تطور الصهيونية نحو الانهيار

احمد عز العرب

الخميس, 30 أغسطس 2012 22:50
بقلم: أحمد عزالعرب

طالما كتبنا وكتب المئات غيرنا أن مشروع الاستيطان الإسرائيلى فى فلسطين هو مشروع يحمل داخله جرثومة فنائه، فخلال أقل من قرن من الزمان سيزيد عدد العرب داخل إسرائيل والأرض المحتلة على ضعف عدد اليهود ويكون أمام الدولة العبرية إما التحول لدولة أقلية عنصرية «أبرتايد» مثل ما كانت جنوب أفريقيا خلال حكم الأقلية البيضاء وهو وضع مؤقت محتوم بالانهيار كما حدث فعلاً، وإما انهيار سلطة الأقلية وتحول اليهود إلى أقلية مميزة داخل أرض فلسطين التاريخية، كما حدث لبقايا الأوروبيين فى الشام بعد نهاية الحروب الصليبية فأصبحوا أقلية كانت نواة الطائفة المارونية فى لبنان الحالى.

وقد كتب المفكر الإسرائيلى اليسارى الشهير أورى أفنيرى على موقعه بالإنترنت مقالاً مميزاً يستعرض فيه تاريخ الصهيونية بتاريخ 3 أغسطس ويتنبأ فيه بنفس المصير للمشروع الاستيطانى الصهيونى فى فلسطين.
يقول أفنيرى إن الفكرة الصهيونية التى تركزت حول إنشاء دولة يهودية فى فلسطين بدأت سيئة السمعة فى عيون معظم اليهود عند نهاية القرن التاسع عشر وقيام تيودور هرزل بالمناداة بهذه الدولة كما هو معروف تاريخياً، ويستطرد قائلاً إنه بعد قيام دولة إسرائيل سنة 1948 أصبحت الصهيونية هى الأساس العقائدى للدولة، والمبرر لكل ما تقوم به من أعمال.. وربما أكون أنا الوحيد فى إسرائيل الذى لديه شهادة رسمية بأنى غير معاد للصهيونية.
وقد حدث ذلك عندما قمت مع أصدقائى سنة 1975 بتأسيس المجلس الإسرائيلى للعلاقات الإسرائيلية العربية واتهمنا اليمينيون بالعداء للصهيونية، وأصر زملائى على مقاضاة متهمينا ومطالبتهم بالتعويض، ولما كنت قد نشرت كتاباً منذ سنوات بعنوان «إسرائيل بدون صهيونيين»، فقد طلبنى محامى خصومنا للشهادة وحاول إثبات عدائى للصهيونية من عنوان الكتاب، وفى نهاية المرافعة قبل القاضى تفسيرى بأن ما هو «إسرائيل بعد الصهيونية» عنيته.
وقد شرحت للقاضى أن الصهيونية كانت حركة تاريخية حققت الكثير ولكن كانت لها جوانبها المظلمة، ولكنها انتهت بقيام دولة إسرائيل، كانت الصهيونية هى الرافعة التى بنيت عليها الدولة، ولكن فور قيام بناء الدولة يتعين إزالة الرافعة وعلى هذا الأساس حكم القاضى بأنى لست معادياً للصهيونية، وحكمت على خصومنا بتعويض مالى كبير لنا قمنا بتمويل نشاطنا السياسى منه.
واليوم فإن تعبير «الصهيونية» فى إسرائيل يعنى معانى عديدة، فبالنسبة لليهود الإسرائيليين العاديين يعنى الوطنية الإسرائيلية فهم يعتبرون إسرائيل دولة اليهود، وهذه التعبيرات نفسها تتضمن تفسيرات عديدة، فالإسرائيلى العادى يعنى بها أن اليهود حول العالم هم شعب مستقل وأن إسرائيل هى بلده، ولكن اليهودى لا يحصل على جنسيتها قبل أن يهاجر لإسرائيل، أما يهود الشتات فلم يطلب منهم أحد أن يحددوا إن كانت إسرائيل وطنهم أم لا.
ومن هذه النقطة تتعدد التفسيرات فى عدة اتجاهات،

