رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ديمقراطية إسرائيل الغاربة ومصيرها

احمد عز العرب

الخميس, 04 أكتوبر 2012 22:35
بقلم: أحمد عزالعرب

لو كان كاتب هذا المقال أجنبياً معادياً لإسرائيل لقالت الدعاية الصهيونية إنه مجرد تشويه متعمد لسمعة الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط، ولكن كاتب المقال الذى نشر فى 5 أغسطس بجريدة نيويورك تايمز الصهيونية الهوى والملكية هو أبراهام بورج أحد أكبر زعماء إسرائيل ورئيس الكنيست السابق وابن أحد مؤسسى الدولة وزعماء الحزب القومى الدينى السابقين.

يقول بورج إنه عندما يزور أحد مرشحى الرئاسة الأمريكيين إسرائيل فإن رسالته لشعبها هو تشجيعنا على الإعداد للحرب العدوانية على إيران، وأن مهمته هى تأييد رئيس وزرائنا المتعطش للحرب.. عندئذ تدرك أن شيئاً عميقاً قد تغير فى العلاقة بيننا وبين أمريكا.
فقد ولد جيلى فى الخمسينيات من القرن العشرين، ونشأ على اعتقاد شبه مقدس أن بلدينا تعتنقان القيم نفسها من الديمقراطية وحقوق الإنسان، كان جيل أحلام بناء عالم جديد لا يعرف التعصب أو العنصرية والتمييز.
ولكن عندما نستمع إلى الحديث السياسى اليوم لا نستطيع تجنب ملاحظة التغير الجذرى فى النغمة، لقد رأى أولادى رئيس وزرائنا نتنياهو يستسلم لتحالف متطرف فى إسرائيل، واقتنعوا بأن ما يربطنا بأمريكا حالياً ليس القيم الإنسانية، ولكن مجموعة من المصالح العدوانية، فكيف حدث هذا التغيير؟ أين أمريكا المثالية وأين إسرائيل الطيبة وماذا حدث لهما؟
إن أكبر إنجازات نتنياهو هو أنه جعل إسرائيل موضوعاً حزبياً فى أمريكا ودفع بيهود أمريكا إلى الحائط، وجعلهم يتخذون قرارات سياسية مبنية على ما هو ضد مصالح أمريكا، واختلت معاييرهم واضطر اليهود للضغط على إدارة أوباما لتعمل عكس ما ينقذ إسرائيل من نفسها.
لقد نشأت إسرائيل كدولة مدنية ديمقراطية اشتراكية تنتمى لديمقراطيات أوروبا الغربية، ولكن بمرور الوقت تغيرت قيمها جذرياً، فإسرائيل اليوم دولة دينية رأسمالية، يتحكم أكثر المتطرفين دينياً فى تفسيرها للدين، وقد محت رأسماليتها أغلب ما تحقق فى الماضى من تضامن اجتماعى ودولة خدمات لمواطنيها، إن إسرائيل اليوم تصف نفسها بأنها دولة يهودية ديمقراطية، ولكن لأنها لم تضع أبداً دستوراً يحدد حقوق وواجبات السلطة، فإنها على وشك صدام اجتماعى هائل، ففى أيام الدولة الأولى كانت كلمة «يهودى» تعنى جنسية مدنية، مثل كلمة إيطالى أو فرنسى وبمرور السنين تغير هذا

