رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

فى السلطة ولكن بلا سيطرة

احمد عز العرب

الخميس, 23 مايو 2013 22:25
بقلم: أحمد عزالعرب

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية الشهيرة بتاريخ 21 مارس مقالاً لكاتبها «إيريك تريجر» يصف فيه بدقة ما وصلت إليه مصر علي يد حكم الإخوان المسلمين.. يقول تريجر: إن الإخوان المسلمين قد تكون لديهم الأصوات حالياً.. ولكن مصر تشبه سفينة بلا دفة..

ففي غرفة انتظار مكتب محافظ كفر الشيخ علق علي الحائط صورة للمحافظ وهو يطل علي المنظر الطبيعي خارج مكتبه، وقد أهدي الفنان الذي رسم الصورة هديته للمحافظ وعليها عبارة: «لصاحب السعادة سعد باشا الحسيني»، وهي طريقة فجة في مخاطبة المحافظ، فقد ألغي لقب الباشوية العثماني بعد ثورة 1952، ولا يستساغ وقعه الأرستقراطي لرجل كان منذ عامين فقط يعيش علي «حافة» القانون كأحد قادة الإخوان المسلمين التي كانت عندئذ تنظيماً إسلامياً غير شرعي بني سمعته علي تقديم خدمات اجتماعية للطبقات الفقيرة بمصر.
ورغم ذلك عانق الإخوان طعم السلطة الجديد بحماس شديد، فقد كانوا بالسجون منذ عامين فقط كما قال لي أحد مساعدي الحسيني، والآن ينعمون بالمساكن والسيارات التي تخصص لهم كرسميين.
والآن وقد تسلق الإخوان المسلمين إلي قمة تل السلطة في مصر، فهم يفعلون أي شيء للبقاء فوق التل، ويؤكد مسئولو الجماعة أن سلسلة الانتصارات الانتخابية التي حققوها منذ إسقاط مبارك قد منحتهم الشرعية، وهي كلمة يستعملها الإخوان للدفاع عن كل شيء من التعيينات الضخمة التي أجراها مرسي لمسئولي الإخوان بوضعهم في المناصب السياسية الكبري إلي إعلانه الدستوري في 22 نوفمبر الذي منحه كل السلطات.
ولكن رغم قوة الإخوان السياسية فإنهم لا يمارسون أي سيطرة، فمنذ الإعلان الدستوري والدستور الذي تم سلقه بعده، قامت تظاهرات ضخمة عمالية، وصدامات بين الشرطة والمتظاهرين ما وصل بالبلاد إلي شبه الفوضي الكاملة، ويتعرض الاقتصاد المصري الضعيف إلي احتمال سقوطه، وقد اضطرت الأحداث العسكرية إلي تولي السلطة في ثلاث مدن علي قناة السويس، وقامت الجماعة الإسلامية التي تصنفها أمريكا كتنظيم إرهابي بنشر رجالها للقيام بدور الشرطة في أسيوط.
وقد سبب تطرف الإخوان في الاستئثار بالسلطة في مقاومة قوية لحكمهم ما ساعد علي عدم الاستقرار في مصر، ولا تبدي الحركة الإسلامية أي نية لتغيير مسارها، فربما كانت تعتقد أن مزيداً من جمع السلطة في يدها هو الوسيلة الوحيدة لمواجهة ما تعتبره مؤامرة علي حكمها، ففي أحاديث صحفية أجريتها خلال زيارتي الأخيرة لمصر، ركز العديد من قادة الإخوان في ردودهم علي أن المؤامرة علي حكمها هي من

