رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

السلام المستحيل علي يد أوباما

احمد عز العرب

الجمعة, 01 يوليو 2011 09:20
بقلم :أحمد عز العرب

كان الكاتب اليساري الإسرائيلي أوري أفنيري أبرع من وصف السيرك الهزلي الذي جري في الكونجرس الأمريكي أواخر مايو عندما اجتمع مجلسا الشيوخ والنواب للاستماع لرئيس وزراء إسرائيل وهو يحدثهم عن «مفهومه» عن السلام الذي وعد به أوباما الفلسطينيين في إطار دولة «مستقلة» لهم، كان المنظر المخزي لنواب شعب الدولة العظمي الوحيدة وهم يقفزون كالأراجوزات للتصفيق الحاد بعد كل جملة يلقيها عليهم نتنياهو مثيراً لسخرية العالم واستهزائه بالقوة العظمي الوحيدة، إذا كان هؤلاء الأراجوزات هم حكامها فعلي السلام السلام.

يقول أفنيري: كان الأمر مقززاً، أعضاء أعلي المجالس التشريعية في الدولة العظمي الوحيدة يقفزون قياماً وقعوداً كلعبة اليويو، يصفقون بحماس كل بضعة دقائق أو ثوان، لأكثر الأكاذيب استفزازاً التي ألقاها عليهم نتنياهو، كان المنظر أسوأ من برلمان سوريا خلال حديث لبشار الأسد حيث كان أي نائب لا يصفق له يجد نفسه سجيناً، أو مجلس السوفيت الأعلي أيام ستالين عندما كان التراخي في الاحترام له يعني موتاً محتملاً للنائب المتراخي.

كان ما يخافه الشيوخ والنواب الأمريكيون مصيراً أسوأ من الموت، فأي عضو كان يبقي جالساً أو لا يصفق بحماس كان يمكن أن تسجله الكاميرا وهذا يعني انتحاراً سياسياً أكيداً.. كان يكفي أن يقفز أي عضو مصفقاً حتي يتبعه الباقون بالإجماع دون أن يجرؤ نائب علي التخلف، كان منظر هذه المئات من البرلمانيين وهم يقفزون مصفقين مرة بعد أخري، بينما يتلقي الزعيم في عظمة تحيتهم بإشارة من يده مذكراً لنا بما كان يحدث في بعض أنظمة الحكم، والفارق هذه المرة أن الزعيم لم يكن الديكتاتور المحلي الذي يضطرهم لذلك بل زعيم أجنبي.

وكان أكثر شيء محزن في الأمر أنه لم يكن هناك نائب واحد من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي يجرؤ علي المقاومة، عندما كنت طفلاً في التاسعة من عمري في ألمانيا جرؤت علي عدم رفع يدي بالتحية النازية، بينما رفع كل زملائي في الفصل أيديهم بهذه التحية وهم يرددون نشيد هتلر.. أليس هناك شخص واحد من واشنطن يجرؤ علي مثل شجاعتي كطفل؟.. هل أصبحت واشنطن أرضاً إسرائيلية محتلة كما يردد أعداء السامية؟

منذ سنين عديدة زرت مبني مجلس الشيوخ الأمريكي وقدموني لقادة المجلس عندئذ، كانت صدمتي مروعة، لقد نشأت وأنا أحمل احتراماً عميقاً لمجلس شيوخ أمريكا بلد جفرسون ولينكولن، وإذ بي أقابل مجموعة من الحمقي الذين لا يعرف معظمهم عما يتكلم شيئاً، قيل لي عندئذ إن مساعدي أعضاء الشيوخ هم في

الواقع من يفهمون الأمور، فماذا قال نتنياهو العظيم لأعضاء الكونجرس الأكابر؟

كان حديثه موضوعاً بعناية حرفية رائعة، متضمناً كل حيل مهنة الخطابة من التوقف في المقاطع الحماسية، إلي رفع الأصبع إلي قليل من الفكاهة، فنتنياهو هو ليس خطيباً مفوهاً مثل تشرشل مثلاً، ولكن خطيب يكفي لهذا الجمع في هذه المناسبة، وكانت رسالته لهم يكن اختصارها في كلمة واحدة: لا.

بعد هزيمتهم المنكرة عام 1967 اجتمع القادة العرب في الخرطوم وأعلنوا اللاءات الثلاث الشهيرة: لا اعتراف بإسرائيل ولا تفاوض ولا صلح معها، وكان هذا بالضبط ما تريده القيادة الإسرائيلية لترسيخ احتلالها للأرض العربية وبناء المستوطنات فوقها، والآن يقلد نتنياهو الخرطوم ويعلن لاءاته: لا للعودة لحدود عام 1967، لا عاصمة فلسطنية في القدس الشرقية، لا عودة ولو رمزية للاجئين، لا انسحاب إسرائيلي من نهر الأردن، مما يعني أن الدولة الفلسطينية المستقبلية ستكون محاطة تماماً بالقوات الإسرائيلية، لا مفاوضة مع حكومة فلسطين تؤيدها حركة حماس ولو لم تشترك فيها، بالاختصار: لا.. لا.. لا.

والهدف بوضوح ألا يستطيع أي زعيم فلسطيني أن يجرؤ علي الدخول في مفاوضات مع إسرائيل حتي في الحالة غير المحتملة التي يعلن فيها استعداده للاعتراف بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي الذي يتضمن العشرات من أعضاء الكونجرس الأمريكي من اليهود الذين كانوا أول من قفزوا قياماً وقعوداً كالأرجوزات.

