المجلس العسكري وصيانة الدستور

احمد عز العرب

الجمعة, 15 أبريل 2011 11:37
بقلم:أحمد عز العرب

 

عقد المجلس العسكري الأعلي للقوات المسلحة الذي يتولي السلطة العليا في مصر حالياً أول اجتماع له مع القيادات الصحفية الجديدة يوم 4 أبريل الحالي صدرت بعده تصريحات أعضاء المجلس الذين حضروا الاجتماع ونشرتها الصحف في اليوم التالي، ونعتقد أن هذه التصريحات هي أوضح وأدق صورة للسياسة التي يزمع المجلس اتخاذها بالنسبة للمستقبل وما يتوقع أن تتطور إليه الحياة السياسية في مصر في المستقبل القريب.

 

ورغم ترحيبنا الشديد بالإطار الأساسي الذي تضمنته تصريحات ممثلي المجلس فإن الكثير مما جاء بهذه التصريحات يحتاج إلي المراجعة ويوحي باتجاهات نراها موضع تحفظ كبير من جانب القوي الوطنية وقوي الثورة الشبابية الرائعة التي اندلعت في مصر يوم 25 يناير الماضي ودمرت ثلاثة عقود من الطغيان والفساد الذي خيم علي مصر طوال هذه العقود وأعادها إلي الوراء سنوات طويلة في كافة مجالات الحياة من تعليم وصحة ومستوي معيشة.. وأهدر قيمة مصر كدولة المنطقة الرائدة وسوف تحتاج مصر إلي جهود خارقة من كافة أبنائها المخلصين لإعادة بناء ما دمرته الديكتاتورية ودوائر الفساد المحيطة بها، ولن تكون معركة البناء هذه سهلة أو قصيرة بل ستطول لسنوات عديدة حتي تعود لمصر مكانتها التي أضاعتها عصابة اتسمت فترة حكمها بالجشع الشديد والنهب المنهجي لموارد مصر، فضلاً عن القصور الإداري الشديد والجهل والترهل الذي سيطر علي الحياة العامة.

ولنبدأ أولاً بالجانب الإيجابي في تصريحات ممثلي المجلس الأعلي، فقد أكدت هذه التصريحات أن المجلس لن يترك مصر تنزلق إلي دولة دينية يحكمها فكر شمولي متحجر وتسيطر عليها جماعات متطرفة ترفع سلاح التكفير في وجه من يعارض حكمها المطلق ولا تسمح بخلاف في الرأي أو منازعة لها علي الانفراد الدائم بالسلطة المطلقة تماماً.. كما كانت الديكتاتورية التي أسقطتها ثورة 25 يناير المجيدة تفعل للاستمرار بالانفراد بالسلطة المطلقة برفع سلاح التخويف من التطرف الديني وهو الوجه الآخر لعملة الحكم الديكتاتوري، كما أكدت هذه التصريحات أن مؤسستنا العسكرية التي كانت علي طول تاريخها المشرف مؤسسة وطنية وجزءا لا يتجزأ من شعب مصر لن تخون ولن تناور في هذه القضية المصيرية، وأن الدستور الدائم سيحتوي علي ضمانات كافية لتحقيق الدولة المدنية واستمرارها دون إقصاء أي تيار وقوي سياسية.

وعندما نترجم هذه الأقوال إلي واقع سياسي فإننا نري في تفاؤل أن مصر متجهة إلي النموذج التركي للديمقراطية، وأن التيارات الدينية المعتدلة

حتي لو وصلت للسلطة، كما فعل حزب العدالة والتنمية في تركيا ستكون محكومة بدستور مدني يضمن قواعد تبادل السلطة عن طريق صندوق الانتخاب وتحرسه مؤسسة عسكرية وطنية، كما تحرسه قوي شعبية ديمقراطية نجح تحالفها في تفجير ثورة 25 يناير المباركة، ويستطيع دائماً النزول إلي الشارع وسط الجماهير الهادرة للدفاع عن ديمقراطيتنا المكتسبة بدماء شهدائنا الأطهار، وسيظل ميدان التحرير في القاهرة والميادين المماثلة في باقي أنحاء مصر رمزاً لثورة شعب نفض عن كاهله رداء الخنوع والاستسلام ونذيراً لكل من تسول له نفسه الانقلاب علي الدستور أو الدولة المدنية.

والمتتبع للتيارات الدينية المعتدلة مثل حزب الوسط أو التيار الذي يمثله الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح لا يجد في المرجعية الدينية لهذه التيارات خطراً علي الدولة المدنية لو وصلت أو شاركت في الحكم ما دامت ملتزمة بالدستور المدني وما دامت القوي الوطنية الديمقراطية الأخري تجبرها عند اللزوم علي هذا الالتزام، والمتتبع لنتائج انتخابات اتحادات الطلبة الأخيرة، وهي أول انتخابات حرة بعد الثورة المجيدة يجد أن النتائج التي حققتها التيارات ذات المرجعية الدينية أقل من 20٪ من الناخبين وأن الأغلبية الساحقة ذهبت إلي القوي الديمقراطية والليبرالية الأخري، وليس هناك تعارض بالضرورة بين تيار سياسي ذي مرجعية دينية وبين الديمقراطية، وها نحن نري في عدة دول أوروبية أحزاباً ذات مرجعية دينية مثل الديمقراطي المسيحي في كل من ألمانيا وإيطاليا ولكنها لا تجرؤ علي الخروج علي قواعد الدستور أو الآلية الديمقراطية، فالقوي السياسية الأخري تقف لها بالمرصاد في هذه الحالة دفاعاً عن الدولة المدنية، وقد نشرنا في الوفد بتاريخ 4 مارس الماضي تحت عنوان »الإخوان المسلمون من الداخل« مقالاً نقلاً عن مجلة الشئون الخارجية الأمريكية يوضح فيه كاتبه تحليلاً عميقاً لما طرأ علي جماعة الإخوان المسلمين في مصر من تحولات جذرية توضح المذكور في هذا المقال من اضطرار التيار الديني المعتدل بالالتزام بقواعد الدولة المدنية.