ففى البداية كان اللون الغالب للصهيونية هو اللون الأحمر، فقد كان الحلم الصهيونى مختلطاً بالاشتراكية وليس بالضرورة الشيوعية، كانت حركة بناء الدولة قبل قيامها يسارية يسيطر عليها تماماً اتحاد العمال واتجاه نشر الاستيطان فى فلسطين المعروف باسم «الكيبوتز».
وبالنسبة لليهود المتدينين كانت الصهيونية تعنى التمهيد لظهور المسيح الذى سيظهر حتماً لو التزم اليهود بمراعاة السبت المقدس، كان اليهود المتدينون يريدون أن تحكم إسرائيل بشريعة التوراة، كما ينادى التيار الإسلامى بالحكم بالشريعة الإسلامية.
أما اليمين الصهيونى فيريد أن تعنى الصهيونية دولة يهودية على كل أرض فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، والتى يسمونها أرض إسرائيل، ولا مانع من وجود عدد قليل جداً من غير اليهود يعيش فى إسرائيل.
أما تيودور هرزل، مؤسس الدولة، فكان يريد دولة ليبرالية مدنية، أما أعلام اليهود من معتدلين مثل مارتن بوبر وألبرت أينشتاين ومتطرفين مثل جابوتنسكى، فكانوا جميعاً يعتبرون أنفسهم صهاينة، وكان الحاخام الفاشستى مائير كهانا أيضاً يعتبر نفسه صهيونياً.
يعتبر الكثير من أعداء الصهيونية المتعصبين حول العالم ـ وبعضهم من اليهود ـ أن الصهيونيين كلهم فصيل واحد، وبذلك تسهل كراهيتهم، ولكن عشاق صهيون يرفض الكثير منهم مجرد الحلم بأن يهاجروا إلى إسرائيل ويعيشوا فيها.
صورة غريبة متنافرة للصهيونية فى جملتها، ولكن الصهيونية اليوم فى القبضة القوية لليمين المتطرف، خليط من الوطنيين والمتعصبين دينياً وسكان المستوطنات المبنية على أرض عربية، ويساعد كل هؤلاء أغنى أغنياء اليهود فى إسرائيل وخارجها.
هؤلاء مجتمعين يتحكمون فى الإعلام مباشرة فهم يملكون كل الصحف ومحطات التليفزيون.
وفى سبيل الصهيونية يقومون بإجبار البدو داخل إسرائيل بإخلاء الأراضى التى يعيشون عليها لقرون عديدة، وفى سبيل الصهيونية أعطيت مدرسة للمستوطنين مبنية فوق أرض عربية مغتصبة صفة الجامعة بأمر من الحاكم العسكرى، مما يزيد فرص مقاطعة الجامعيين حول العالم للجامعات الإسرائيلية، وتقوم المئات من المبانى فى المستوطنات على أرض عربية مغتصبة وكل ذلك باسم الصهيونية.
وفى رام الله عاصمة السلطة الفلسطينية تقوم القوات الإسرائيلية بمطاردة واصطياد اللاجئين الأفارقة الذين يتسللون لإسرائيل بحثاً عن عمل، والواقع أن وزير داخليتنا المفتون بمطاردة الأفارقة المتسللين يستعمل كلمة الصهيونية فى كل قراراته، وباسم الصهيونية يرسل وزير تعليمنا اليمينى المتعصب أطفال المدارس الإسرائيلية فى رحلات «غسيل مخ» داخل الأراضى المحتلة للأماكن المقدسة ليزرع فيهم فى هذه السن المبكرة أن
كل أرض فلسطين ملك لنا، ولمزيد من تقوية معتقداتهم الصهيونية يرسل الأطفال إلى معسكر الاعتقال النازى السابق «أوشفيتز».
ويزعم المستوطنون، بشىء من التبرير، أنهم وحدهم الصهيونيون الحقيقيون وأنهم الورثة الحقيقيون للمائة والثلاثين عاماً من الاستيطان والتوسع الصهيونيين ويعطيهم هذا الحق فى الحصول على مبالغ سخية من الدولة لأنشطتهم، بينما تفرض ضرائب جديدة على أكثر الفقراء فى إسرائيل.
