رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أردوجان يواجه شمس السلطة الغاربة

احمد عز العرب

الخميس, 13 يونيو 2013 22:00
بقلم: أحمد عزالعرب

يبدو أن البقاء في السلطة لفترة أطول مما يجب يصل بالحاكم إلي قناعة نفسية أن الدنيا لا تسير إلا بقيادته، وينسي الحاكم الحكمة الخالدة القائلة إن القبور مليئة بأناس ظنوا أن الدنيا لن تسير من بعدهم، والمثل الحي علي هذه الدراما الإغريقية هو قصة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان التي نستعرضها فيما يلي.. لعلها تكون عبرة لغيره من ممثلي التيار المسمي بالإسلامي.

تولي أردوجان رئاسة وزراء تركيا أكثر من عشر سنوات متتالية أجري خلالها ثلاثة انتخابات برلمانية فاز فيها كلها، وكان وصوله للسلطة بعد عقود طويلة من الصراع بين القوي المدنية التي أقامت الجمهورية التركية عام 1924 علي يد أتاتورك وبين قوي تيارات سياسية ترفع راية الدين كمرجعية لها.
وخلال سنوات حكمه واجه أردوجان العديد جداً من المشاكل محلياً ودولياً مما لا تسمح المساحة المتاحة بعرضها، ولكنه في خلال هذه الفترة نجح نجاحاً منقطع النظير في إحياء الاقتصاد التركي المنهار، ورفع دخل المواطن التركي إلي حوالي عشرة أمثال ما كان عليه عند وصوله للسلطة، وأصبح الاقتصاد التركي أحد الاقتصادات الرئيسية في العالم، ولم يعد يزعج الأتراك فشل أردوجان في الحصول علي عضوية الاتحاد الأوروبي، وظن أردوجان بعد كل هذه السنوات في السلطة أن تركيا قد أصبحت في قبضته ولا غني لها عنه، وأن لويس الرابع عشر الذي قال يوماً «أنا الدولة» قد بعث من جديد في شخصه، ثم جاءت لحظة الحقيقة المرة وكانت كما يلي:
بدأت المظاهرات في إسطنبول منذ عدة أيام احتجاجاً علي مشروع أردوجان بتحويل ميدان «تقسيم» الشهير الذي يعتبر «سُرة» إسطنبول كميدان التحرير بالقاهرة إلي مجمع تجاري وبناء سوق ضخم فوقه، وكانت المظاهرات الاحتجاجية سلمية تماماً، وإذا ببوليس أردوجان يستخدم القوة المفرطة وقنابل الغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين، وإذا بأردوجان يعلن في صلف واستعلاء أن تنفيذ السوق التجاري سيتم رغم المعارضة ضده، وإذ بالمظاهرات تنفجر في كافة أنحاء تركيا، ويصل المجتمع فجأة إلي حالة من الاستقطاب الحاد بين القوي الكامنة المدنية وبين تيارات الإسلام السياسي، كما هو الحال في مصر حالياً، ولم تكن مظاهرات ميدان تقسيم سوي الشرارة التي أطلقت الاستقطاب والانقسام في المجتمع من عقالهما.
علي المحلل السياسي أن ينظر إلي المظاهرات الشاملة كرد فعل ضد حزب أردوجان الحاكم، وضد أسلوبه في احتكار السلطة، فبإحكام قبضته علي السلطة،

