رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الثورات العربية تتراجع

احمد عز العرب

الجمعة, 23 مارس 2012 09:22
بقلم- أحمد عزالعرب

نشر الصحفى الأمريكى اليهودى الشهير توماس فريدمان فى 28 فبراير بجريدة «نيويورك تايمز» مقالاً بعنوان «احذروا التنين» يشرح فيه من وجهة نظره أسباب ما يعترى الثورات العربية حالياً من عقبات وثورات مضادة، وكعادة فريدمان فى خلط الأوراق فهو يغفل تماماً الدور المدمر الذى تقوم به أمريكا وعملاؤها فى المنطقة ويلقى باللوم على شعوبها وحكامها، وعملاً بأمانة العرض فنحن ننشر مقال فريدمان كما جاء ونحتفظ بالتعليق عليه عند نهايته.

يقول فريدمان إنه بعد بدء الصحوة العربية كان من المعقول أن نتوقع الأمل فى إمكانات المستقبل بالنسبة للدول التى تقوم بعملية التحول العسيرة من الحكم الدكتاتورى إلى الديمقراطية، ولكن فى الفترة الأخيرة، وعندما ننظر بأمانة إلى المنطقة فلا نملك إلا استنتاج أن احتمالات التحول المستقر نحو الديمقراطية فى المستقبل القريب تتضاءل، من المبكر جداً أن نفقد الأمل، ولكن ليس من المبكر أن نبدأ فى القلق.
يعلم الله أن السبب ليس نقصاً فى شجاعة الشباب العربى والمواطنين العاديين الذين بدأوا هذه اليقظة بحثاً عن الكرامة والعدل والحرية ولكن سبب القلق حقاً هو بقاء قوة ونفوذ الحرس القديم المتغلغل والأفكار العتيقة فى هذه الدول والتى تتغلغل فيها أكثر كثيراً مما يظن الناس، وضعف أو انعدام وجود مؤسسات وتقاليد ديمقراطية.
يقول مايكل ماندلباوم، خبير السياسة الخارجية فى مدرسة جون هوبكنز الدولية للدراسات المتقدمة، إن هناك قولاً مأثوراً يقول إنه فى داخل كل رجل سمين هناك رجل نحيف يريد الخروج من الجسد السمين، ونحن من جانبنا نعتقد أنه فى داخل كل نظام شمولى هناك تيار ديمقراطى يريد الخروج منه، ولكن قد لا يكون ذلك صحيحاً بالنسبة للشرق الأوسط، كان ذلك صحيحاً تماماً فى شرق أوروبا سنة 1989، ولكن هناك فارقين جوهريين شرق أوروبا والشرق الأوسط، فكثير من دول أوروبا الشرقية كان لديها ماض قريب من الليبرالية تستطيع الاستناد إليه بعد أن سقط عنها النظام الديكتاتورى الذى فرضته الشيوعية السوفيتية، كما كان لشرق أوروبا نموذج وقطب من الاقتصاد الحر والديمقراطية تستطيع الاتجاه إليه وهو دول الاتحاد الأوروبى الملاصق لها، ولكن معظم الدول العربية والإسلامية لم يكن لديها ماض ليبرالى قريب أو قطب مجاور يستطيع جذبها، ولذلك فعندما ارتفع عنها غطاء الحكم الدكتاتورى فإن القطب الذى جذبها لم يكن الليبرالية بل التيار الإسلامى والطائفية والقبلية أو الحكم العسكرى.
طبعاً علينا أن نتذكر كم من الوقت استغرقت أمريكا فى بناء نظامها السياسى الليبرالى والعقبات التى

