ماذا فعل الغرب بالشرق الأوسط (3)

احمد عز العرب

الجمعة, 03 يناير 2014 00:27
بقلم: أحمد عزالعرب

عرضنا الحلقة السابقة - الجزء الثاني - من تقرير مجلس سياسات الشرق الأوسط الأمريكي الذي ألقاه السفير السابق «تشاس فريمان» رئيس المجلس الذي زعم فيه أن الغرب يحاول التأقلم مع الأوضاع المتغيرة في الشرق الأوسط، ويشرح فيه محاولات أمريكا اليائسة لإنجاح مفاوضات السلام الإسرائيلية - الفلسطينية، ثم ينتقل الي الحرب الأهلية في سوريا والمؤدية الي احتمالات تقسيم سوريا. ويزعم فيها أن الشرق الأوسط الذي أقامه الغرب بعد الحرب العالمية الأولي. يتعرض اليوم للتفتت نتيجة عوامل داخلية، وطبعا لا يعترف بوجود أي مؤامرة غربية وراء ذلك.

وفي هذا الجزء الثالث والأخير يعرض «فريمان» مشكلة إيران واحتمالات التغلغل الروسي الصيني في المنطقة.. وما يمكن أن يفعله الغرب لمواجهة ذلك.
يقول «فريمان» إن إيران دولة مكروهة من إسرائيل وكل الدول العربية باستثناء دولة  واحدة، ومن سخرية القدر أنه رغم أن إسرائيل والعرب يكافحون ضد حصول إيران علي سلاح نووي فإن إيران لا تملك حاليا سلاحا نوويا أو كيماويا أو بيولوجيا ولكن تطوير إيران سلاحا نوويا سيحرم إسرائيل من احتكار السلاح النووي في المنطقة، ويحتمل أن يدفع ذلك دولا أخري بالمنطقة مثل السعودية لمحاولة الحصول علي سلاح ردع عن طريق اتفاق مع دولة أو أكثر من الدول التسع التي تملك حاليا سلاحا نوويا في العالم، فمن الناحية العملية فإن الخيار للحصول علي سلاح ردع يكون بالاتفاق مع أمريكا أو الهند أو إسرائيل أو باكستان أو روسيا. وباكستان هي أسهل خيار، فبريطانيا وفرنسا ليس لديهما الرغبة أو إمكانية تغطية دولة أخري بمظلتها النووية، والصين لا تريد التورط في مثل هذه المشاكل الأجنبية وحتي تصل لسلام مع الفلسطينيين فلا يمكن لأي دولة مسلمة عربية قبول مظلة حماية نووية من إسرائيل. وأغلبية العرب تعتبر الهند دولة معادية للإسلام ولكنها أقرب لإيران منها للعرب.
وفي سوريا أثبتت روسيا أن أصدقاء روسيا يمكنهم الاعتماد عليها، ولكن مازال علي روسيا كسب ثقة باقي العرب.
وقد أثبتت الأحداث الأخيرة وضمنها عدة تغيرات لنظام الحاكم في مصر، أن أمريكا لا يمكن الاطمئنان لحمايتها. أما باكستان فلديها السلاح النووي والإرادة والاحتياج المادي الذي يدفعها لتلبية رغبات طالبي السلاح النووي.
