جدا في تاريخ العالم، ففيه أرسل خرشوف الصواريخ الروسية لكوبا ما كاد يشعل الحرب العالمية الثالثة بين روسيا وأمريكا، وبعد ذلك بسنوات اعترف مكنمارا وزير دفاع كيندي أن روسيا وكوبا كانتا علي حق في خشيتهما من عدوان أمريكي علي كوبا.
ويعترف المحلل السياسي المرموق رايموند جارتهوف الذي كانت له خبرة مباشرة مع المخابرات الأمريكية أنه خلال أزمة أكتوبر سنة 1962 كانت هناك مجموعة إرهابية تديرها أمريكا من فلوريدا ومزودة بقوارب سريعة هاجمت فندقا ساحليا خارج العاصمة هاڤانا وقتلت عشرات الروس والكوبيين. ثم هاجمت بواخر شحن بريطانية وكوبية وفي 8 نوفمبر سنة 1962 قامت مجموعة إرهابية من أمريكا بنسف منشأة صناعية كوبية وقتلت أربعمائة شخص، واستمرت محاولات اغتيال كاسترو وتصاعد الإرهاب الأمريكي ضد كوبا في السنوال التالية، وكان أول تحقيق بريطاني جدي في محاولات اغتيال كاسترو ينشر سنة 2010 بمعرفة الباحث الكندي كيث بولندر، وكان كتابه تاريخا شفهيا للإرهاب ضد كوبا دراسة قيمة جدا وأغفلها الإعلام الغربي.
إن الأمثلة الثلاثة التي نشرتها جريدة «نيويورك تايمز» هي مجرد قمة جبل الجليد ولكنها كافية لإثبات إصرار أمريكا علي القتل والتدمير وعدم اكتراث النخبة السياسية بهذه الجرائم التي تري أحقية أمريكا في ارتكابها وهي محصنة من المسئولية القانونية، والمدهش أن استطلاع رأي نشره الاتحاد الدولي لجالوب أفاد تأكيد أغلبية المدلين بآرائهم أن أمريكا هي أكبر تهديد لسلام العالم اليوم وتليها بعد مسافة كبيرة باكستان، ومن حسن حظ الأمريكيين أنهم لم يطلعوا علي هذه المعلومات الاحصائية التافهة!!
وإلي هنا ينتهي هذا المقال المطول والموثق في كل فقراته، كتبه أحد أشهر قادة الرأي في أمريكا وأكثرهم علما، أستاذ جامعي أمريكي مرموق يهودي الديانة، ومع ذلك لم تمنعه ديانته أو جنسيته عن ذكر الحقائق المخزية عن أمريكا وعميلتها إسرائيل علي مدي تاريخ نشاطه السياسي والفكري ولا نملك إلا أن ننحني احتراما وإكبارا للصوت الحر الذي يرتفع وسط غابة الشر والعدوان الأمريكية دون أن يخشي نتائج جرأته وإهانته، والمراقب للدور الإجرامي الذي تقوم به أمريكا وتوابعها حاليا ضد دول الشرق الأوسط يجد كلمات «تشومسكي» واتهاماته تطبقها ذئاب الشر الأمريكية قسوة ووحشية، ولكننا في النهاية لا نفقد الأول في عدالة السماء فيبدو أن أيام الشيطان الأمريكي قد قاربت علي نهاية شرورها وأن مركز الثقل والقوة العالميين يتحول ببطء من الغرب الي الشرق ولأول مرة في التاريخ الحديث تتفوق الصين علي أمريكا وتصبح أكبر اقتصاد في العالم فطبقا لمؤشرات الاقتصاد العالمية سيبلغ الناتج القومي الصيني الإجمالي 17.6 تريليون دولار يليه الناتج القومي الأمريكي الإجمالي بواقع 17.2 تريليون دولار وهو ما سنغطيه في المقال القادم وأثره علي العالم.


نائب رئيس حزب الوفد

ا