الطوفان الأسود

احمد عز العرب

الخميس, 17 أبريل 2014 23:03
بقلم: أحمد عزالعرب

 

إلى إخوة المصير وزملاء الكفاح في دول أفريقيا التي شرفنا في الأسبوع الماضي باستقبال وفدها برئاسة الرئيس ألفا عمر كوناري رئيس جمهورية مالي الأسبق، الذي كان حضوره تضامنا مع مصر ودفاعا عن دورها الأفريقي الذى يستدعي عودتها الفورية للقمة الأفريقية وإلغاء تعليق عضويتها الذي تم بضغط شديد من دول الاستعمار الغربي الي الأشقاء في أفريقيا، نقدم هذه القصيدة العملاقة التي نظمها شاعر أفريقيا الكبير محمد الفيتوري خلال حقبة الستينات في القرن الماضي وهي الحقبة التي شهدت تحرر معظم دول أفريقيا السوداء من الاستعمار.

الطوفان الأسود
لقد غسل النور أرضك حتي سراديبك الرطبة المظلمة
مشي الفجر فيها بأنفاسه يفضض أيامك القادمة
فهل تسمعين أغاني الزنوج تدوي مثقلة بالحياة
وهل تبصرين وجوه العبيد تقهقه حول نعوش الطغاة
لقد كنت مقبرة ضخمة يمر عليها خيول الغزاة
وكنت بقية أسطورة ملونة بصقتها الشفاة
بلاد العبيد أفريقيا يا بلاد الزنوج الحفاة العراة
تري كيف يمشون في عريهم وكيف يعيشون خلف الحياة
وأجسامهم ذلك الأبنوس العجيب المفصل مثل البشر
ونيرانهم في شعاب الجبال وأطفالهم في بطون الشجر
<<<<
متي أجد المال كي أشتري حذاء وكلبا وثوبا جديد
وأمضي الي أرض أفريقية لأصطاد قافلة من عبيد
فإني امرؤ أبيض كالثلوج ولست عظيما لأني فقير
وقد كان لي رفقة ثم عادوا ثراة عظاما فلم لا أسير
لكم أشتهي جسدا دافئا مهيبا لزنجية جامحة
فقد قيل إن لحوم الجواري لها نكهة ولها رائحة
بلاد الكنوز أفريقيا يا بلاد الزنوج الحفاة العراة
سآتيك يوما كغاز جديد يريد الغني ويريد الحياة
<<<<
كذلك عشت مئات السنين تخرين فوق خطايا وثن
الي أن تسلل ضوء الصباح إليك فمزقت عنك الكفن
وقمت كماردة تتلقي الضحى وتحول مجري الرياح
وتحفر تاريخها من جديد علي جبهة الشمس حفر الجراح
<<<<
كذلك كان يغني لها ويقرع ناقوس

في جنون
وإن لم تزل تتلوي القيود علي قدميها وتبني السجون
علي أرضها وتقام المشانق ترتجل الموت في كل حين
وقد كان يؤمن في عمق بحرية السود والكادحين
وحتي الطغاة الذين انتهوا وآلهة البشر الساقطين
فقد كان يحمل في روحه تمرد أجداده أجمعين
تمرد جد قضي ليله يصب المياه علي الموقد
ولما أبي مزقته السياط فحطم جمجمة السيد
وآخر كانت تنام الشياه وتصحو علي صوت مزماره
وفي ليلة كفرت روحه بجزارها وبجزاره
فهبّ فأشعل أحقاده فسالت جحيما بوجه الصنم
وأبصره الغد فوق الرمال تكفنه عزة المنتقم
وآخر أسود بادي العبوس طويل رفيع كصاري سفينة
وقد حدثوا أن ميلاده بإحدي ليالي الشتاء الحزينة
كما حدثوا أن أول جيش من البيض دنس أرض الوطن
ينام بحفيرة حفرتها محاريثه خلف سور الزمن
وكالموت حين يغطي الحياة بأفراحها وبأحزانها
وكالصمت حين يضم الحقول بألحانها وبألوانها
تراءت له مثل صفصافة تفيء وإليها جموع الظلال
وكانت أكف الهجير الضرير تسمر أقدامه في الرمال
فوسد أحزانه صدرها وأطبق أجفانه في سكون
كميت تداعبه موجة وتهوي به في اصطخاب حزين
وراح يري ملء أحلامه جزائر غارقة في الغمام
يظللها نغم أزرق شفيق شفيق بلون السلام
وكانت هنالك عند الشمال حقول متوجة بالغلال
وقوم من السود مستغرقون يرصون أكداسها في التلال
وأصواتهم وزغاريدهم ترفرف صاعدة من بعيد
كما يتصاعد كل صباح ضباب الحقول ببطء شديد
وحين تصف طيور الغروب علي الأفق أجنحها المتعبات
وتمضي تنقر ثوب السكون بكل مناقيرها المتعبات
تراهم يلوحون فوق الدروب أو يتوارون خلف الشجر
وهم عائدون إلي دورهم بأيد مثقلة بالزهر
وأسكره حلمه العاطفي فبعثر أشواقه أجمعين
وعانق إخوانه باكيا ومد يديه الي الآخرين
وهزته أفراحه فأفاق علي ظل صفصافة واقفة
وكانت جموع الحفاة العراة تحركها ثورة العاصفة
فراح يغني مع الثائرين وهم زاحفون الي الطاغية
ويحفر فوق جدار الزمان أغاني أفريقيا الدامية


نائب رئيس حزب الوفد