رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

قوموا فقد حان القيام

احمد عز العرب

الجمعة, 20 أبريل 2012 09:06
بقلم /أحمد عز العرب

يحكي التاريخ أن قبيل سقوط الدولة الأموية سنة 132 هجرية بدأت سحب التمرد تتجمع في إقليم خراسان بقيادة القائد الشهير أبو مسلم الخراساني الذي دفعه العباسيون للثورة لاسقاط الدولة وإقامة الدولة العباسية علي أنقاضها،

وكان الحاكم الأموي في اقليم خراسان هو نصر بن سيار الذي أرسل يستنجد بالخليفة الأموي في دمشق لإرسال مدد يواجه به التمرد العباسي ولكن الخليفة مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين ظل ساكتا لا يستجيب لاستغاثة والي خراسان، ولما بلغ اليأس بالوالي مداه أرسل إلي الخليفة في دمشق رسالة من أربعة أبيات من الشعر خلدها التاريخ ونصها:
أري خلل الرماد وميض نارٍ
ويوشك أن يكون له ضرام
فإن لم يطفها عقلاء قوم
يكون وقودها جثث وهام
أقول من التعجب ليت شعري
أأيقاظ أمية أم نيام
فإن كانوا لحينهمو نياما
فقل قوموا فقد حان القيام

وشيء مماثل كهذا الموقف - وان اختلف الزمن واختلفت الدوافع يجري اليوم علي المسرح السياسي بالشرق الأوسط، فقد تفجرت ما عرف بثورات الربيع العربي في عدة دول أكبرها وأكثرها تأثيراً مصر، ونجحت الثورة في اسقاط رأس أفعي النظام الحاكم بفضل تضحية وثبات مئات الألوف من شباب مصر الذين وهبوا حياتهم وجهدهم تماما لهذه الثورة واستجابت لهم الملايين، سقط رأس أفعي النظام الحاكم ولكن جسد الأفعي ظل قوياً سليماً ينتظر اللحظة المناسبة للعودة إلي المقدمة برأس جديد، ضحي جسد الأفعي برأسها لسببين رئيسيين أولهما أن الملايين التي نزلت إلي الشوارع تؤيد الآلاف من الشباب الطاهر الذي فجر الثورة كانت من القوة والاصرار لدرجة اجتاحت أمامها أكثر من مليون من جنود الأمن المركزي الذين حشدهم النظام الذي سقط رأسه، فلم يكن ممكنا الدفع بقوات الجيش التي لا يتجاوز حجمها أربعمائة ألف جندي لتقوم بما فشلت فيه قوي القمع التي اطلقت لسحق الثورة، خصوصاً أن كيان هذا الجيش هو جزء لا يتجزأ من كيان الشعب وليس جيش عشيرة أو طائفة كما هو الحال في بعض البلاد العربية المجاورة، والسبب الثاني للتضحية برأس الافعي حتي يظل جسدها سليماً هو أن الرأس كان قد أصابه تيبس وجنون سلطة كامل لدرجة أنه كان يسعي لاخراج رأس جديد من داخله يرث ملكه ويجلس فوق نفس الجسد،

