رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوروبا لم تعد مهمة لأمريكا

احمد عز العرب

الخميس, 07 يوليو 2011 18:40
بقلم - احمد عز العرب

يتحول مركز الثقل العالمى ببطء ولكن باستمرارية واضحة من الغرب إلى الشرق ويتزعزع مركز القوة العظمى الوحيدة تدريجياً مما يصيب النخبة المسيطرة فى أمريكا بالهلع وهى ترى الصين تحل تدريجياً محلها فى السيادة العالمية، وقد نشر الكاتب الأمريكى الأشهر ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكى، فى جريدة «واشنطن بوست» فى 20 يونيو تحليلاً عميقاً يعكس هذا الهلع الأمريكى من فقدان أمريكا للسيادة العالمية وتراجع دور أوروبا وأهميتها بالنسبة لأمريكا نتيجة الصعود الصينى.

يقول «هاس» إنه عندما يخصص وزير الدفاع الأمريكى جيتس حديثه الأخير هذا الشهر من التقليل من أهمية حلف الناتو وحلفائنا الأوروبيين فإنه يكون بذلك سائراً على طريق تقليد قديم، فقد قلق الأمريكيون بسبب تقلص دور أوروبا فى القيام بالتزاماتها الدولية لأقصى حد منذ إنشاء الحلف قبل ستين عاماً، كانت نبرة جيتس متشائمة عن احتمال مستقبل مظلم لحلف الأطلنطى، ومع ذلك فربما يكون الوزير الذى سيترك منصبه أقل تشاؤماً مما يجب، فالشراكة الأمريكية الأوروبية التى كانت حاسمة فى كسب الحرب الباردة ستلعب دوراً متضائلاً فى السنوات المقبلة، ولو لم يكن حلف الناتو موجوداً اليوم هل كان هناك من يفكر فى إنشائه حالياً؟ الجواب الصادق هو النفى.

وفى الحقبات القادمة سيقل نفوذ أوروبا تماماً بشأن الأحداث الواقعة خارج حدودها، وستتحدد معالم القرن الحادى والعشرين فى مناطق أخرى غير أوروبا، وأحد الأسباب الرئيسية فى تراجع قيمة حلف الناتو هو قطعاً تصرفات أعضائه الأوروبيين، فالمشكلة ليست عدد القوات المسلحة فى أوروبا التى تبلغ مليونى جندى، وليس ما ينفق الأوروبيون على الدفاع ويبلغ ثلاثمائة مليار دولار سنوياً، ولكن المشكلة هى فى كيفية تنظيم الجيوش الأوروبية وفى أوجه صرف ميزانيات الدفاع، فالقرارات الحاسمة فى الحلف تتخذ على أساس وطنى وليس جماعياً ويبقى الكلام عن سياسة دفاع مشترك مجرد كلام، فهناك قليل جداً من التنسيق بين الأعضاء، ويفتقد الحلف كثيراً من الموارد اللوجستية والمخابراتية اللازمة للتدخل العسكرى فى ميادين القتال البعيدة، فمثلاً جهود الحلف فى ليبيا وتدخله الفاشل، ورفض دوله المساهمة فى العمليات الهجومية الحقيقية، والصعوبة الواضحة فى استمرارية العمليات المركزة، كل ذلك يذكرنا يومياً بما لا يستطيع أقوى حلف عسكرى فى العالم تحقيقه.

فبعد نهاية الحرب الباردة وزوال الخطر السوفيتى هناك رغبة سياسية ضعيفة بين دول الحلف فى تقديم موارد كافية للعسكريين، ويستثنى من ذلك بريطانيا وفرنسا التى تنفق كلتاهما أكثر من 2٪ من الدخل

القومى على الدفاع وحتى عندما توجد رغبة لدى الأعضاء فى التدخل العسكرى، كما هو الحال فى حرب أفغانستان التى يشترك فيها 35000 جندى أوروبى، تجد هناك كثيراً من القيود، فبعض الحكومات مثل ألمانيا حددت مساهمتها فى العمليات القتالية، ويرفض كثير من دول أوروبا تحمل خسائر بشرية بين قواتها.

ومن الخطأ أن توجه اللوم فى ذلك إلى الأوروبيين وحدهم، فهناك قوى دولية أكبر تساهم فى تهميش دور أوروبا فى الشئون العالمية، ومن سخرية القدر أن النجاحات الأوروبية سبب مهم فى تضاؤل الروابط بين ضفتى الأطلنطى مستقبلاً، فالأزمة المالية الحالية فى دول عملة اليورو يجب ألا تخفى الإنجاز الضخم الذى تحقق فى قيام أوروبا موحدة على مدى نصف القرن الماضى، فالقارة الأوروبية بصفة عامة موحدة وحرة ومستقرة، ولكن أوروبا التى كانت مسرح التنافس الاستراتيجى خلال معظم القرن العشرين ستفقد هذا الدور خلال القرن الحادى والعشرين، وهذا أمر طيب.

