رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

العد التنازلى لنهاية يونية

احمد عز العرب

الخميس, 27 يونيو 2013 22:13
بقلم: أحمد عزالعرب

عندما يصل هذا المقال لقارئ «الوفد» يوم 28 يونية يكون الباقي علي انفجار الجولة الثانية من الثورة يومين ثم يقضي الله أمراً كان مفعولا، فإما أن يكون النظام الديكتاتوري الحاكم والفاشل علي كل الجبهات داخلياً وخارجياً قد اقتنع باستحالة إخضاع هذا الشعب مرة أخري -

وهو احتمال ضعيف جداً في اعتقادنا - وإما أن تأخذه العزة بالإثم فيستمر سائراً في غيه وعناده أسوة بسلفه، ويستمر في تحدي الشعب باستفزازات تنم عن عقل مريض يريد دفع البلاد دفعاً إلي آتون الثورة الدموية، مثل قيامه بتعيين أحد الإرهابيين المسئولين عن مذبحة السياح البشعة في معد حتشبسوت بالأقصر عام 1997، التي راح ضحيتها قرابة الستين سائحاً بريئاً إلي جانب عدد من المصريين، لم يجد النظام المختل في تفكيره وإدارته سوي هذا الإرهابي السابق ليعينه محافظاً للأقصر، نفس المدينة التي حدثت بها المذبحة البشعة.. وقد نشرت مجلة السياسة الخارجية الأمريكية الشهيرة في 20 يونية مقالاً لكاتبها طارق رضوان نائب مدير مركز رانك البحثي الأمريكي غاية في العمق في وصف الكارثة المتوقعة.
يقول رضوان: إن ما بدأ كمحاولة بسيطة في التعبير عن الغضب الشعبي العام علي أسلوب حكم محمد مرسي لمصر، وهو حركة «تمرد» قد تطور إلي حشد الملايين من المصريين للاحتجاج الذي يبدو أنه سيكون الحدث الأكبر يوم مرور سنة علي تولي مرسي لسلطاته، ورغم أن قوي المعارضة لم تبدأ بجمع التوقيعات المطالبة بعزل مرسي وإجراء انتخابات رئاسية جديدة، إلا علي استحياء أول الأمر، فإن كل اللاعبين الرئيسيين علي الساحة السياسية في المرحلة الانتقالية يدركون الآن أن الحملة قد أصبحت من القوة بحيث تؤدي للتغيير، فالحركة في صفوف المعارضة والتنسيق مع أطرافها ومع تنظيمات الشباب الثوري للإعداد لمرحلة ما بعد مرسي توحي باعتقاد راسخ بأن يوم 30 يونية ومظاهراته قد يحقق هدف حركة التمرد في عزل الرئيس.
وقد رد الإسلاميون المؤيدون لمرسي - ومعظمهم من الإخوان المسلمين - علي ذلك بحركة جمع توقيعات مضادة تحت شعار «تجرد» لتأكيد ثقتهم في النظام السياسي وفي الانتخابات التي حملت مرسي للسلطة، كما نادت الجماعات الإسلامية المؤيدة لمرسي بالخروج يوم 21 يونية للاحتجاج علي العنف، ومع ذلك فمحاولات «تجرد» موازنة للقوة السياسية مع «تمرد» زادت من وضوح الانقسام الحاد في المجتمع، وكرر أنصار مرسي مراراً مهاجمتهم لحركة «تمرد»، وذهب بعضهم للقول بأن من يؤيدها يعتبر خائناً أو كافراً، ولكن العقول الأكثر هدوءاً وسط الإسلاميين أخذت موقفاً

