رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

التيار الديني رهان أمريكا المقبل

احمد عز العرب

الجمعة, 09 مارس 2012 09:38
بقلم: أحمد عز العرب

في ضوء المخطط الأمريكي الذي لم يعد سرا والخاص بإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط إلي دويلات أصغر من الدول القائمة حاليا. وفي ضوء النجاح الذي حققه المخطط الأمريكي في السودان بتقسيمه إلي دولتين مع احتمال قيام دولة ثالثة في دارفور.

وفي ضوء النجاح الأمريكي في العراق بتقسيمه عمليا إلي كيان كردي في الشمال مستقل حتي بجيشه الخاص من قوات البشمرجا وكيان شيعي مسيطر علي الأقلية السنية. ولا يربط الكيانين إلا رباط واهٍ اسمه الدولة العراقية. وفي ضوء ما يحمله المستقبل من احتمالات لهذه المنطقة نري واجبا علينا إلقاء نظرة سريعة علي تاريخنا القريب بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبدء سيطرة أمريكا علي المنطقة وحلولها محل بريطانيا لنري إن كان التاريخ يعيد نفسه.
في مطلع 1952 من يناير حتي يوليو عندما وقع الانفلات العسكري في 23 يوليو كان الحكم الملكي يعيش آخر أيامه في شخص فاروق آخر ملوك أسرة محمد علي. وكانت آخر حكومات الوفد برئاسة الزعيم الخالد مصطفي النحاس قد ألغت معاهدة سنة 1936 بين مصر وبريطانيا في 8 أكتوبر سنة 1951، وبدأت كفاحا شعبيا مسلحا ضد المائة ألف جندي بريطاني الذين كانوا مازالوا يحتلون مصر متمركزين في قواعدهم حول قناة السويس. وكان إلغاء المعاهدة وبدء الكفاح المسلح قد فجر طوفانا من المد الثوري الديمقراطي. وكانت مصر في الطريق لثورة شعبية تصل بها حتما إلي الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وكان أمام الاستعمار والقصر الملكي حليفه عقبة أولي يتعين إزاحتها وهي حكومة الوفد التي كانت تدير الكفاح الشعبي المسلح. فدبر الحليفان مؤامرة حرق القاهرة في 26 يناير سنة 1952. وكانت الذريعة التي اتخذها الملك لإقالة حكومة الوفد وتعطيل الحياة النيابية وتكميم الصحافة تماما. واستمر الغليان الشعبي وكانت لحظة انفجاره وشيكة. وفي هذا الوقت كان هناك تنظيم سري معظمه من شباب ضباط الجيش يعمل سرا علي إسقاط النظام الملكي والوصول للحكم علي أمل إصلاح الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي وصلت له البلاد. وكان أمام الاستعمار البريطاني طريقان لا ثالث لهما. فإما أن يزحف بقواته من قواعده عند قناة السويس لإخماد الثورة الشعبية الوشيكة ويخوض بحرا من الدماء في حروب عصابات داخل المدن. وإما أن يترك تنظيم الضباط الأحرار يصل إلي السلطة ويسقط النظام الملكي. وليس معني ذلك أن الضباط الأحرار كانوا عملاء للبريطانيين أو متآمرين معهم. بل كانوا شبابا وطنيين محتمسين