ولذلك فإننا نشعر بالطمأنينة علي مستقبل الديمقراطية في مصر ما دامت قوي الحرية التي فجرتها الثورة المجيدة واعية لمسئولياتها السياسية

نحو مصر، وتحيي مؤسساتها العسكرية الوطنية علي تعهدها بحماية الدولة المدنية في مصر.

أما ما جاء في تصريحات ممثلي المؤسسة العسكرية من أقوال نراها تحتاج إلي مراجعة ونتحفظ عليها فهو ما ذكر من أن الديكتاتور المخلوع تنحي عن الحكم بإرادته حتي يجنب البلاد كوارث ضخمة فهو ما لا نتفق معه ولا تتفق معه القوي الوطنية بتاتاً.. كيف يكون الديكتاتور المخلوع قد تنحي عن الحكم طواعية الذي كان يتحكم في كل صغيرة وكبيرة.. وهو الذي أمر وزير الداخلية بإطلاق الرصاص الحي علي المتظاهرين العُزل وقتل منهم سبعمائة شهيد وأصاب قرابة ستة آلاف بطل من أبطال الثورة.. كيف يكون الديكتاتور المخلوع قد تنحي عن الحكم طواعية وهو الذي أمر الطائرات العمودية بسلاح الطيران خلال الثورة بالطيران المنخفض فوق الثوار في ميدان التحرير وغيره لإرهاب الثوار وإطلاق الرصاص الحي عليهم.. ولكن طيارينا الوطنيين الأبطال رفضوا تنفيذ أوامر قتل إخوتهم في الوطن!.. إن الحرس الجمهوري للديكتاتور المخلوع لم يطلق النار علي المتظاهرين لأن مظاهرة الزحف علي قصر العروبة لم تصل إلي أسوار القصر حيث وقف جنود جيشنا الوطني حائلاً بين المتظاهرين وبين الحرس الجمهوري، وهدد قادتهم جنود الحرس الجمهوري بإطلاق النار عليهم لو أطلقوا نيرانهم علي المتظاهرين، وقد رأي مئات الألوف من شهدوا هذا المشهد الوطني الرائع هذه الصورة بأعينهم، أما عجز الديكتاتور المخلوع عن تفجير صراع رهيب ضد الشعب عن طريق رجال أعماله فلم يكن نتيجة حرص من الديكتاتور علي أرواح الشعب بل نتيجة عجز رجال الأعمال هؤلاء من كبار وصغار اللصوص المحيطين بالديكتاتور والمستفيدين من حكمه عن مواجهة الملايين الهادرة من الشعب الثائر.

حاول المجرمون والقتلة السفاحون إجهاض الثورة بكل ما أتاحه لهم المال الحرام من أسلحة وبلطجية ولكن الملايين الهادرة تصدت لهم وسحقت مخططاتهم ولا نظن أن هناك من ينسي »معركة الجمل« الشهيرة عندما حشد مجرمو الديكتاتور من رجال أعماله مئات البلطجية المسلحين فوق ظهور الجمال والخيول واقتحموا ميدان التحرير وقتلوا وأصابوا المئات من الثوار الأشراف إلي أن تمكن الثوار من سحق هجومهم وأسر العشرات منهم وتسليمهم إلي أبطال الجيش الوطني.

نخشي أن يكون ما ذكره ممثلو المجلس العسكري عن أن الديكتاتور المخلوع تنحي عن الحكم طواعية حتي يجنب الشعب صراعاً دامياً هو مقدمة لإبداء شيء من الشفقة والعطف علي الديكتاتور المخلوع حتي يمكن الاكتفاء بالمهانة التي يتردي فيها حالياً وإعفاؤه من العقاب عن جرائم القتل الجماعية التي أمر بها وعن نهب المليارات من أموال الشعب مباشرة وعن طريق أسرته وأصهاره وباقي أفراد العصابة الإجرامية التي ارتكز عليها حكمه.

ولكننا نقول لممثلي المؤسسة العسكرية: إن هذه الشفقة وهذا العطف في غير موضعهما.. وإن فرار القاتل واللص بجرائمه دون عقاب هو تنكر كامل للعدالة ومخالفة صريحة لقول المولي تبارك وتعالي »ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب«.. ونختم بالحديث الشريف لخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه »لعن الله قوماً ضاع الحق بينهم«.

*رئيس لجنة الشئون الخارجية بالوفد