رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تشريح جثة سياسة أوباما

احمد عز العرب

الخميس, 07 أغسطس 2014 21:37
بقلم: أحمد عزالعرب

تحت هذا العنوان المثير، نشر قسم الشئون الخارجية بجريدة جيروزالم بوست الإسرائيلية في 28 يونية هجوما عنيفا علي سياسة أوباما في الشرق الأوسط والتي اعتبرتها المجلة جثة هامدة يقوم المقال بتشريحها لمعرفة سبب الوفاة.

يقول المقال إنه بعد خمس سنوات من حديث أوباما في جامعة القاهرة 2009 والآمال العالية التي رفعها تمخضت سياسته عن جهل واستعلاء وسذاجة.. يبدو كما لو كان قد مر دهر منذ حديثه في القاهرة الذي قال فيه أوباما إنه حضر إلي مصر بحثا عن بداية جديدة بين أمريكا والمسلمين حول العالم. فبعد نصف حقبة من حديثه تحطمت الآمال التي رفعها وتناثرت علي الأرض. فقد تعرضت مصالح أمريكا في المنطقة لأخطار لم تتعرض لها منذ نصف قرن. فالاحتقار لأمريكا هو الشعور السائد بين من حضر أوباما لإرضائهم.. بينما لا يثق حلفاء أمريكا في أوباما. وزيادة علي ذلك فأغلبية ساحقة من الأمريكيين وضمهم أعضاء الحزب الديمقراطي قد فقدوا الثقة في سياسة أوباما الخارجية طبقا للاستفتاء الذي نشرته نيويورك تايمز هذا الأسبوع. فأوباما يطلب من الكونجرس اعتماد خمسمائة مليون دولار لتدريب «ثوار سوريا المعتدلين» علي قتال داعش.
وإذا عدنا لسنة 2009 فقد تضمن حديث أوباما في القاهرة أكثر من خمسة آلاف كلمة في عموميات وتصريحات دعائية لا شك أنه يأسف علي الكثير منها حاليا. فقد اقتبس من القرآن ذاكرا فضائل الصدقة. واعتذر لإيران عن مساعدة أمريكا للانقلاب سنة 1953. وأقسم أن يغلق سجن جوانتانامو. وأكد للمسلمين أن أمريكا ليست إمبراطورية تبحث عن مصالحها. وصاح قائلا أن الإسلام جزء من أمريكا. وهاجم الحكومات التي تفرض علي المرأة المسلمة زيا معينا. وحيا الديمقراطية بينما صرح بأنه لا يحق لحكومة ان تفرض نظام حكم علي حكومة أخري. وقال ان المحرقة كانت سبب قيام دولة إسرائيل. وقارن المقاومة الفلسطينية بمقاومة العبيد في أمريكا. ووسط عاصفة من تصفيق مستمعيه أعلن أن الاستيطان الإسرائيلي في الأرض المحتلة يجب أن يقف فوراً.
وقد هوجم حديث أوباما وقتها خاصة من الخبير السياسي الأمريكي فؤاد عجمي اللبناني المولد. قال عجمي إنه كان في السعودية خلال حديث أوباما، إنه كان هناك شعور عام بعدم الارتياح لتغطية الحديث لمسائل أيديولوجية وثقافية معقدة بهذه البساطة والسرعة. وأشار إلي تصريح سابق لأوباما قال فيه إنه يريد أن تعود علاقات أمريكا بالمسلمين لما كانت عليه منذ 20 إلي 30 عاما.. ولاحظ عجمي أن العلاقة المثلي في نظر أوباما كانت في فترة وقعت فيها ثورة الخوميني. وكان التوتر علي أشده بين أمريكا وليبيا. وسقطت بيروت في يد أعداء أمريكا. وأسقطت طائرة بان أمريكان فوق لوكيربي.
ومع ذلك كان الضرر من حديث أوباما وقتها مقصوراً علي سمعته وصورته. إذ لم يتضمن حديثه خطة عمل. ولم يتسق مقدما مع حلفائه. ولم يستشر أي خبير عن النتائج المحتملة لهذا التصعيد الدعائي في مجتمعات غير معتادة علي أسلوب الخطابة الأمريكي.
والآن وقد جعلت الأحداث من تعهد أوباما بمساعدة