فنتنياهو ومؤيدوه مصممون علي منع قيام دولة فلسطينية بأي وسيلة، لم يبدأ هذا القرار مع هذه الحكومة، فهو هدف عميق للعقيدة الصهيونية وممارساتها، فمؤسسو الصهيونية هم من وضعو الخطة، وعمل بن جوريون علي تنفيذها بالتآمر مع الملك عبدالله الأردني.. ونتنياهو مجرد استمرار لهما.

وطبعاً «لا لدولة فلسطينية» تعني لا سلام الآن وإلي الأبد، وكل ما عدا ذلك طبل أجوف كما يقول الأمريكون، كل عبارات «السعادة لأطفالنا والازدهار للفلسطينيين والسلام مع كل العرب والمستقبل المشرق».. كل ذلك طبل أجوف.

لا شك أن بعض من حضروا خطاب نتنياهو قد لاحظ ذلك رغم قفز البهلوانات.. لقد بصق نتنياهو في وجه أوباما، ولا شك أن أعضاء الكونجرس الجمهوريون قد راقهم ذلك جداً، وربما بعض الأعضاء الديمقراطيين أيضاً، وطبعاً لا نظن

أن أوباما قد راقه ذلك، فماذا يا تري سيفعل الآن؟

هناك نكتة يهودية عن رجل جائع دخل المطعم وطلب طعاماً، وهدد بأنه إذا لم يحضروا له ما طلب فسيفعل ما فعله أبوه.. ولما أطعمه مدير المطعم المذعور، سأله في خوف عما فعله أبوه؟.. فرد الرجل بعد أن التهم آخر لقمة أن أباه ذهب يومها إلي فراشه ونام جائعاً!!

هناك فرصة كبيرة أن يفعل أوباما ما فعله الأب!! سيتظاهر بأن بصاق نتنياهو في وجهه هو قطرات مطر علي خده، وقد حرق وعده بمنع الأمم المتحدة من الموافقة علي الاعتراف بدولة فلسطينية من ممارسة أي ضغط علي نتنياهو، يبدو أن هناك في واشنطن من يردد فكرة أن يحضر أوباما للقدس ويلقي خطاباً في الكنيست، ويكون ذلك انتقامه من نتنياهو بأن يخاطب الشعب الإسرائيلي من فوق رأس رئيس وزراء إسرائيل، وهي فكرة مثيرة، وكعضو سابق بالكنيست سأكون مدعوماً، ولكنني لا أنصح بذلك، لقد اقترحت هذه الفكرة منذ عام، ولكنني اليوم لا أؤيدها، فالسابقة الواضحة هي خطاب أنور السادات التاريخي أمام الكنيست، ولكن ليس هناك وجه للمقارنة، فقد كانت مصر وإسرائيل عندئذ مازالتا في حالة حرب رسمياً، والذهاب لعاصمة العدو كان شيئاً غير مسبوق، خاصة أنه حدث بعد أربعة أعوام فقط من حرب ضارية، فكان عملاً هز إسرائيل من أعماقها، ومحا بضربة واحدة سلسلة طويلة من العداءات وفتح الأذهان لأساليب جديدة ولن ينسي أي منا أبداً لحظة فتح باب طائرة الرئاسة المصرية ووقوف قائد العدو علي بابها وجيهاً مبتسماً، وفيما بعد عندما أجريت حديثاً صحفياً مع السادات في بيته قلت له: إنني أعيش في الشارع الرئيسي بتل أبيب، وعندما خرجت علينا من طائرتك نظرت من النافذة فلم أجد في الشارع مخلوقاً يتحرك، ربما قطة تتحرك بحثاً عن جهاز تليفزيون مفتوح.

أما زيارة من أوباما فستكون شيئاً مختلفاً تماماً، طبعاً سيتم استقباله بأدب، دون قفز البهلوانات، إلا ربما بعض بذاءات من أعضاء اليمن المتطرف في الكنيست.

كانت رحلة السادات عملاً ضخماً قائماً بذاته، ولكن رحلة من أوباما لا يمكن أن تكون كذلك، فلن يهز الرأي العام الإسرائيلي ما لم يأت بخطة عمل محددة، خطة سلام تفصيلية ببرنامج زمني محدد يسانده إصرار علي تنفيذه مهما كان الثمن السياسي، أما حديث جميل آخر فلن يجدي، فبعد طوفان الأحاديث هذا الأسبوع يكفينا ما سمعنا، فالأحاديث مهمة عندما تكون مصحوبة بعمل ولكنها لا تصلح بديلاً للعمل، فقد ساعدت أحاديث تشرشل علي صنع التاريخ لأنها عكست أفعالاً تاريخية، فبدون معركة بريطانيا، وبدون نورماندي وبدون معركة العلمين كانت هذه الأحاديث ستكون طبولاً جوفاء.

والآن وكل الطرق مسدودة يبقي مخرج واحد هو الاعتراف الأمريكي بدولة فلسطينية دون عنف فلسطيني ضد الاحتلال، بينما تلعب قوي السلام الإسرائيلية دورها لأن مصير إسرائيل يتوقف علي السلام مثل مصير فلسطين، فالربيع الإسرائيلي - الفلسطيني في الطريق.

وإلي هنا ينتهي هذا العرض الدقيق للأوضاع من رجل وهب حياته للسلام رغم إخلاصه التام لبلده، ولا نجد ما نضيفه سوي تحيته مرة أخري علي أمانته السياسية.

*نائب رئيس حزب الوفد