متوسطاً، فحزب النور السلفي اليميني قام فجأة بإعلان أنه لن يشارك في أي من الحركتين «المحتجة والمؤيدة»، ودعا الحكومة والإخوان المسلمين لتقديم تنازلات للمعارضة لنزع فتيل الأزمة، أما عبدالمنعم أبوالفتوح رئيس حزب مصر القوية فوقف في جانب الاحتجاج السلمي ورفض فكرة الانقلاب العسكري لعزل مرسي.
وقد تجاوزت الحمي الثورية بين المعسكرين المتعاديين مرحلة تبادل الكلمات المتعارضة إلي مرحلة تبادل السهام النارية في وسائل الإعلام، ووقع عدد من حوادث العنف، لم يكن أقلها إشعال النار بمعرفة مجهولين في أحد مقار حركة «تمرد» بالقاهرة يوم 7 يونية، ومعارك شوارع لساعات عديدة في الإسكندرية يوم 12 يونية بين الإخوان المسلمين ومؤيدي «تمرد»، مما رفع درجة التوتر الشديد بين الأيديولوجيات المتعارضة خلال الأيام المؤدية إلي يوم الحشد الضخم في 30 يونية.. ومما رفع درجة القلق وسط قوات الأمن، وقد دفعت الهجمات علي حركة «تمرد» وزير الداخلية محمد إبراهيم إلي إعلان رسمي بموقف الشرطة من تظاهرة 30 يونية، وصدرت عدة إعلانات متعارضة من وزارة الداخلية، فالإعلان الأول كان أن الشرطة ستنسحب من أماكن المظاهرات، ولكن الوزير صرح فيما بعد بأنه ملتزم بحماية المتظاهرين من الجانبين، وهاج الإسلاميون ضد الوزير وطالبوا بمحاسبته علي مسئوليته الأولي عند رفض حماية مقر الإخوان المسلمين الرئيسي وأملاك ومحتويات المبني وأملاكهم الخاصة.
وتوحي بعض التصرفات داخل إدارة مرسي بأن هناك خوفاً داخل الحكومة من أن تؤدي الاحتجاجات إلي زعزعة أركان النظام الحالي، فقد ناشد مرسي جبهة الإنقاذ الوطني عقد حوار آخر في محاولة منه لصد المد الزاحف، ولكنه لم يقدم الضمانات المناسبة بأن أي مفاوضات بين الجانبين يمكن أن تؤدي إلي اتفاقات ملزمة، ورفض زعماء المعارضة عرض مرسي، وبدلاً من ذلك قابل مرسي الجبهة الإسلامية الشرعية للحرية والإصلاح، وهي تحالف مستقل من عدة أحزاب من الإسلاميين يضم مفكرين سلفيين وإسلاميين هدد نائب رئيسهم المعارضة بتنظيم تظاهرات مضادة يوم 30 يونية، وقد اتخذ أعضاء حركة «تمرد» نفس الخط المتشدد، مطالبين بتشكيل مجلس رئاسي وحكومة من التكنوقراط، وكان تلميحهم باختيار المستشار ماهر البحيري رئيس المحكمة الدستورية رئيساً للمجلس الرئاسي محل مرسي.
إن المسرح السياسي مهيأ قطعاً لمواجهة تغيير قواعد اللعبة بالغضب الشعبي، فعندما نسمع أياً من الجانبين المتعارضين يتحدث عن يوم 30 يونية يظن أن مصر علي وشك حرب ضروس يتهيأ فيه الجانبان للعنف، ومن الواضح بل المرجح أن المواجهة ستؤدي لصدام، ففي المواجهات السابقة لم يحتج الأمر لتحريض كبير لاندلاع مواجهات في الشوارع، واليوم لا يقتصر الأمر علي جماعات الألتراس، بل هناك أيضاً جماعات «البلاك بلوك» الفوضوية المستعدة للانضمام للقتال، أما اللجان الشعبية المنادية بمنع العنف فقد تكون هي مصدر اندلاع العنف، وحتي المواطنون العاديون الذين طفح بهم كيل الضائقة الاقتصادية وتراجع مستوي الحياة قد لا يكون لديهم الصبر علي حكم الإسلاميين، وبعض المصريين الذين لا يرون أملاً سياسياً أو قانونياً للإصلاح يتمنون أن تؤدي المواجهات لتدخل الجيش لفرض التغيير، وفي هذا الجو المشحون لا يحتاج الأمر لأكثر من رد فعل غاضب لإشعال وطن بأكمله.
ولكن الأمل في هذه الصدامات التي يتمنون أن تطيح بمرسي تواجه تحديات كبيرة، فقد نجحت حركة «تمرد» في جمع أكثر من 15 مليون توقيع يطالب بعزل مرسي، وإعادة الحياة لثورة الشباب، وحازت انبهار الأغلبية الصامتة بها، ولكنها تفتقد طريقاً قانونياً لإحداث التغيير، فالدستور الحالي لا يسمح إلا في حالات قليلة بعزل الرئيس مثل مرضه أو عجزه عن أداء واجبه، أو اتهامه بالخيانة العظمي، وموافقة ثلثي مجلس الشعب علي الاتهام، أو قيامه بإجراء استفتاء علي رئاسته، أو استقالته طواعية، ويقول معارضو التيار الإسلامي إن العوار المعيب الذي شاب عملية وضع الدستور الجديد يسقط شرعية هذا الدستور ويعطي الشعب حق الثورة عليه، ولكن للآن فلا المعارضة الشعبية ولا مؤسسة القضاء قد تخطت للآن حاجز الشرعية علناً، ولا يغيب عن المراقب السخرية الكبيرة في مطالب المعارضة بوضع رئيس المحكمة الدستورية مكان مرسي، فالقضاء بقي صامتاً إزاء الحكم باستمرار عمل مجلس الشوري لحين انتخاب برلمان جديد، رغم حكمه ببطلان المجلس.
ورغم كل الأحداث الدرامية في مصر خلال السنتين الماضيتين، فإن من يزعمون معرفة ما سيحدث في 30 يونية، سيجدون أنفسهم إما مخطئين وإما محظوظين، فمجموع العوامل المتحكمة في الموقف يفوق الخيال، والحقيقة أنه لا يوجد من يستطيع الجزم بنتيجة ما قد يتغير بعد 30 يونية، ولكن حركة «تمرد» أظهرت أن الاستقطاب في مصر فاق ما كان متصوراً، فقد تحركت وسط جمهور غاضب فقد كل ثقة في مرسي وفي إمكان إجراء انتخابات نزيهة تحت إشرافه، وطالبت بتدخل الجيش والقضاء، وهما المؤسستان اللتان تتمتعان بأكبر تأييد في مصر، طالبتهما بقيادة مصر إلي بداية جديدة يوم 30 يونية.. وقد لا يزيد التمرد يوم 30 يونية علي حركة احتجاج جماعية، ولكن الحكمة تقتضي من مرسي أن يستمع لنصيحة أصدقائه الإسلاميين، فيتجنب المواقف التصادمية مع خصومه ويسرع بالوصول إلي توافق وطني معهم بأسرع ما يمكن لأن العد التنازلي قد بدأ.
وهكذا ينهي رضوان عرضه لما وصل إليه الحال، وللاحتمالات المرعبة التي تحوم علي الأفق، ومن جانبنا نختم بقول أمير الشعراء:
وفي الأرض شر مقادير... لطيف السماء ورحمانها
ونجي الكنانة من فتنة... تهددت النيل نيرانها
نائب رئيس حزب الوفد