والفرق واضح ودراماتيكى بين أوروبا وآسيا، فأهمية آسيا كمركز الثقل الدولى الاقتصادى تزداد بوضوح، والسؤال التاريخى هو ما إذا كان هذا التحول سيمكن أن يتم سلمياً، فدول أوروبا الرئيسية ألمانيا وفرنسا وبريطانيا قبلت هذا المصير وبدأت تتخذ خطوات تنظيمية إقليمية كبرى للتأقلم معه، أما فى آسيا فالصين واليابان والهند وفيتنام والكوريتان وإندونيسيا وغيرها ينظر بعضها لبعض بتوجس، والتحالفات الإقليمية خاصة فى المجالين السياسى والعسكرى ضعيفة، والتنافس السياسى والاقتصادى بينهما لا يمكن تجنبه، ولذلك فلا يمكن استبعاد النزاع العسكرى بينها، ولن يلعب الأوروبيون سوى دور متواضع فى التأثير فى هذه التطورات وإذا كانت آسيا بما يجرى فيها حالياً من ديناميكية وصراع قوى تشبه إلى حد ما أوروبا منذ مائة عام، فإن الشرق الأوسط يشبه أوروبا منذ عدة قرون بأنظمته الملكية المطلقة واضطراباته الداخلية ومشاكله التى لم تحل وقومياته التى تتداخل فى عدة دول، ومع هذا فإن قدرة أوروبا على التأثير فى الشرق الأوسط ستكون محدودة جداً، وستتسبب التغييرات السياسىة والديمجرافية داخل أوروبا وأمريكا فى ضعف أهمية حلف الأطلنطى، أما فى داخل أوروبا فإن موضوع الوحدة الأوروبية مازال يستغرق اهتمام

الكثيرين، ولكن بالنسبة للآخرين خاصة أهل أوروبا الجنوبية الذين يواجهون مشاكل مالية مستعصية على الحل، واضطرابات داخلية اقتصادية فإن هذه المشاكل هى ما يستغرق اهتمامهم.

ولا شك أن التحديات الأمنية والجغرافية والسياسية والسيكولوجية التى تواجه أوروبا أقل تأثيراً فى أهلها من التحديات الاقتصادية، فالمشاكل المالية المتصاعدة وضرورة خفض العجز سيؤديان حتماً إلى تحجيم قدرة أوروبا على القيام بجهد عسكرى خارج حدودها.

بالإضافة لذلك فإن العلاقات الوثيقة عبر الأطلنطى نشأت فى وقت كانت فيه القوة السياسية والاقتصادية فى أمريكا فى يد النخبة الشمالية الشرقية المنحدرة من أصول أوروبية، والتى كانت مهتمة بالتطورات فى أوروبا، أما أمريكا اليوم، وفى ضوء صعود أهل الجنوب والغرب الذين تزداد بينهم نسبة الأمريكيين المنحدرين من أصول أفريقية وآسيوية ومن أمريكا اللاتينية، فإن اهتمامهم بأوروبا مختلف تماماً، ونتيجة لذلك ستتنافر اهتمامات الأمريكيين والأوروبيين تنافراً كبيراً.

وأخيراً فإن طبيعة العلاقات الدولية نفسها قد اعتراها تغيير كبير، فالأحلاف سواء كانت حلف الأطلنطى خلال الحرب الباردة أو حلف أمريكا مع كوريا الجنوبية تسير بسلاسة عندما تكون الصورة واضحة ويسهل تمييز العدو من الصديق وتكون أرض المعركة واضحة ويسهل التنبؤ بالاحتمالات، ولا يوجد شىء من هذا إطلاقاً فى ظروفنا التاريخية المعاصرة، فالتهديدات عديدة والعلاقات تبدو متغيرة ومعتمدة على ظروف متحركة يصعب التنبؤ بها، فالدول قد تكون صديقة أو عدوة أو كليهما، من يوم لآخر، فلننظر مثلاً إلى علاقة أمريكا بباكستان، فالتحالفات تحتاج إلى تقييم مشترك والتزامات محددة، ويصعب جداً أن يعمل التحالف عندما تكون نظرة كل طرق للعالم مختلفة، ولكن كما يوضح الصراع فى العراق وأفغانستان وليبيا فهذا هو العالم الذى نعيشه بالنسبة لأمريكا فالنتائج واضحة، فأولاً مهما كانت كمية الضغط على الحكومات الأوروبية فلن تؤدى إلى أن تفعل هذه الحكومات ما يريد البعض فى واشنطن منها أن تفعله، فقد تغيروا وكذلك تغيرنا نحن، تغير العالم، وثانياً فحلف الناتو لن يكون بالأهمية نفسها، وبدلاً منه ستحتاج أمريكا إلى الحفاظ على علاقات ثنائية أو بنائها مع الدول القليلة بأوروبا التى تريد وتستطيع القيام بدور عالمى وضمنه القوة العسكرية.

وثالثاً، فإن بعض الحلفاء قد يصبحون أكثر أهمية فى المناطق التى تمثل أكبر التحديات، وفى آسيا ينطبق ذلك على أستراليا والهند وكوريا الجنوبية واليابان وفيتنام، خصوصاً إذا تدهورت علاقات أمريكا مع الصين، وفى الشرق الأوسط ينطبق ذلك على الهند، بالإضافة إلى تركيا وإسرائيل والسعودية وآخرين.

ولكن لا تبرر أى من هذه الأسباب المناداة بإلغاء حلف الناتو، فالحلف مازال يضم أعضاء تحافظ قواتهم على الأمن فى بعض مناطق أوروبا ويستطيعون المساهمة فى استقرار الشرق الأوسط، ولكن من الصحيح أيضاً أن عهد سيطرة العلاقات الأطلنطية وأوروبا على سياسة أمريكا الخارجية قد انتهى، ولا ينبغى على أمريكا أن تلوم الأوروبيين على ذلك، بل عليها قبول الوضع والتأقلم معه.

وإلى هنا ينتهى هذا التحليل العميق لرجل يمثل السياسة الأمريكية بكل شرورها وطموحاتها أصدق تمثيل، ويعترف صراحة أو ضمناً أن الرعب الحقيقى الذى تعانيه أمريكا هو فقدان وضعها العالمى الفريد للصين فى المستقبل غير البعيد.