مما اصيب معه الجسد بقلق شديد خوفا علي مزاياه التي كونها علي مر السنين والتي كان الرأس الجديد المحتمل وبطانته النهمة يهدد هذه المزايا بأفدح الاخطار.
سقط رأس الافعي وبقي جسدها ممسكاً بخيوط السلطة علي الساحة وحوله القوي الرئيسية الموجودة علي المسرح السياسي، وتسابقت هذه القوي دون وعي بارتكاب الاخطاء الفادحة التي كادت في النهاية تمكن جسد الافعي الممسك بخيوط السلطة من الالتفاف حول رقابها كلها وخنقها بعد أن يكون قد أنتج رأساً جديدا له، أول هذه القوي كان مئات الالوف من الشباب الطاهر الذي قام بهذه الثورة، ولكنه لم يفهم أنه ربما يكون قد نجح في اسقاط نظام، ولكن إقامة نظام جديد مكانه لتحقيق أهداف الثورة التي اعلنوها كان يحتاج حتما لاقامة تنظيم سياسي قوي يخوض به الانتخابات ويكسبها ليحكم باسم الثورة أو يحارب اعداءها علي الساحة السياسية والفكرية حتي تتحقق أهداف ثورته، تماما كما فعل حزب الوفد الذي نشأ مع ثورة عام 1919 الخالدة ووصل بها بعد خمس سنوات من الصراع إلي الحكم الديمقراطي لأول مرة في تاريخ مصر، وكانت ثاني قوة علي الساحة هي قوة الاسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الاخوان المسلمين التي نشأت منذ أكثر من ثمانين عاما في صورة تنظيم حديدي فاشستي التوجه في ظروف ليس هذا مجال تفصيلها، تعرضت الجماعة طوال تاريخها لاقصي أنواع القمع ولأكثر مغريات المكاسب السياسية التي كان يقدمها لها إما حكومات الأقلية التي حكمت خلال فترة العهد الملكي وإما حكومات الديكتاتورية العسكرية التي اعقبت سقوط النظام الملكي، وجد تيار الاسلام السياسي في الثورة فرص العمر للوصول للسلطة لأول مرة في تاريخه، ورحب جسد الافعي القابض الفعلي علي زمام السلطة بهذه السذاجة السياسية من التيار الديني وراح يقدم له فرصة بعد أخري ليقنعه أن الفصيل المفضل لدي القابضين علي زمام السلطة، وأتاح له السيطرة علي مجلس البرلمان
وعلي لجنة وضع الدستور، ولعبت نشوة السلطة وخمرها المسموم برأس هذا التيار فتطلع أخيراً إلي ضم منصب رأس الدولة إلي سلة مكاسبه، وقام طواعية بضرب عرض الحائط بكل اتفاقاته مع باقي القوي السياسية علي الساحة بشأن اقتسام السلطة، وعدم انفراد أي فصيل بها في المرحلة الانتقالية حتي يرسخ نظام ديمقراطي تحقق به الثورة أهدافها، نسي التيار الديني تماماً أن القابضين علي زمام السلطة تسندهم كل قوي الشر المحيطة بمصر من وهابية تري في نجاح الثورة ضياعا لها، ومن استيطان صهيوني يري في نجاحها بداية نهايته، ومن مظلة استعمار أمريكي ترفرف اجنحته فوق كل القوي المعادية للثورة، أما في الداخل فالفلول التي ضاع نفوذها قدمت كرأس حربة لأي جهد تخريبي لأمن البلد واقتصاده، واغدق الاشرار عليها المليارات المنهوبة من مصر والتي تدفقت عليها من أعداء الخارج المرعوبين من الثورة.
أما القوي الثالثة والأخيرة علي الساحة السياسية فكانت الاحزاب المدنية العديدة التي تراوحت إيديولوجياتها من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار، والتي وجدت نفسها كالراقص علي السلم، ولجأ العديد منها في بحثه عن دور يقوم به إلي التأرجح بين مهادنة السلطة القائمة بحثا عن أي مكاسب وبين محالفة التيار الديني في تحديه للسلطة أحياناً، ولكن تقضي أمانة العرض أن نذكر أن هذه القوة الثالثة ضمت في صفوفها مجموعة من أشرف الرجال والنساء الذين أيدوا الثورة من بدايتها ولم يستجيبوا قط لذهب المعز أو سيفه.
وأخطأ الجسد الأفعي أفدح أخطائه حينما ظن أن الساحة قد أصبحت مهيأة ليكشف عن حقيقة نواياه وعدائه الشديد للديمقراطية، واذا به يدفع إلي مقدمة السباق علي منصب الرئاسة بوجه من أكثر الوجوه كراهية لدي الاغلبية الساحقة، وجه له رصيد من الدموية والجرائم المنسوبة لرأس الأفعي الذي سقط تجعل فكاكة من مسئوليتها مستحيلا، فجأة تكتشف كل القوي السياسية علي الساحة الفخ الذي نصب لها والخديعة التي سقطت فيها إما بتقاعسها عن انشاء تنظيم سياسي يحقق أهداف الثورة، وإما بجشعها نتيجة خمر السلطة التي لعبت برأسها وظنت أنها اصبحت حقيقة لا سراباً، وإما بترددها وانتهازية الكثير من أفرادها في بحثهم عن فتات موائد السلطة.
تقف كل القوي اليوم أمام لحظة الحقيقة والتحدي المصيرية، فإما أن تتحد تماما علي برنامج وطني لتقاسم السلطة وإقامة مؤسساتها الديمقراطية كما فعل الشعب الاسباني عقب وفاة فرانكو ونهاية ديكتاتوريته، وإما أن تتقاعس وتترك مصيرها في يد الثورة المضادة التي تحشد الآن دون أي حياء أصوات الجنود والموظفين التابعين لها بالبطش والتهديد لتأييد مرشحها وتزوير الانتخابات له.
الكل في مركب واحد الآن، فإن غرق المركب فلن ينجو أحد.
ولا نجد نهاية لهذا المقال أفضل من السطر الأخير في رسالة الوالي الأموي لخليفته:
فإن كانوا لحينهمو نياما
فقل قوموا فقد حان القيام
-----
نائب رئيس حزب الوفد