عمل الفلول.
وكان محمد البلتاجي عضو الهيئة العليا لحزب الإخوان أكثر وضوحاً في رده، فقال لي إن هناك جزءاً من النظام ما زال مرتبطاً بالنظام الساقط في الكثير من أجهزة الدولة مثل الشرطة والإعلام والقضاء.
في السنة الأولي من رئاسته ركز مرسي والإخوان المسلمين علي مواجهة المخاطر التي تواجهها سلطتهم من اثنين من هذه الأجهزة الثلاثة، ففي أغسطس سيطر الإخوان علي الصحافة الحكومية بتعيين مجموعة من رؤساء تحريرها بمعرفة مجلس الشوري الذي يسيطرون عليه، وتعرض مناهضو الإخوان في الإعلام الخاص للتحقيق في جرائم تراوحت بين إهانة الإسلام إلي إهانة الرئيس، ومازال قادة الإخوان يشكون من أن الإعلام يعاديهم، ولكن الشعب بدأ يكره الإعلام كما يزعم الإخوان، وتحرك الإخوان ضد القضاء في نوفمبر عندما أصدر مرسي إعلانه الدستوري الذي يحصن به قراراته من رقابة القضاء، وأرسلوا أعوانهم لحصار المحكمة الدستورية لإرهاب القضاة قبل إصدار حكمهم في مدي قانونية لجنة وضع الدستور.. وبمجرد إقرار الدستور، سارع مرسي بتعيين نائب عام من جانبه دون استشارة مجلس القضاء الأعلي كنص القانون، ما اعتبر عدواناً علي القضاء واستقلاله، أما التخلص من جهاز الشرطة القمعي فعليه الدور الآن، وقد صرح البلتاجي لي بأن المستقبل هو إعادة تشكيل وزارة الداخلية، وأن ضمن الخطط تدريب خريجي الجامعة علي العمل ضباطاً للشرطة، ولما سألته هل معني ذلك السماح لطلبة الإخوان بالعمل في الشرطة؟.. قال: إن من حق الإخوان ذلك بعد أن كانوا ممنوعين خلال حكم مبارك.
وقد سبب هذا التصريح للبلتاجي ثورة عارمة في مصر عندما نشرت تفاصيله في معهد واشنطن للشرق الأدني عند عودتي لواشنطن منذ أسبوعين، فقد خشي الكثير في مصر من السماح للإخوان بالسيطرة علي وزارة الداخلية لأن ذلك سيكون مقدمة لقيام الدولة الدينية، وقد سبق للكليات العسكرية إعلان السماح لطلبة الإخوان بالالتحاق بها، أي أن أخونة المؤسسات القوية في الطريق.
وقد نفي البلتاجي أنه سيكون المسئول عن إعادة تشكيل وزارة الداخلية، وأن عمله سيكون من خلال البرلمان فقط، وهاجمني البلتاجي في التليفزيون المصري علي أنني صهيوني ومعاد
للإسلام، بدل الرد علي أسئلتي.
ويحق للمصريين الشعور بالخطر من خطط الإخوان لـ «إصلاح الشرطة»، فالإخوان قد أقسموا علي السمع والطاعة لمرشدهم، وليس للتسلسل الرئاسي في مؤسسات الدولة، فضلاً عن استعمال الإخوان للعنف ضد معارضيهم مؤخراً عندما تظاهر معارضو إعلان مرسي الدستوري أمام قصر الاتحادية، وعذبوا بعضهم حتي يعترفوا كذباً أنهم تلقوا مالاً لمعارضة الرئيس بالقوة، ويزعم قادة الإخوان دون غيرهم أن هذه «الاعترافات» تثبت أن هناك مؤامرة ضدهم يمولها رجال أعمال.
وقد سبب تلاعب الإخوان في هذه الأجهزة الحساسة عدم استقرار في مصر وهدد قدرتهم علي السيطرة علي الأحداث، وعندما دفع مرسي دستوره للاستفتاء في ديسمبر، شاركت «الأهرام» الحكومية باقي الصحف في الاحتجاب يومين احتجاجاً، كما رفض معظم القضاة الإشراف علي الاستفتاء ما حتم عمله علي مرحلتين، ولما زاد التوتر بين مرسي ووزارة الداخلية أضرب حوالي ثلث ضباط الشرطة عن العمل ولذلك يتوقع لجوء الإخوان لاستراتيجيتين في سبيل السيطرة علي الدولة.
الأولي: تجاهل الجهاز البيروقراطي للدولة واستخدام جمعياتهم لإدارة الأنشطة مثل الشبابية رغم إنكار وزير الشباب لذلك، رغم أن ذلك هو أسلوب الإخوان المطبق حالياً في وزارتي التموين والشئون الاجتماعية لضمان تأييد الجمهور لهم في الانتخابات القادمة.
كما أعلن حزب الإخوان السياسي في 10 مارس أنه يفكر في تشريع يسمح للدولة باستئجار شركات أمن خاصة لتعزيز الأمن، وأن ذلك قد يمكن الدولة من التخلص من ابتزاز الشرطة لها، وربما يؤدي ذلك إلي تعزيز سلطة الإخوان في المدي القصير، ولكن في المدي الطويل ستهدم هذه السياسة مؤسسات الدولة وتضعف قبضة الإخوان عليها.
والاستراتيجية الثانية هي استمرار السيطرة علي الانتخابات للحصول علي «شرعية» جديدة، ويقول قادة الإخوان المحليون إنهم يركزون حالياً علي الانتخابات المقبلة، ويعدون قائمة مرشحيهم التي ستضم شباباً كثيرين، ولكن بعكس ما يتصور الإخوان، فالتركيز علي الانتخابات القادمة يعني تجنب مشاكل مصر الحالية من العجز المالي الشديد ونقص موارد دعم الطاقة والغاز التي نفدت فعلاً، ويصر قادة الإخوان علي أن مصر تستطيع سد عجز الاحتياطي النقدي بالتركيز علي جذب الاستثمار الأجنبي ومحاربة الفساد الذي يزعم الإخوان أن مؤامرة فلولية ضخمة ضد حكمهم، ويؤكد قادة الإخوان أنهم مستعدون لاتخاذ خطوات تقشف صعبة مثل خفض الدعم وزيادة الضرائب، ولكن بعد الانتخابات المقبلة.
ولكن بما أن مصر لن يكون لديها برلمان جديد قبل نهاية الصيف، فإن وقتها لا يسمح اقتصادياً باستمرار التدهور، ومهما حصد الإخوان من نجاحات انتخابية فستستمر نظرتهم لأنفسهم أنهم داخلون في صراعين أحدهما ضد النظام القديم، والثاني ضد المعارضة غير الإسلامية، ولذلك يتوقع أن يستمروا علي طريق تدعيم سلطاتهم، ولكن بتصاعد المقاومة ضد التسلط الإخواني، وفشل الإخوان الإداري الصارخ في الحكم للآن، فلا يتوقع استقراراً بل المزيد من انحدار مصر نحو الفوضي.
وإلي هنا تنتهي هذه الصورة القاتمة لحكم الإخوان، ولعل استخفافهم الأخير بحكم الاستئناف بعزل نائبهم العام لخير دليل علي استحالة وصول مصر إلي ديمقراطية يسودها القانون ما دام الحكم بأسلوب عصابة فاشية تحت راية دينية.

---
نائب رئيس حزب الوفد