رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هل يمكن إنقاذ ثورة مصر الديمقراطية؟ (1)

احمد عز العرب

الخميس, 17 يناير 2013 23:09
بقلم: أحمد عزالعرب

تحت هذا العنوان نشرت مؤسسة كارنيجي الأمريكية الشهيرة في 24 ديسمبر بحثاً غاية في الأهمية بقلم باحثها «ناثان براون» رأينا ضرورة عرضه علي القارئ من خلال صفحات «الوفد».

يقول براون: إنه في انفجار للوحدة الوطنية غلفه النسيان احتفل المصريون في 11 فبراير عام 2011 لدهشتهم بما حققوا، احتفلوا بإجبار الديكتاتور الذي حكم سنين طويلة علي السقوط من السلطة، من خلال تظاهرات ضخمة في كل أنحاء البلاد، وفي لحظة ظاهرية لهذه الثورة كان من السهل تصور تحول سلمي نحو مجتمع ديمقراطي منفتح وعادل، ومستقبل أكثر ازدهاراً، وبعد أقل من عامين سقط هذا الوليد الديمقراطي في أسر الحقائق السياسية، صدر دستور جديد، ولكن الأرقام الأولية تقول إن الموافقة عليه كانت بأقل من ثلثي الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم، وهي نسبة غاية في الانخفاض في بلد اعتاد ناخبوه علي التصويت بالموافقة، كما أن نسبة من أدلوا بأصواتهم كانت أقل من ثلث عدد المقيدين بجداول الانتخاب، واليوم تبدو ثمار هذه الثورة غاية في المرارة، تقاتل بين الإخوة في صراعات سياسية، وغضب عارم واتهامات متبادلة، وعنف من حين لآخر، وخوف شديد.
صنعت الثورة المصرية علي يد نشطاء سياسيين ذوي أجندات مختلفة وجموع من المواطنين العاديين الذين دخلوا حقل السياسة لأول مرة، وكوادر من الإخوان المسلمين كانت مدربة ومنضبطة ولكن حريصة، وأجهزة دولة كانت إما واقفة علي الحياد أو عاجزة عن حماية النظام القديم، ولكن السمات المميزة التي خدمت أهداف التغيير السياسي عام 2011 تحولت إلي شك شديد من القائمين بالثورة في بعضهم البعض، وعند هذه النقطة فإن خطايا السنة ونصف السنة الماضية تبدو واضحة تماماً، خاصة في ضوء المرارة التي شعرت بها كل الأطراف بسبب الاستفتاء علي الدستور، فالصورة هي خليط من إسلاميين يحاولون الاستحواذ علي كل شيء، ومعارضة مدنية مفككة تفتقر الكفاءة، وعناصر متآمرة من الدولة العميقة.
ويلوم مختلف اللاعبين المصريين علي الساحة السياسية بعضهم البعض لانعدام الثقة بينهم، ولهم العذر في ذلك، فقد تصرف الإسلاميون بطرق تؤكد شكوك خصومهم، كما أن بعض القوي غير الإسلامية تدعي أنها تحكم باسم الشعب، حتي عندما تكون الأغلبية قد فوضت خصوم هذه القوي في التحدث باسمها، وقد كافحت المعارضة للوصول إلي وحدة الصف وإيجاد استراتيجية لها، وقد عاقت أجهزة مهمة في الدولة الفترة الانتقالية وعرقلت مسيرتها، وحاول بعض مسئولي هذه الأجهزة الخلط بين مصالح أجهزتهم ومصلحة المجتمع كله.
ولكن بينما كان هناك تعدًّ من السلطات علي اختصاصات بعضها البعض فإن هذه التعديات كانت سبباً ونتيجة في نفس الوقت، إذ تكمن خلفها مشاكل عملية التحول نفسها، فقد خلقت هذه العملية جواً شجع اللاعبين علي تبني استراتيجيات وتكتيكات كانت منطقية بالنسبة لهم في المدي القصير، ولكن ثبت

