رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محور مصرى ـ تركى يتكون

احمد عز العرب

الخميس, 08 نوفمبر 2012 22:22
بقلم: أحمد عزالعرب

بوضع قطع الموازييك السياسى بجانب بعضها البعض، وبرصد تحركات وتصريحات زعماء المنطقة تبدو لنا صورة محور سياسى مصرى ــ تركى تحت التكوين فى المنطقة لحاجة كلتا الدولتين إليه، وقد صور هذا الوضع أبلغ تصوير أطلعنا عليه الآن الكاتب السياسى تيم آرانجو فى مقالة بجريدة «نيويورك تايمز» بتاريخ 18أكتوبر تحت عنوان «تركيا ومصر تريدان تحالفاً وسط اضطراب الربيع العربى».

فعندما تجد تركيا الحرب على حدودها، وعندما تواجه مصر كل المشاكل الاقتصادية والسياسية التى تواجهها حالياً، تتوجه الدولتان نحو بعضهما البعض لتدعم كل منهما الأخرى بأمل بناء حلف سيمثل تغييراً جذرياً فى الجغرافيا السياسية بالمنطقة نتيجة الربيع العربى، وكما هو واضح فكلتا الدولتين لها طموحاتها الإقليمية وكلتا الدولتين تحكمها حكومات ذات مرجعية إسلامية.
يقول آرانجو فى مقاله إن مصر وتركيا تخططان لرفع قيود تأشيرات دخول مواطنى كل منهما فى الدولة الأخرى، وقد أكملتا مؤخراً مناورات بحرية مشتركة فى البحر الأبيض، وقد قدمت تركيا لمصر حزمة من إجراءات إنعاش الاقتصاد المصرى منها ملياران من الدولارات مساعدة اقتصادية، وهناك كلام عن أن تركيا مستعدة مساعدة مصر فى ترميم مبانى العصر العثمانى فى مصر، ويتوقع أن تتسع الشراكة المصرية التركية ويعلن عن ذلك خلال الأسابيع المقبلة عندما يزور رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوجان مصر، فحزب أردوجان يشترك مع حزب الرئيس المصرى فى المرجعية الإسلامية.
وينبثق هذا الحلف من الزلزال الذى هز النظام الإقليمى عندما سقط الرئيس المصرى مبارك وكذلك من الحرب الأهلية فى سوريا، ورغم أن وضع مصر كان هشاً لمدة طويلة نتيجة ضعفها الاقتصادى وتدهور نفوذها الدبلوماسى فقد ظلت عموداً ثابتاً للاستقرار فى المنطقة بالتحالف مع السعودية والأردن، وكثيراً ما نافست مصر تركيا فى محاولة اكتساب الشارع العربى، وكانت تركيا تدفع نفسها فى موضع حامى الفلسطينيين، مما كان يسبب حرجاً لمبارك، وقد قطعت العلاقات الوثيقة التى كانت تربط تركيا بسوريا مما أضعف الروابط الاقتصادية والسياسية بين تركيا والعرب، والواضح الآن أن مصر هى أقرب شريك لتركيا فى الشرق الأوسط كما يقول جمال سلطان أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ويضيف سلطان أن سبباً جوهرياً