المفهوم، فمعنى كلمة «يهودى» اليوم هى دينى وعنصرى.
ارتفع التضامن الدينى على السلطة الديمقراطية، وأصبحت إسرائيل أكثر تطرفاً وأقل حداثة، أكثر انعزالاً وانغلاقاً عن العالم الخارجى، إننى أرى هذا التحول فى أسرتى نفسها، فقد كان أبى أحد مؤسسى الدولة وأحد قادة الحزب القومى الدينى، كان حاخاماً مستنيراً وفيلسوفاً، أما أغلبية الجيل الحالى فأكثر انغلاقاً، وبعضهم غاية فى التطرف وخاصة مستوطنى الأراضى العربية، لم يكن هذا التطرف هو الهدف من إنشاء دولة يهودية، كان المهاجرون إليها يحكمون بحكومة إنسانية وآمنة لليهود، وكان الآباء المؤسسون يعتقدون أن الديمقراطية هى الطريق الوحيد لتنظيم مجتمع متعدد الأهواء والأفكار.
كان الجمع الحديث بين الديمقراطية واليهودية مفروضاً أن ينتج عنه مجتمع راق متعدد الأفكار، وكان مفروضاً أن الدولة ستكون ديمقراطية تحمى اليهود ضد الاضطهاد، وكان الأمل أن الثقافة اليهودية العميقة فى أخلاقياتها ستكون حائطاً يمنعنا من اضطهاد الآخرين.
ولكن شيئاً سيئاً حدث فى نظام الممارسة الديمقراطية اليهودية، فإننا لم نعتن بالتفكير فى المواطنين الفلسطينيين فى إسرائيل فى إطار ديمقراطيتنا، كما أننا لم نحاول أن نفصل بين المعبد والدولة، بل فعلنا العكس، وأسوأ شىء أننا لم نتنبأ بالآثار الشريرة التى ستنتج عن قمعنا لشعب آخر نحتله دون إرادة واليوم انفجرت فى وجوهنا كل الأمور التى أهملناها وأصبحت تطاردنا كأرواح شريرة.
إن رياح العزلة وضيق الأفق تهب الآن على إسرائيل، ويقوم سماسرة السياسة المتعجرفون الذين يشغل بعضهم مناصب عليا فى حكومتنا باستبعاد كل غير اليهود من الحياة العامة، وتفضح الشعارات التى يكتبونها على الحوائط فى الشوارع حقيقة مشاعرهم وأحلامهم، إنهم يريدون إسرائيل نقية دون عرب ودون أجانب، إنهم لا يدركون ما تفعله أفكارهم الاستبعادية للغير من ضرر لإسرائيل ولليهودية ولليهود فى الدول الأخرى، وفى غيبة دستور ملزم فإن إسرائيل ليست لديها حماية حقيقية للأقليات التى تعيش فيها
ولحريتهم الدينية والمدنية.
وإذا استمر هذا الاتجاه فإن كل مظاهر الديمقراطية ستختفى يوماً ما، وستصبح إسرائيل مجرد دكتاتورية دينية كباقى دول الشرق الأوسط، لن يكون من الممكن تعريف إسرائيل كدولة ديمقراطية عندما تصبح أقلية يهودية هى الحاكمة لأغلبية فلسطينية تعيش بين البحر الأبيض ونهر الأردن، وتحرم هذه الأغلبية من حقوقها السياسية والقانونية.
مثل هذه الإسرائيل ستكون أكثر يهودية بأضيق حدود المعنى، ولكن مثل هذه الإسرائيل غير الديمقراطية والمعادية لجيرانها، والمعزولة عن العالم الحر لن تستطيع الاستمرار فى الحياة طويلاً.
ولكن هناك بديلاً آخر، فكما حدث فى أيرلندا الشمالية أو جنوب أفريقيا، حيث لم يعد المواطنون يقتلون بعضهم البعض، سيكون من الواضح أن الكثير من الإسرائيليين لن يريدوا العيش فى ديمقراطية عرقية، أو يريدوا التنازل عن العيش فى سلام، أو يريدوا السلبية كمواطنين يعيشون فى دولة تطرد أقلياتها أو تقوم بالتطهير العرقى لمواطنيها الذين كانوا السكان الأصليين.
فى هذا اليوم فقط بعد كثير من المعاناة والمقاطعة، وربما سفك الدماء سنفهم عندئذ أن الطريق الوحيد عندما نختلف هو الديمقراطية الحقيقية المبنية على دستور مدنى تقدمى، ديمقراطية تفرق بين الخلافات العرقية وبين حق المواطن  الكاملة للجميع، وتفصل بين الدين والدولة، وترفع قيم الحرية والمساواة لكل من يعيش على أرض إسرائيل المعترف دولياً بحدودها.
إن الدستور الذى طال انتظاره يستطيع إيجاد دولة يملكها كل مواطنيها وتديرها حكومة عادلة مع جميع مواطنيها دون تمييز بينهم على أساس دينى أو عرقى أو جنسى هذه هى المبادئ التى قامت عليها إسرائيل والقيم التى ربطتنا بأمريكا فى الماضى، أعتقد أن إنشاء دولتين متجاورتين لشعبين هو أفضل حل ولكن إذا كان قادتنا قصيرى النظر وأضاعوا هذه الفرصة، فإن المبادئ نفسها يجب تطبيقها فى دولة واحدة تجمع الشعبين، عندما تطبق إسرائيل ديمقراطية حقيقية سيذهب رئيس وزرائنا للكونجرس فيصفق له الجميع كلما ذكر كلمة «السلام»، وسيصدقون عندما يتحدث عن العدل والمساواة كقيم يهودية حقيقية.
ولكل من يبتسم فى سخرية عندما يقرأ هذا الكلام أقول للأمريكيين: نعم مازلنا نستطيع وأقول للإسرائيليين: إذا قررتم ذلك فلن يكون حلماً.
وإلى هنا ينتهى مقال رجل من أبرز قادة إسرائيل، ولا نستطيع أن ننكر عليه حقه فى الدفاع عن دولة وتبرير جرائمها، ولكن من حقنا أن نذكره بأن فكرة إنشاء إسرائيل التى احتضنها الغرب لتكون قاعدته العسكرية للسيطرة علينا، وإنشائها على حساب تشريد الشعب الفلسطينى لا يمكن أن تكون نتيجتها دولة ديمقراطية إنسانية كما يريد بورج أن يقنعنا، فالمصير الذى دفع الغرب اليهود إليه بإقامة إسرائيل يحمل فى طياته جرثومة فتاكة وينتهى مع الأسف فى المستقبل غير البعيد إلى مأساة دامية لليهود يدفع العرب فيها دماء غزيرة.

نائب رئيس حزب الوفد