لتغيير النظام ولكن طبيعتهم العسكرية ستؤدي بهم إلي إقامة حكم دكتاتورية عسكرية، حيث إنه الحكم الوحيد الذي يستطيعون القيام به. وكان هذا بالضبط ما تريده بريطانيا وهو أن يجهض الضباط الأحرار تيار الديمقراطية الذي كان سينبثق حتما عن الثورة الشعبية الوشيكة فلا يدخل جيش الاحتلال البريطاني بجنوده خلال بحر من الدماء لإجهاضها.
بمجرد نجاح الانقلاب العسكري في 23 يوليو 1952 بدأ صرح الحكم الدكتاتوري في القيام. وسرعان ما ألغيت الأحزاب وأقيمت المحاكم العسكرية لتصفية رموز النظام الملكي. وألغي الدستور وكممت أفواه الصحف. وجاءت فرصة أمريكا الذهبية لإخراج الاستعمار البريطاني من المنطقة والحلول محله. فعندما هجمت بريطانيا ومعها فرنسا وإسرائيل علي مصر في أكتوبر سنة 1956 إثر قيام جمال عبدالناصر بتأميم قناة السويس وقفت أمريكا ومعها الاتحاد السوفيتي ضد هذا العدوان الثلاثي. واضطر المعتدون إلي الانسحاب. وانفردت أمريكا بالنفوذ في مصر. وبخروج القوي الشعبية من المعادلة السياسية نتيجة الحكم الدكتاتوري كان سهلا علي أمريكا التعامل مع نظام عبدالناصر والأنظمة العسكرية الأخري في المنطقة. بدأت أمريكا بمساندة عبدالناصر في قيام الوحدة بين مصر وسوريا في فبراير 1958، حيث كانت سوريا علي وشك السقوط في قبضة الحكم الشيوعي وكانت الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بزعامة أمريكا والشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي علي أشدها. وتزايد نفوذ الحكم الناصري في المنطقة وأصبح عبدالناصر زعيما لتيار القومية العربية دون منازع. ولكن انفصال سوريا عن مصر بانقلاب عسكري 1961 دفع عبدالناصر إلي التطرف ناحية اليسار وتقوية علاقته بالاتحاد السوفيتي علي حساب علاقته مع أمريكا. وعندما وقعت الثورة العسكرية في اليمن سنة 1962 ضد حكم الأئمة المتخلف، سارع عبدالناصر بإرسال جيشه لليمن لمساعدة ثورتها. ودخل بذلك في مواجهة شديدة الخطورة ضد النفوذ الغربي عندما وضع جيشه بجوار منابع بترول الخليج المقدسة. وعملت أمريكا علي استنزاف عبدالناصر عسكريا عن طريق عملائها في السعودية وإمارات الخليج إلي ان استدرجته للفخ الأكبر في 5 يونيو 1967. فقد تعاقبت الأحداث ودبرت المؤامرة التي دفعت عبدالناصر إلي الخطوة الجنونية بإغلاقه خليج العقبة وهو
ممر مائي دولي في وجه الملاحة الإسرائيلية. وبذلك ظهر عبدالناصر بمظهر المعتدي أمام العالم. وشنت إسرائيل حربها الخاطفة في 5 يونيو 1967 وسحقت خلال ستة أيام كل الجيوش العربية التي واجهتها. وكانت هذه اللحظة الفارقة هي بداية أفول نجم القومية العربية وصعود نفوذ التيار الديني الذي وحدت فيه الشعوب العربية المتدينة بطبيعتها ملجأ وملاذا من الهزيمة المنكرة. وبدأت الدول العربية بما فيها مصر تعيد ترتيب أوضاعها منفردة مع الغرب بزعامة من أمريكا ومع قاعدته العسكرية في إسرائيل. وبعد أداء عسكري ممتاز في حرب أكتوبر 1973 بين مصر وسوريا وبين إسرائيل انتهت الحرب بمكسب جزئي للعرب حرك المياه الراكدة وأنقذ ماء وجههم بعد هزيمة 1967 فبدأت عملية الصلح المنفرد بين مصر وإسرائيل التي انتهت بمعاهدة كامب دافيد سنة 1979.
في هذه الأثناء كانت الشيوعية تتراجع بسرعة علي الساحة الدولية إلي ان انهار الاتحاد السوفييتي وتفكك تماما في نهاية سنة 1991.. وكان تيار القومية العربية قد تخطي مرحلة الاحتضار الي مرحلة الموت الإكلينيكي. وكان الفراغ السياسي في الدول العربية المحكومة بدكتاتوريات عسكرية أو ملكيات قبلية فراغا رهيبا لا يمكن استمراره في ظل وجود طبقات متوسطة صاعدة في هذه الدول وبطالة متزايدة بين الشباب خصوصا المثقف. وإعلام عالمي مفتوح يكشف لهم مدي الظلم الذي يعيشون فيه. وكان التيار الديني يستشري في هذه المجتمعات كالنار في الهشيم كبديل أوحد يجمع الثائرين. خاصة ما كان يقدمه هذا التيار من خدمات اجتماعية وصحية للفقراء من خلال أماكن التجمع الوحيدة المستحيل علي الدكتاتوريات الحاكمة منعها وهي المساجد. فضلا عما ناله هذا التيار من تعاطف شعبي نتيجة سنوات الاضطهاد الطويلة التي تعرض لها علي يد الدكتاتوريات الحاكمة.
وخلافا للنظرة السطحية للأمور فلم تكن أمريكا إطلاقا ضد وصول هذا التيار للحكم علي عكس ما يعتقد الكثيرون. فلهذا التيار مزايا هائلة من وجهة النظر الأمريكية أهمها أنه تيار له تواجد شعبي حقيقي في الشارع. وهو تيار فاشستي النزعة بطبيعته ويخضع أفراده خضوعا كاملا بصفة عامة لقادتهم. وبذلك يسهل علي أمريكا الوصول مع مجموعة صغيرة من القادة إلي اتفاقات تراعي مصالح الجانبين مع الفارق الهائل في القوة بين الطرفين طبعا. وليس معني ذلك انه سيكون عميلا محليا لأمريكا. فلكل جانب أجندته التي تتوازي أحيانا وتتقاطع أحيانا. وعندما تتقاطع تقلب له أمريكا ظهر المحبة كما فعلت مثلا مع الخوميني الذي ساعدته في العودة من المنفي ليقود ثورة ضد الشاه الذي كان قد أصبح خطرا شديدا علي مصالح أمريكا في الخليج نتيجة طموحاته الكبيرة. وعندما بدأ خوميني العمل لصالح بلده إيران بدأت أمريكا حصاره ومازالت تعمل المستحيل لإسقاط حكم خلفائه وتدمير إيران علي من فيها.
إذا كان السرد أعلاه سليما فهو يوضح لنا ما يدور في مصر الآن علي مسرح سياسي يغلي.. وما تردده الروايات من حلف بين العسكر والإسلام السياسي لا يغضب أمريكا. أما إن كان السرد أعلاه خاطئا فإننا نفوز بأجر المجتهد علي أقل تقدير.
------
نائب رئيس حزب الوفد