بغداد علي بناء جيش قوي يضمن وحدة العراق أضحوكة كبري. فهناك توافق في الغرب علي أن مصالح أمريكا الاستراتيجية قد تعرضت لضرر بليغ. وأن الدبلوماسية الأمريكية كانت ضحية للجهل والاستعلاء والسذاجة. وأن يتعين تغيير هذه السياسة كليا. إن لم يكن لصالح أمريكا فعلي الأقل لصالح الدبلوماسية العالمية.
إن فشل سياسة أوباما وصل قمته حاليا في العراق. ولكن خسارة الاستراتيجية بدأت في مصر. وكانت رحلة جون كيري الأخيرة لمصر رحلة إلي التسليم بالأمر الواقع.
فبعد أن ساندت أمريكا الإسلاميين في مصر. وكان رد فعلها لطردهم من السلطة هو تجميد المعونة الأمريكية للحكومة المؤقتة للجنرال عبدالفتاح السيسي. وصل مبعوث أوباما هذا الأسبوع لمصر في رحاب السيسي وأعاد المعونة الأمريكية لمصر في خنوع.
كان الأمر اعترافا متأخرا بأن الصخب الدعائي في حديث جامعة القاهرة لا علاقة له بالواقعية التي تجسدت في ارتفاع السيسي إلي رئاسة مصر. وكما حدث كثيرا نتيجة سياسته في الشرق الأوسط فقد انتهي أوباما إلي شراء البضاعة السيئة ودفع أكثر من ضعف ثمنها.
كانت خطيئة أوباما الأساسية في مصر هي إعلان أفكاره في ميكروفون في صالون قصر حسني مبارك عندئذ. هناك فقط احتمالان لهذا التصرف وتفسيره. ربما كان أوباما يدرك أو لا يدرك أنه كان يساعد علي إسقاط أحد أكثر حلفاء أمريكا ولاء لها. فإذا كان لا يدرك هذه الحقيقة الأولية في ديناميكيات الشرق الأوسط فلم يكن يجوز له أن يبحث مشاكل منطقتنا المضطربة. وإذا كان يدرك المخاطر فكان عليه أن يدرك أن أفكاره كانت ستعتبر خيانة في نظر شعوب المنطقة. وكما حدث فإن معاملة أوباما لمبارك كانت نتيجتها اتجاه مصر لروسيا التي رحبت بالموافقة علي أن تبيع للسيسي طائرات حربية متقدمة وصواريخ. كان ذلك انفتاحا استراتيجيا تحلم به روسيا. وإذا اعتبرنا تفوق السلاح الأمريكي الذي كانت مصر تشتريه منذ معاهدتها مع إسرائيل فإن أوباما يكون قد فشل في دفع مصر نحو الديمقراطية وفقد ثقتها فيه ومهد طريق عودتها لموسكو. وهذا الفشل في فهم أبسط قوانين لعبة القوة تكرر في سوريا ولكن بطريقة مختلفة. فلم يكن الأمر ولاء وحلفا بل إجبار. فقد كان يمكن لأمريكا إعلان حيادها حيال سوريا أو تلزم الصمت بينما كان بشار يضرب مواطنين بالغازات السامة. ولكن أن تعلن أمريكا أنها ستستخدم القوة ثم تنكص علي عقبيها فإن ذلك يدل علي أن أمريكا ليس فقط لعبت اللعبة بخيبة شديدة ولكن أمريكا لا تعرف قواعد اللعبة أصلا.
وهذا السلوك يدفع أشرار العالم أن يتصرفوا كما يريدون. وهو ما حدث فعلا. وكانت أول
من تحدي أوباما كوريا الشمالية. عندما خالفت اتفاقات مع أمريكا وأجرت تجارب نووية قبل حديث أوباما في القاهرة بأسبوع. وكان فشل أوباما في الرد علي هذا التحدي السافر حافزا للطغاة حول العالم. من الرئيس شافيز في فنزويلا الذي ساعد إيران علي مقاومة العقوبات ضدها. إلي الرئيس الروسي بوتين الذي فعل بالمثل فيما بعد بمهاجمة أوكرانيا.