إذا كان من السهل تصور أن السلاح النووي لدي إيران يوازنه ويردعه وجود هذا السلاح لدي إسرائيل وباكستان فمن الصعب تصور كيف تتوازن الأسلحة التقليدية في منطقة الخليج. فالعراق اليوم حليف لإيران ولا يمكن التوازن معها ويذكر العرب في قلق أن إيران وليس السعودية أو مصر كانت حليف أمريكا الأمني الرئيسي في المنطقة ومع أن انتهاء الخلاف بين أمريكا وإيران مازال يبدو غير محتمل فإنه لم يعد مستحيلا ويري المرتابون في الخليج أن تخفيف التوتر بين أمريكا وإيران قد يؤدي مستقبلا الي تجديد تعاونهما الأمني، وهذا الاحتمال يخلق مشكلة كبري استراتيجية لشركائنا من عرب الخليج. وبما أن مصر وعرب الخليج مازالوا ينظرون الي أمريكا كحاميهم، فإلي من سينظرون الآن؟
لقد اختفي الآن العالم البسيط المكون من دول استعمارية متنافسة، وفقد شعار «من ليس معنا فهو علينا» قيمته الآن، فليس هناك دولة في المنطقة مستعدة لاعتماد حمايتها علي دولة أجنبية، ولذا فدور القوة العظمي الخارجية أصبح معقدا ومتغيرا بعد أن كان شاملا وثابتا، فهناك مكان حاليا للاعبين قدامي وجدد، ولكن الكل  سيترقص علي الأنغام الموضوعة في المنطقة، وليست الأنغام الموضوعة في العواصم الأجنبية للدول الأجنبية.
ولذلك علينا توقع بعض التمدد للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط، وموقع روسيا علي الطرف الآخر لبحر قزوين من إيران، فلو أمكن إقناعها فإنها يمكن أن تقوم بدور الوسيط لتعديل موازين القوي دون إثارة المشاكل بالخليج. فلروسيا تاريخ تعاون عسكري وثيق مع مصر وسوريا وبعض الدول العربية، فإذا رفضت أمريكا أو دول غربية أخري تزويد أي دولة بالسلاح فإن روسيا لديها قدرة تزويد هذه الدولة بالسلاح والتدريب، وعندما تكون مصالح دول الأوبك الخليجية متعارضة مع مصالح دول الغرب كما يبدو حاليا. فإن روسيا بديل طبيعي للغرب، وفي هذا المجال المحدود فإن الصين أيضا تبدو بديلا محتملا للغرب. إن الاحتكارات القديمة للسلاح والنفوذ والأسواق تتراجع اليوم أمام المنافسة في الشرق الأوسط.
وهناك أيضا تصارع الأفكار في المنطقة، فالتسامح يتراجع والعواطف تتجه نحو التطرف، وقد ساعدت حرب الطائرات بدون طيار الإرهابيين علي الانتشار في الدول الإسلامية، ويزداد نفوذ القاعدة وغيرها من منظمات الإرهاب نتيجة استغلالها السخط الشعبي علي تدهور الأوضاع المعيشية والسياسية والاقتصادية.
إن استخدام القوة لن يحل هذه المشاكل، ولكن ليست هناك حلول سياسية لها أيضا، وأمل شعوب المنطقة في التقدم ضعيف، ففي الشرق الأوسط أصبحت الدبلوماسية تستخدم كغطاء للعدوان