وتجاهل أي دور لباقي القوي السياسية علي الساحة تسبب أردوجان في استقطاب المجتمع التركي تماماً، وكانت سياسة أردوجان ناجحة في البداية طالما كان الاقتصاد ينمو، وكان الناخبون يمنحونه أصواتهم في ثلاثة انتخابات متتالية، ولكن يبدو أن الناخب التركي قد وصل إلي نهاية الطريق مع انفراد أردوجان بالسلطة، خاصة بعد أن بدأت الحكومة إصدار تشريعات تهدف لأسلمة المجتمع، مثل القانون الذي صدر مؤخراً بوضع قيود شديدة علي تصنيع المشروبات الروحية وتسويقها واستهلاكها، سبب هذا القانون ضجة كبري في تركيا إذ لم يراع أثره علي صناعة السياحة كبري صناعات تركيا، ولم يراع أثره علي القطاعات غير المحافظة من الشعب، وكان دفاع أردوجان هو أن القانون يتمشي مع المبادئ الدينية، وهكذا تم الاستقطاب، وكان مشروع بناء السوق فوق ميدان تقسيم هو الشرارة التي أشعلت الحرب بين المعسكرين المتعاديين تماماً أيديولوجياً، وعندما نقارن بين التظاهرات في الماضي التي كانت سلمية وديمقراطية وبين ما حدث هذا الأسبوع، فإن الأحداث الأخيرة تختلف من عدة زوايا، فالتظاهرات الضخمة عبرت عن رفض أسلوب أردوجان في الانفراد بالقرار وليس لأسباب أيديولوجية، فلم يكن وراءها أي حزب بعينه، بل كل أطياف المعارضة المدنية، من شباب ونساء ومشجعي كرة القدم ومن النقابات العمالية والطلبة، ونشطاء المجتمع المدني، وأصحاب المهن.
ومن ناحية أخري هناك شعور بالقوة بين المعارضة ضد الحكومة التي انفردت بالسلطة عشر سنوات، وهذا الشعور بالقوة يبدو واضحاً جداً بين الجماهير مقارنة بالمعارضة البرلمانية الهزيلة في تركيا، ولا تبدو المقارنة التي يبديها البعض من مظاهرات ميدان تقسيم ومظاهرات ميدان التحرير في مصر مقارنة سليمة، فتركيا دولة ديمقراطية وليس هناك مطالبة من الجماهير بتغيير النظام كما هو الحال في مصر، والشبه الوحيد القوي بين ميداني تقسيم والتحرير هو الشعور الطاغي بالقوة وبكسر حاجز الخوف بين متظاهري مصر ومتظاهري تركيا، والتأثير الذي يمكن أن يحدثه كلاهما في الساحة السياسية لو وحدوا صفوفهم.
وهناك موضوع الإعلام، فقد كان معظم الإعلام التركي مثار سخرية واستهزاء الجماهير، إذ بينما كانت
المظاهرات العارمة منطلقة وكانت إسطنبول تحترق وقنابل الغاز تنفجر فوق رؤوس المتظاهرين، كانت قنوات التليفزيون التركية تذيع مسلسلات وأفلاماً تسجيلية، وكان عدد السبت مثلاً من الجريدة الكبري الموالية للحكومة «جريدة صباح» خالياً من أي إشارة للمظاهرات، وفرضت الحكومة حظراً علي النشر وتولت الرقابة الذاتية التي فرضتها وسائل الإعلام علي نفسها تدمير ما بقي من سمعة أو احترام للإعلام التركي وسط الجماهير التي تحولت إلي متابعة وسائل الإعلام الأجنبية لمعرفة الأخبار، والواقع أن أكبر رابح في هذا كان الإعلام الاجتماعي علي الإنترنت والتويتر ونحوها، فطبقاً لدراسة أجرتها جامعة نيويورك فإن استجابة الإعلام الاجتماعي التركي للأحداث وتأثيره القوي عليها كان مذهلاً، فخلال 24 ساعة من بدء الأحداث كتب أكثر من مليوني مواطن تعليقاتهم عليها في الإنترنت والتويتر وغيرها، وكان معدل التعليقات أكثر من ثلاثة آلاف في الدقيقة.
ولا يبدو الطريق إلي الأمام واضحاً، فقد قدم أردوجان تنازلاً صغيراً للمتظاهرين عن طريق سحب قوات الشرطة من ميدان تقسيم يوم السبت، كما اعترف بأن البوليس استخدم قوة مفرطة مع المتظاهرين، ولكنه لجأ إلي التحدي وأعلن إصراره علي المضي في مشروع بناء السوق في ميدان تقسيم، ورغم ذلك، وبصرف النظر عن تطور الأحداث في الأيام القادمة، فهناك نتيجتان يمكن استخلاصهما من الآن من هذه الأحداث والاحتجاجات الضخمة التي لم تكن نتيجة تدبير سابق، ومع ذلك هزت إحدي كبري المدن الأوروبية، النتيجة الأولي هي ضرورة إعادة تنظيم الإعلام في تركيا، والنتيجة الثانية هي الحاجة العاجلة أن يغير أردوجان من أسلوب ممارسته لسلطاته.
إن الفشل الذريع للإعلام التركي في القيام بالحد الأدني لواجباته في تغطية الأحداث هو أمر ضار جداً بالنسبة لتطور الديمقراطية في تركيا، ونتيجة لذلك يتعين اتخاذ إجراءات قانونية مثل إلزام شركات الإعلام بممارسة النشاط الإعلامي بطريقة تضمن استقلال الإعلام واستمرار هذا الاستقلال، كما يتعين وضع مجموعة من القواعد التي تضمن تنوع اتجاهات وسائل الإعلام.
ومع أن هذه التظاهرات الضخمة لا تمثل خطراً وشيكاً لحكم أردوجان، إلا أنه يجب أخذها علي محمل الجد من أردوجان، فقد زاد عدد الأتراك الرافضين لأسلوب أردوجان الفردي في اتخاذ القرارات في السنوات الأخيرة، وزاد نفورهم من هذا الاستقطاب الذي تسببه سياسات أردوجان الذي يتعين عليه اتخاذ أسلوب أكثر تسامحاً في طريقة حكمه وأسلوبه في القيادة.
وربما يكون أهم شيء بالنسبة للاستقرار السياسي لتركيا هو تضييق الفجوة الآخذة في الاتساع بين القيادة التركية وبين المجتمع، فيبدو أن أردوجان يعتقد أنه لا مكان لحركات احتجاج كبيرة في ظل حكومة قوية مستقرة ذات اقتصاد مزدهر، ويردد كثيراً أن صندوق الانتخاب يؤكد صواب سياسته، ولكن اتجاه الرأي العام التركي وتصاعد وعيه يجعل من الضروري علي الحكومة وعلي أحزاب المعارضة أن يفهموا أن صندوق الانتخاب كل أربع سنوات لا يكفي الشعب في إرضاء طموحاته السياسية.
وأخيراً فأملنا أن تقرأ حكومة الإخوان لدينا هذا العرض لحالة أردوجان وأن تستوعبه قبل أن يسبق السيف العزل.
نائب رئيس حزب الوفد