إن التضارب الدبلوماسي الذي أبداه أوباما في سوريا تضاعف أثره بتضارب أيديولوجي جنوبا. فإذا كانت أمريكا تطلب تطبيق الديمقراطية في مصر فلماذا لا تطلب نفس الشيء في الرياض والكويت والدوحة. وإذا كانت الانتفاضات الشعبية تحظي بتأييد أمريكا فلماذا لا تؤيد الشيعة التي تكون أغلبية شعب البحرين ضد حكومتها التابعة للسعودية؟ نعم إن الشرق الأوسط مكان معقد جدا. ولم يطلب أحد من أوباما أن يعيد اختراعه. ولكن تطوع بتقديم نفسه كالرجل الذي سيعيد اختراع المنطقة. واليوم تشيع جنازة هذا التقديم في العراق. فسحق الجيش العراقي الذي بنته أمريكا علي يد قوات داعش كان يمكن تجنبه إذا كانت أمريكا قد فكرت في التاريخ وتصرفت بطريقة بناءة.
إن اتجاه سياسة أوباما في العراق كان علي أساس أن الحدود الدولية مقدسة وأن جيش العراق يمكن الاعتماد عليه وأن ديمقراطيته سليمة. ومع هذا فأي دارس لتاريخ الشرق الأوسط كان يدرك أن العراق مثل سوريا ولبنان هو دولة صنعها الاستعمار الأوروبي. وفرضها علي أقليات وديانات متصارعة. والأمريكيون الذين يفرضون جنسيتهم علي رعاياهم ذوي الديانات والأعراق المختلفة لا يفهمون لماذا لا يكون العراقيون مثلهم.
ومع ذلك فهذه هي الحقيقة في هذا الجزء من العالم. وهذه العقلية في الواقع تعيد تشكيل سوريا ولبنان وليبيا حاليا. وكان يمكن لأوباما لكي ينأي بنفسه عن التاريخ الاستعماري الذي شجبه في حديثه في القاهرة أن يتخذ العراق بتقسيماته العرقية والدينية مثلا يسانده في بناء دولة مستقبلة حول طوائفه الثلاث الكبري. وبدلا من ذلك فقد رسخ أوباما التاريخ الاستعماري الذي لا يمكن استمرار نتائجه. فالقراءة السليمة للعملية الأمريكية لتطبيق الديمقراطية في العراق تؤدي حتما لنتيجة أن تفكيك العراق هو رغبة الشعب العراقي فقد صوتوا في الانتخابات علي أساس عرقي وطائفي. وكان ذلك سبب تفكك الجيش العراقي. فإعطاء الجنود السنة ملابس وأسلحة جديدة لم يجعلهم أكثر قربا ممن سلحوهم وكسوهم كبديل لولاء العقيدة والعرق.
إن فرصة إصلاح سياسة أمريكا في المنطقة موجودة. ولكن عليها أن تحدد أولا أولوياتها. فالشرق الأوسط كان عبر القرون شيئا مختلفا للقوي المختلفة. كان بالنسبة للاسكندر الأكبر جسرا بين الحضارات. وكان بالنسبة للعثمانيين مركز الثقل. والبريطانيين طريق الهند. وللرئيس الأمريكي روزفلت كان حقل بترول. وخلال الحرب الباردة كان ميدان صراع.
ولكن أمريكا لها عدو واحد في العالم وهو ليس الطغاة بل الإسلام المتطرف. فحكام مثل بوتين أو السيسي أو ملك السعودية قد يكونون سيئين بالنسبة لشعوبهم. ولكنهم لا يتربصون بأمريكا. ولذلك فعلي أمريكا العمل في الشرق الأوسط مع حكام أقوياء وعمليين. وتواجه بحسم المتطرفين الإسلاميين سواء كانوا سنة في الموصل أو شيعة في بيروت وطهران. وقبول أمريكا للسيسي دليل علي أنها بدأت تفهم المنطقة. والخطوة المنطقية التالية هي قبول تفكيك العراق وسوريا علي أساس عرقي وخلق دولة كردية. وقبول دولة شيعية في جنوب العراق. ومساعدة تركيا والأردن علي إنشاء دولة سنية بين العراق وسوريا.
وإلي هنا ينتهي هذا التشريح المتميز لسياسة أوباما. فإذا راعينا ان الكاتب إسرائيلي وأن عملية توزيع الأدوار هدفها النهائي خلط الأوراق والترويج لمشروع الشرق الأوسط الجديد بتفتيت دولة لحساب سيادة الدولة اليهودية في النهاية. أدركنا علي الفور أين العدو الحقيقي الذي يستخدم مع الأسف عملاءه من وسط العرب وأدعياء الإسلام. فهل يفيق العرب أخيراً قبل أن يسبق السيف العذل؟

نائب رئيس حزب الوفد