وتوجه الوكالة اليهودية وهى فرع للتنظيم الصهيونى العالمى، معظم مواردها للمستوطنين، وليست هناك مجموعة فى الكنيست الإسرائيلى بخلاف المجموعتين العربيتين الصغيرتين والمجموعة الشيوعية والأروثوذكس، لا تجاهر بولائها الكامل للصهيونية، والواقع أن اليسار الصهيونى يزعم بأنه أكثر صهيونية من اليمين الصهيونى إلى أين يقودنا كل ذلك؟ إن السياسة الصهيونية المتطرفة للدولة اليهودية تحمل فى داخلها جرثومة فنائها، فسياسة حكومتنا مبنية على المحافظة على الوضع الحالى، كل أرض إسرائيل ـ فلسطين التاريخية تحت الحكم الإسرائيلى والضفة العربية وسكانها من الفلسطينيين ليست لهم حقوق قومية أو مدنية، وإذا حدث عند منعطف ما مستقبلاً أن تقرر حكومة يمينية ضم الضفة الغربية وغزة رسمياً لإسرائيل مثل الجولان والقدس فلن يعترف العالم بهذا الضم، لن يكون هناك فرق فمعظم الفلسطينيين محصورون فى كانتونات منعزلة مثل ما كان حادثاً بجنوب أفريقيا أيام حكم الأقلية البيضاء العنصرى.
وفى إسرائيل الكبرى هذه سيمثل الفلسطينيون 40٪ من السكان سيتزايد عددهم سريعاً ليصبحوا 50٪ وأكثر، مما يجعل من الصعوبة تسمية الدولة باليهودية، إن الدولة اليهودية الديمقراطية أصبحت شيئاً فى الماضى، وطبعاً ليس هناك فى إسرائيل من يحلم بمنح عرب إسرائيل الكبرى حق المواطنة الكاملة والديمقراطية، إذ إنها فى هذه الحالة ستصبح دولة فلسطينية عربية، والطريق الوحيد لتفادى ذلك هو التطهير العرقى على نطاق واسع، وبعض هذا يحدث الآن فعلاً بصفة سرية فى المناطق المنعزلة، فلوقت طويل حالياً فى بعض المناطق المنعزلة فى الضفة الغربية جنوباً على حافة الصحراء جنوب الخليل حاولت سلطات الاحتلال ترحيل كل العرب، وخلال هذا الأسبوع أعلن إيجود باراك، وزير الدفاع، أن المنطقة عسكرية للتدريب على ضرب النار، ولابد من إخلائها فوراً، ومن يبقى من السكان يعرض نفسه لقتل، ويمكن لمزارعيها العرب العمل أيام السبت فقط عندما يكون الجيش فى إجازة.
إن عدد الفلسطينيين حالياً فى إسرائيل الكبرى خمسة ملايين، مقابل ستة ملايين يهودى يعيشون بين النهر والبحر ويصعب جداً تصور أماكن التطهير العرقى لهذا العدد، والاحتمال الأكبر هو دولة عنصرية سيصبح اليهود فيها قريباً أقلية وهذه حقيقة لم يتخيلها مؤسسو الدولة الصهيونيون.
البديل الوحيد هو السلام ووجود دولتين فلسطين وإسرائيل جنباً إلى جنب ولكن هذا ما يسمى عصر ما بعد الصهيونية والعياذ بالله!!
إن قادتنا يتهربون من هذه الحقيقة بطريقة بسيطة وهى عدم التفكير فيها، وعدم الحديث عنها، حيث يفضلون استمرار الحديث عن الصهيونية، وترديد شريط العبارات الجوفاء.
ولكن فى وقت ما مستقبلاً سيتعين مواجهة تناقضات الصهيونية.
وإلى هنا ينتهى التحليل العميق للدولة اليهودية ومصيرها الذى تدفعها إليه مشاعر التعصب الجنونى لدى اليمين المتطرف فى إسرائيل. إن أورى أفنيرى ليس عميلاً للفلسطينيين، ولكنه إسرائيلى مخلص لوطنه الذى حارب من أجله فى عدد من حروب إسرائيل العدوانية على جيرانها وكل ما يفعله الرجل أن يقرع ناقوس الخطر لمواطنيه، منبهاً إياهم بما يحمله المستقبل لهم من كارثة إذا لم يستجيبوا لصوت العقل قبل فوات الأوان فهل يفعلون؟
-----
نائب رئيس حزب الوفد