أنها في المدي الطويل قد ألحقت أشد الضرر بعملية إعادة البناء الديمقراطي في مصر، وإذا كان هناك الآن سبب للأمل فإنه يكمن في أن الاستفتاء علي الدستور قد يجبر اللاعبين علي الساحة السياسية علي إعادة حساباتهم، فقد يدرك الإخوان المسلمون أخيراً أنهم يستطيعون الحصول علي الكثير مما يريدون بوسائل أقل عنفاً، وقد تدرك المعارضة أن العملية الانتخابية تمنحها أكبر فرص للنجاح، ولن تخرج مصر من أزمتها الحالية ما لم يعد الطرفان حساباتيهما.
وتحت عنوان فرعي هو «الخطيئة الأصلية: عملية تحول مرتبكة» يستطرد الكاتب قائلاً: إن المصريين يعملون في إطار يصعب حتي علي الملائكة النجاح من خلاله، لم يكن التخطيط للمرحلة الانتقالية سيئاً فقط، بل لم يكن هناك تخطيط لها بالمرة، وتكمن الخطيئة الأصلية في عملية التحول المصرية في سلسلة من القرارات قصيرة النظر اتخذها لاعبون قد يكونون حسني النية، ولكنهم مصابون بقصر نظر شديد، اتخذت هذه القرارات في فبراير ومارس عام 2011 وفي ذلك الوقت كانت هناك مناقشات مطولة عن خطوات العملية، هل تبدأ بانتخابات رئاسية، تليها انتخابات برلمانية، تليها كتابة الدستور الجديد.. ولكن أغلب المناقشات في هذا المجال شابها العمي السياسي لدي المحللين والنشطاء السياسيين فلم يروا الأخطاء الفادحة التي كان يتم ارتكابها، كانت المشكلة الأساسية أن العملية منحت سلطة مطلقة خلال المرحلة الانتقالية للقيادة العسكرية بلا سبب إلا لأن القيادة العسكرية زعمت أنه لم يكن هناك طرف آخر يعلم ما يجب عمله، كان أفضل بديل طرح هو تشكيل مجلس رئاسي كان سيضطر القوي السياسية الأساسية - إذا تم تحديدها واستطاعت التغلب علي خلافاتها - أن تسير إلي الأمام عن طريق التوافق، ولكن المجموعات الثورية لم تتفق علي هذه الفكرة إلا بعد فوات الأوان.
ولذلك قام العسكريون باتخاذ الخطيئة التالية بتكليف لجنة صغيرة بوضع خطة لمرحلة الانتقال عن طريق تعديل مجموعة مواد في الدستور المصري اختارها الرئيس المخلوع قبل سقوطه، وسارع العسكريون بوضع التعديلات التي تم وضعها في الخفاء، علي استفتاء عام في مارس عام 2011، ثم قام الجنرالات منفردين بإدخال هذه التعديلات في إعلان دستوري جديد تماماً وأغفلوا الدستور القائم، لم يكشف أبداً عن شخصية من قام بإصدار الإعلان الدستوري، ولكنهم وضعوا سابقة خطيرة وهي السماح للجالسين في السلطة بادعاء أن من حقهم وضع الدستور كما يشاءون، وكان الإعلان الدستوري
الجديد يتضمن أحكاماً من دستور عام 1971 الذي تم إيقافه، وحذفه من أحكام أخري دون تفسير لذلك، وكانت ضمن الأحكام المستبعدة تلك الخاصة بكيفية إجراء التعديلات الدستورية، وكان ذلك يعني أنه لو احتاج الأمر إلي تعديل دستوري فإن العسكريين أولاً وبعدهم الرئيس الذي انتخب وضعوا سلطتهم فوق الدستور، فإذا جاءت الحاجة إلي تعديل دستوري كان أصحاب السلطة العليا يجرونه بعد مشاورات مع القوي السياسية، ولكن الجنرالات كانوا غاية في السوء خلال هذه المشاورات، ثم كان الرئيس المنتخب بعد ذلك أسوأ من الجنرالات في هذه الناحية.