لهذه الشراكة المصرية التركية يعود إلى فقدان تركيا لحليف كبير فى المنطقة وهو سوريا.
وتحاول تركيا تثبيت نفوذها فى المنطقة فى وقت تسود فيه الثورة والحرب بالمنطقة، وذلك عن طريق اتخاذ الخطوات نفسها مع مصر التى سبق لها اتخاذها مع سوريا منذ سنوات قليلة، وأصبح هذا الأسلوب هو حجر الزاوية فى سياسة خارجية تركية موجهة أساساً نحوالشرق الأوسط بعد أن كان توجهها الأساسى نحو أوروبا.
وفى هذه الأثناء فإن مصر جديدة تخرج إلى الوجود بعد عقود طويلة من الحكم الدكتاتورى باقتصاد محطم، وتواجه تحديات مستقبلها بين أيديولوجيات مختلفة ضمنها التيار الإسلامى والليبرالية، والصراع بين هذين الطرفين هو صراع يمكن للتجربة التركية أن تكون القدوة فى كيفية حله.
وربما كان انهيار العلاقات بين تركيا وسوريا دافعاً لتركيا للإسراع بعقد حلف مع مصر، ويزيدمن دوافع هذه الشراكة السياسىة الإسلامية لزعماء البلدين، فحزب العدالة والتنمية الحاكم فى تركيا وحزب الإخوان المسلمين الذى يمثله الرئيس المصرى محمد مرسى متماثلان فى فلسفتهما إلى حد كبير، وهذه الرابطة تقدم فرصة لقيام كتلة إسلامية سنية جديدة وحتى وإن اختلف مفهوم الجانبين فى كيفية التعايش بين الإسلام والديمقراطية السياسية.
ولكن بتقارب الطرفين فإن كلاً من أردوجان ومرسى يخاطران بإغضاب جماهيرهما السياسيين إذا تقاربا أكثر من اللازم مع بعضهما البعض، ففى حالة أردوجان سيواجه بنقد شديد من العلمانيين المتشددين الذين يرون فى أنفسهم ورثة تاريخ مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، الذى فرض عليها العلمانية بالقوة، ورغم كل ما يقال عن أن تركيا تقدم لمصر النموذج لديمقراطية إسلامية فإن كثيرين من المسلمين المحافظين فى مصر يتشككون فى إسلامية النظام التركى ومصداقيتها، فمازال هذا النظام يحظر عمل النساء المحجبات فى الحكومة وغيرها.
ويقول جمال سلطان إن الإخوان المسلمين منقسمون بالنسبة لنلموذج التركى، فبعض المحافظين من قادة الإخوان المسلمين لديهم رؤية لتطبيق نظام
إسلامى أكثر تشدداً جداً فى مصر مقارنة بنظام أردوجان المطبق فى تركيا.
ولكن رغم وجود بعض المخاطر فإن كلتا الدولتين تنظران للعالم كما هو ولا تريان بديلاً لذلك، وعندما تنشئ الدولتان شراكة فى الأمن والشئون الاقتصادية والسياسية، فإن تركيا تزيد من فرص جهودهما لتشكيك السياسات فى الشرق الأوسط بينما تكاد تنعدم أحلامهما فى عضوية الاتحاد الأوروبى التى كانت محور سياستها الخارجية فى الماضى.
ويقول شادى حميد، مدير الأبحاث فى مؤسسة بروكنز بالدوحة عن مصر وتركيا أن العلاقات بينهما أدفأ من أى وقت مضى طوال الحقبات الأخيرة، ويضيف أن تركيا قد أصبحت الزعيمة الفعلية للعالم العربى مع أنها دولة غير عربية.
ومنذ عدة أسابيع عندما عقد حزب أردوجان مؤتمره السنوى فى أنقرة كان المنظر صورة من الحلف الجديد فى الشرق الأوسط تمسك تركيا بدفته، وقال الرئيس مرسى فى خطابه للمؤتمر إنه يقدم الشكر العميق لتركيا لما قدمته حكومة تركيا وشعبها من تأييد لمصر ولما ستقدمه مستقبلاً، وعندما ألقى خالد مشعل، القائد السياسى لحركة حماس، خطابه أمام المؤتمر توجه لأردوجان قائلاً: إنك لست فقط زعيماً لتركيا، فأنت أيضاً زعيم العالم الإسلامى، وقوبل خطابه بالتصفيق الحاد من الحضور وهم وقوف.
ولكن الدور الإيجابى لتركيا فى المنطقة مازالت تشوبه ذكريات السيطرة العثمانية الماضية، وسوء معاملة الحكم العثمانى الماضى للعرب، ولذلك فإن الشراكة بين الجانبين قد تنزلق إلى منافسة للسيطرة على المنطقة، خاصة إذا استطاعت مصر تحقيق الاستقرار السياسى والانتعاش الاقتصادى.
ويقول بول سوليفان، خبير الشرق الأوسط بجامعة جورج تاون الأمريكية مازال العقل الباطن المصرى يؤمن بأن مصر يجب أن تكون زعيمة المنطقة، وكدليل على تغيير الدور التركى فى المنطقة فلنسمع قصة محمد بيطار، فعلى مدى عقدين اعتاد المواطن السورى محمد بيطار قضاء إجازاته بتركيا مستخدماً سيارته وملتقطاً لمئات الصور لرحلاته، وعند عودته لدمشق مرة نشر دليلاً سياحياً بالعربية عنوانه: «تركيا الجنة على الأرض» وعلى غلاف الدليل صورة مسجد على ضفاف البحر الأسود، وبسبب هذا الدليل السياحى قضى 23 يوماً بالسجن، متهماً بأنه عميل للموساد بسبب علاقات تركيا القوية بإسرائيل عندئذ، أما حالياً فإن محمد بيطار يعيش وسط الآلاف من اللاجئين السوريين الذين فروا إلى تركيا هرباً من الحرب، ويعمل على افتتاح مطعم يقدم الوجبات العثمانية والعربية على السواء، ويقول «بيطار»: «إننا نحترم تركيا لأنها دولة تدار إدارة حسنة، إننى سورى ولكنى أتمنى أن تقود تركيا المنطقة».
وفى نهاية هذا العرض للأحوال المتغيرة بالمنطقة وللتقارب المصرى ــ التركى الذى ينبئ بقيام محور سنى فى المنطقة نتذكر ما قاله الاستعمارى البريطانى العجوز الراحل ونستون تشرشل: «إننا ليس لنا أصدقاء دائمون أو أعداء دائمون، ولكن لنا مصالح دائمة».
نائب رئيس حزب الوفد