صادفتها حتى استقر نظامها، ومنذ نحو أربع سنوات فقط انتخبنا رئيساً أسود اسمه باراك، وكان جده مسلماً، واخترناه ليقودنا بعيداً عن أسوأ أزمة اقتصادية واجهناها خلال قرن كامل، ونفكر الآن فى استبدال الرئىس الأسود برئيس من طائفة المورومون ويبدو كل ذلك أمراً طبيعياً عندنا، ولكن هذا الأمر الطبيعى احتاج أكثر من مائتى سنة تخللتها حرب أهلية حتى أمكننا الوصول إليه.
أما العرب والأفغان فهم فى الحقبة الأولى، وها نحن نرى فى سوريا كيف دفع النظام الحاكم بسرعة الاتجاه نحو الديمقراطية إلى حرب طائفية، وعلينا أن نتذكر أن المعارضة فى سوريا بدأت كحركة سلمية أساساً نابعة من القوى الشعبية الفقيرة، وحركة سورية محضة تتجه نحو التغيير الديمقراطى، ولكن الرئيس بشار الأسد تعمد مواجهتها بالقتل والسم الطائفى، فقد أراد إظهار النزاع كما لو كان صراعاً بين طائفته العلوية الصغيرة وبين الأغلبية السنية فى سوريا، وذلك حتى يشوه الحركة الثورية ويبدو كمن يدافع عن طائفته العلوية، وقد كتب خبيرا الشرق الأوسط «بيتر هارلنج» و«سارة بيرك» اللذان كانا فى سوريا مؤخراً مقالاً ذكرا فيه أن النظام الحاكم فى سوريا بدلاً من الاتجاه للإصلاح يبدو أنه يدفع البلاد نحو الهاوية، فبمجرد أن بدأت حركة الاحتجاجات نشرت وسائل الإعلام الحكومية أفلاماً مفبركة عن أسلحة زعمت أن السلطات وجدتها فى أحد مساجد درعا وهى المدينة السورية الجنوبية التى بدأت منها حركة التظاهرات، وحذرت السلطات من أن التظاهرات التى اندلعت فى حمص كانت مقدمة لإقامة دويلة خلافة بها، وكانت هذه المحاولات من الدولة لخداع الجمهور تعنى أن النظام الحاكم كان واثقاً من أن التهديد بحرب أهلية سيضطر السوريين والقوى الخارجية إلى قبول الحفاظ على النظام القائم على اعتبار أنه الضمان الوحيد ضد انهيار الدولة.
ونرى كذلك نفس محاولات تزييف إرادة الرأى العام وحشد المشاعر فى أفغانستان، فقد أحرق بعض الجنود الأمريكيون خطأ عدة مصاحف واعتذر الرئىس أوباما عن هذا العمل، ورغم ذلك استمر الأفغانيون لمدة أسبوع يقومون باضطرابات ويقتلون أمريكيين أبرياء رداً على ذلك، ولم يجرؤ أى زعيم أفغانى حتى من حلفائنا أن يواجه
هذه العاصفة  ويقول للجمهور قفوا فأنتم على خطأ، رغم أنه فى كل أسبوع فى باكستان وأفغانستان والعراق يقوم انتحاريون مسلمون بقتل غيرهم من المسلمين ولا يحتج أحد على ذلك، ولكن حين تقع حادثة عرضية لحرق بعض نسخ المصحف من أمريكان يشتعل الغضب ويبدأ القتل، ألا يجب على المسلمين أن يسألوا أنفسهم عما يعنيه رد فعلهم على الحادثة العرضية؟
أما فى مصر فكل يوم يمر يتضح معه أكثر فأكثر أن الجيش قد استخدم ثورة ميدان التحرير للتخلص من منافسه الأول فى وراثة السلطة وهو جمال مبارك ذو الاتجاه الإصلاحى، أما وقد تم التخلص من جمال ومن أبيه فإن الجيش يظهر سطوته الحقيقية عن طريق محاكمة الأمريكيين والأوروبيين والمصريين العاملين فى مجال تدعيم الديمقراطية على زعم أنهم يتعاونون مع عملاء أجانب للمخابرات الأمريكية ولإسرائيل واللوبى اليهودى لزعزعة استقرار مصر، وهو اتهام زائف تماماً ولكن هدفه ضرب الديمقراطية الذين يطالبون بعودة الجيش لثكناته.
إن مرحلة الصحوة العربية الإسلامية قد انتهت، فنحن الآن فى أعماق مرحلة الثورة المضادة، حيث تحاول الأيدى الميتة المنتمية للماضى خنق المستقبل، إننى مستعد لبحث أى أفكار عن كيف نستطيع فى الغرب مساعدة قوى الديمقراطية لإنجاحها، ولكن فى النهاية فإن المعركة هى معركة أحرار العرب، وعليهم أن يكسبوها، وكل أمنيتى ألا تنتهى المعركة بانتصار المتطرفين وإزاحة المعتدلين من الساحة.
وإلى هنا ينتهى عرض فريدمان الملون بكل ألوان البراءة السياسية والرغبة فى مساعدة إخوته من العرب ولسنا ندرى لماذا أسقط من عرض الدور الإجرامى الذى يقوم به الاستعمار الأمريكى وعملاؤه فى المنطقة والمخطط الخاص بتفتيت دول المنطقة إلى دويلات متنافرة على أساس عرقى وطائفى يراقبه الشرطى الإسرائيلى، وهو المخطط الذى نجح حتى الآن فى السودان والعراق والبقية تأتى ما لم يتخلص العرب من حكومات العملاء، كما لم يقل «الأخ» فريدمان شيئاً عن كيف أرسل رئيسه ذو الجد المسلم أحد أعوانه وهو فرانك وايزنر للقاهرة فور اندلاع ثورة 25 يناير المجيدة، وحاول وايزنر ـ وكان المخلوع مازال فى الحكم ـ أن يقنعنا بأن المخلوع هو خير من يدير الفترة الانتقالية ليصل بالثورة إلى بر الأمان، وعندما سخر المصريون منه وأدرك الرئيس ذو الجد المسلم فى واشنطن أن ما حدث هو ثورة حقيقية لا سيطرة لأمريكا عليها سارع بالتبرؤ من وايزنر والزعم بأنه لم يكن مبعوثه بل قام بتصرف فردى من جانبه، عند ذلك أدرك الرئيس الأسود أن الأمر جدلاً هزل فحشد كل قواه وقوى عملائه المحليين للقيام بثورة مضادة وحصار الثورة الشعبية وشبابها الطاهر وتلويث صورتهم بكل الاتهامات الحقيرة التى ترددها أبواق الثورة المضادة، أغفل الأخ فريدمان كل هذا واكتفى بالحديث عن مواطن القصور فينا وعن الأمريكيين الأبرياء وعن رغبة مواطنين فى المساعدة على قيام الديمقراطية وسط إخوتهم العرب، حيث إن الذين اختشوا ماتوا، حيث إن الأخ فريدمان مازال حياً يرزق وفى تمام قواه العقلية وقدرته على التضليل فإننا نتطلع لقراءة المزيد من تحليلاته السياسية ومعرفة المزيد من مزايا وأخلاق بنى وطنه ونواياهم الطيبة نحونا.
-------
نائب رئيس حزب الوفد