وليس بديلا له، مع مراعاة الفوضي السائدة هل تستطيع الرؤية الشمولية الإسلامية التمدد أكثر من الأقلية المعتنقة لها من تنظيم القاعدة؟ إن الإسلام والديمقراطية أصبحا مترادفين، فكيف يمكن للصيغ المعتدلة من الإسلام منع ظهور التطرف الذي نراه في مصر وفلسطين مثلا؟ هذه مشكلة للغرب الذي يفضل الديمقراطية ولكن يزعم التأسلم، فهل الرغبة في الاستقرار في أمريكا والغرب تتعارض مع الفكرة الثورية للديمقراطية؟ هل الاستقرار مع الاستبداد أفضل من التوتر مع الديمقراطية؟ هذه أمور تمثل تحديا كبيرا لدول المنطقة، حتي التي لا توجد بها حركات إسلامية قوية، فالإسلام السياسي يمثل خطرا علي الأنظمة الإسلامية نفسها التي تنادي بالشوري وترفض الديمقراطية.
إن القمع العنيف للإخوان المسلمين والجماعات المتطرفة يخاطر بخلق ظروف من عدم الاستقرار أو الإسلام الثوري والإرهاب، إذا كان الإسلاميون الذين فازوا في الانتخابات لا يستطيعون الاحتفاظ بالسلطة لحين موعد الانتخابات التالية، فما هو البديل أمامهم سوي العنف؟ ليس هناك من يأمل في حكم بلد كمصر لمدة طويلة دون أن تكون لديه خطة لإحياء اقتصادها المنهار، ولكن لا من هم في السلطة الآن، ولا خصومهم من الإخوان لديهم مثل هذه الخطة، فاليأس الاقتصادي يخلق مناخا يجعل الناس يتجهون للعنف وتدمير النفس إذ ليس لديهم ما يخسرون، والمعونات القادمة من دول الخليج ليست حلا للفقر وعصر العيشة علي الهبات من الخارج يقترب من نهايته ومادامت المنطقة أخذت مصيرها في يدها.. فعليها أن تحل مشكلتها الاقتصادية بنفسها.
فماذا يمكن للقوي من خارج الشرق الأوسط مثلنا عمله؟ أعتقد أن علينا البدء بالاعتراف بأننا فقدنا النفوذ الأدبي والمادي علي المنطقة، فعلاقاتنا الحالية مع اللاعبين الحاليين بالمنطقة لم تعد ودية، بل يرتاب كل طرف فيما يريده الآخر، ومع أن أمريكا مازالت القوة الكبري الخارجية التي تلعب في المنطقة، فقد استولي أهل المنطقة علي الكثير من النفوذ فيها، وإذا تركنا لهم فرص سحب نفوذنا منها فسوف يسحبونه. علينا إعادة اكتشاف الدبلوماسية التي تختلف جذريا عن التهديد العسكري الذي مارسناه للآن والتهديد بتوقيع العقوبات، فلا يوجد دليل علي أن التهديد سيجدي مع دول المنطقة.
الدبلوماسية الفعالة التي نراها هي التي تراعي المصلحة المشتركة لنا ولأهل المنطقة، والتي تقتضي تفهم وجهات النظر المختلفة، ومراعاة مصالح الغير، يبدو أننا فقدنا القدرة علي هذا النوع من الدبلوماسية في الشرق الأوسط، علينا الإنصات لشركائنا في المنطقة ومراعاة مصالحهم، فلا يمكننا مثلا التعامل مع إيران كما لو كانت مصلحة إسرائيل هي فقط التي تعنينا، فما سنفعله مع إيران سيكون له أثر قوي علي دول مثل السعودية والكويت والعراق ولبنان وتركيا وسوريا وغيرها من دول المنطقة، إذا لم نراع مصالح أصدقائنا في سياساتنا فلن يراعوا مصالحنا، لن يكون المستقبل مثل الماضي في الشرق الأوسط، سيختلف عما كان في القرن الماضي، فلم يعد لنا أصدقاء تلقائيون بالمنطقة، حتي إسرائيل وأصدقاؤنا من العرب لم يعودوا يثقون في وعودنا، علينا إصلاح علاقاتنا معهم إذا أردنا تعاونهم معنا لتحقيق أهداف مشتركة.
إن هذا المؤتمر فرصة نادرة لسماع الآراء المختلفة من المنطقة والإنصات لها، قد أكون مخطئا وعليكم تنبيهي لذلك عندما نبدأ المناقشات. هناك الكثير في هذه الغرفة ممن لديهم القدرة علي وضع سياسة إيجابية لمواجهة التحدي الذي نواجهه في الشرق الأوسط نتيجة التغييرات المتسارعة بالمنطقة، والتراكمات المترتبة عليها. إننا ندين لأصدقائنا في المنطقة، وندين لأنفسنا بأن نبذل كل جهد لفهم التغيرات العديدة التي تجري في المنطقة الآن حتي نستطيع مواجهتها بطريقة عاقلة تمكننا من حل مشاكلها.
وإلي هنا ينتهي هذا التقرير الشامل لنظرة غربية علي الشرق الأوسط، وأول ما نلحظه طبعا هو الخلط الشديد للأوراق ومحاولة وضع الغرب في صورة الرجل الصديق الذي يريد مساعدة هذه المنطقة للخروج من مشاكلها التي تسببها هي لنفسها، فهناك غيبة كاملة في التقرير عن الدور المدمر الذي لعبه الغرب ومازال يلعبه في هذه المنطقة لتمزيق دولها واستنزاف مواردها.
وإن كانت لهجة التقرير تنم عما يترجم خطأ بمراجعة النفس ويقظة الضمير من جانب الغرب، فإننا نرجع هذه اليقظة دون أدني تردد الي الرعب الذي يجتاح الغرب عموما وأمريكا خصوصا من زحف النفوذ الروسي للمنطقة من جديد. ومن انتقال مركز الثقل الدولي من الغرب الي الشرق رويدا رويدا بعد أن استيقظ المارد الصيني ودخل في حلف مصالح قوي مع روسيا ومع العملاق الهندي، فلسنا نحن المسئولين وحدنا عما نحن فيه من كوارث.
بل يقف الغرب علي رأس قائمة المتهمين بتخلفنا ومشاكلنا وصدق الشاعر العربي القديم حيث قال:
وبغوا فلما قلت يا نفس اصبري
غضب الظلوم وعوتب المظلوم

أحمد عز العرب
نائب رئيس حزب الوفد