بدأت الشكوك تثور بمجرد انتهاء استفتاء مارس، كانت القوي الإسلامية تشك أن شركاءها في الثورة يتعمدون تأجيل الانتخابات المقبلة خوفاً من أن يكسبها الإسلاميون، وكانت القوي المدنية تشعر عن حق أن الإسلاميين يريدون التعجل بالانتخاب لخطف أكبر عدد من المقاعد البرلمانية، وكانت هذه الصراعات السياسية ليست شيئاً سيئاً في حد ذاته، ولكن المشكلة الأعمق كانت أن الطريق الوحيد لحل الخلافات بين الأطراف هي عن طريق الضغط والإلحاح ومساومة الجنرالات وليس عن طريق المفاوضة والتنازلات المتبادلة للوصول إلي وفاق وحلول توافقية، وكانت الشكوك في أن هناك صفقات سرية تعقد من هذا الجانب أو ذاك مع الجنرالات، وزادت المخاوف، وتعلم المصريون اللاعبون علي الساحة السياسية سريعاً أن الاتهامات بوجود صفقات سرية مع العسكر لا تحتاج لأدلة ملموسة حتي تؤخذ بجدية.
من المقطوع به أن البيئة السياسية كانت تسمح بمزيد من التوافق، فالخلافات علي الشكل الذي تكون عليه الآلية السياسية لم تكن في الواقع بهذه الضخامة، فالكثير من الإطار الأساسي للمستقبل مثل تحديد سلطات رئاسة الجمهورية، ومزيد من الحريات والديمقراطية، وقضاء مستقل، كل ذلك كان متفقاً عليه بين الأطراف المختلفة، ولكن اللجنة الصغيرة المكلفة من الجنرالات بوضع الإطار الدستوري كانت في عجالة شديدة من أمرها فأدخلت في مسودتها المقترحة بعض مواد كانت مثل القنابل الموقوتة داخل الإجراءات، فقد كانت هذه الإجراءات تنص علي أن الدستور الجديد ستعده لجنة من مائة شخص يختارهم البرلمان، ولم يكن في هذا النص ضمان بأن جميع الأطراف ستكون ممثلة في هذه اللجنة، ونص المشروع علي أن مسودة الدستور التي ستنتجها لجنة المائة تعرض فوراً علي الناخبين ويتم إقرارها أو رفضها بالأغلبية البسيطة «51٪».
لم يدرك أحد في ذلك الوقت أن الصيغة المقترحة ستكون في صالح الإسلاميين، فقوة الإسلاميين الانتخابية كانت متوقعة، ولكن المدي الذي وصلته مكاسبهم في الانتخابات البرلمانية والرئاسية كان مفاجأة لكل الأطراف.
كانت الصيغة المقترحة للعملية السياسية صالحة في حالة واحدة فقط وهي وجود توافق كامل بين الأطراف المشتركة في العملية، ولم يكن ذلك هو الحال، فعندما بدأ تنفيذ الآليات المرتبكة التي وضعت علي عجل في مارس عام 2011 بدأت المصالح المختلفة للقوي السياسية تتخندق حول ما تراه مجحفاً لطموحاتها، ترددت فكرة التفاوض علي بعض القواعد فوق الدستورية لتلتزم بها اللجنة المكلفة بوضع الدستور، ولكن الأطراف المختلفة أخذ كل منها يقترح من هذه المبادئ فوق الدستورية ما يخدم مصالح وأهداف حزبه، كانت القوي غير الإسلامية تري أن هذه القواعد يجب أن تكون أداة للحد من توغل التيار الإسلامي، وقاوم التيار الإسلامي في هذا الاتجاه لنفس الأسباب، ووجد الجنرالات في هذه القواعد فوق الدستورية وسيلة لإدخال رؤيتهم المفضلة للدستور الجديد.
ونقف عند هذه الفقرة في البحث لنعرض في المقال القادم باقي الدراسة، بدءاً بعنوان فرعي هو «خطايا التطبيق».

----
نائب رئيس حزب الوفد