رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الربيع العربي يرعب إسرائيل «2»

احمد عز العرب

الجمعة, 17 فبراير 2012 09:12
بقلم: أحمد عز العرب

عرضنا في الحلقة السابقة الجزء الأول من تحليل الكاتب الإسرائيلي شامير الذي نشره علي موقع جروب إنفور رميشن في 24/9/2011 والذي يوضح مدي القلق العنيف الذي يعيشه الإسرائيليون نتيجة ثورات التحرير الديمقراطي الذي يجتاح العالم العربي.

وتوابع هذا الزلزال التي بدأت تتوالي في رأيه مثل الهجوم علي السفارة الإسرائيلية في القاهرة. ومطالبة الفلسطينيين بدولة مستقلة. ويقول شامير إن المنطقة يعاد تشكيلها. ويشرح لماذا يطالب الفلسطينيون بدولة مستقلة ويقول ان تيار القومية العربية الاشتراكية يحتضر حاليا في كل المنطقة. وأن الاشتراكيين العرب قدموا تنازلات هائلة فقدوا بسببها تأييد شعوبهم. وأن قيام محمود عباس بما يفعله لإنشاء دولة فلسطينية هو محاولة يائسة للبقاء علي الساحة السياسية. ولكن الفيتو الأمريكي الذي يضطر له أوباما يسحق أمل عباس في دولة مستقلة. رغم أن تصرف أوباما سيكون أثره مدمرا علي مصالح أمريكا في الشرق الأوسط.
وفي هذا الجزء الثاني والأخير يشرح شامير من الذي سيحكم الشرق الأوسط من وجهة نظره. يقول شامير انه بعد هزيمة القومية العربية لا يستطيع أحد حكم الشرق الأوسط ما تم تم تؤيده الجماهير. وليس هناك قوة دفع في المنطقة تحرك جماهيرها أفضل من مهاجمة «الغزاة اليهود». وليس السبب في ذلك هو التعصب أو العداء للسامية ولكن الحب الشديد للأرض المقدسة وما لاقاه أهلها من معاناة علي يد الصهيونية. وتقول الأمثلة الشعبية ان اليهود الذي اعتاد علي خدمة حكام أغراب عنه لم  يستطع تطوير مشاعر إنسانية تمنعه من إساءة معاملة أهل فلسطين. ولذلك نجح في تكتيل مشاعر أهل المنطقة ضد مشروعه الصهيوني.
والمحك الحقيقي للحاكم في الشرق الأوسط هو تصرفه نحو الأرض المقدسة. ونحن اليهود قلقون علي مصير هذه الأرض أكثر من قلقنا علي الديمقراطية والليبرالية. وقد كتبنا في فبراير الماضي أن مايحدث في المنطقة هو نهاية النظام الإسرائيلي الأمريكي الذي نشأ باتفاقيات كامب ديفيد. ونري الآن نظاما جديدا في الطريق. فمن يريد حكم المنطقة عليه التفكير في فلسطين. وإبداء الاهتمام بها هو وسيلة الوصول للزعامة. وقد فعلت تركيا ذلك!! فبعد انتظار طويل قامت حكومة أردوغان بعدة خطوات حاسمة: أعادت السفير الإسرائيلي إلي بلده. أوقفت التعاون العسكري مع إسرائيل وشراء الأسلحة منها. ووعد أردوغان أن يحضر بنفسه إلي غزة علي متن أسطوله الحربي لحمايته. وكانت النتائج باهرة!! فعند زيارته للقاهرة هتف له المصريون بأنه صلاح الدين الجديد، وريث الخلفاء الذي هزم الصليبيين في معركة حطين سنة 1187. عومل أردوغان كبطل ومنقذ. فإذا كانت هذه هي المكافأة التي تلقاها علي كلماته. فماذا ستكون المكافأة علي أفعاله؟ إن مصر جاهزة لثورة جديدة:

لقد أسقط المصريون الحائط المحيط بسفارة إسرائيل واقتحموها. وعبروا عن عدم رضاهم عن المجلس العسكري الحاكم بسبب تقاعسه عن الفعل الحاسم وبسبب استمراره في سياسات مبارك. والواقع أن المصريين لا يجدون نتائج تذكر من ثورتهم في فبراير والألف شهيد الذين ماتوا فيها. لقد اختار مبارك المشير طنطاوي لخلافته منذ سنين عدة. ولم يتغير النظام السياسي. والانتخابات يتم تأجيلها. ويستمر حصار غزة. وحتي قتل جنود مصريين علي يد الإسرائيليين لم يغير العلاقة بين الدولتين. إن تركيا لديها الشرعية لإقامة نظام جديد بالمنطقة. ولتسمية نظام الخلافة لان الخلافة اسم بديل للامبراطورية العثمانية. مثل نظام الوحدة الأوروبية. كانت اسطنبول مقر الخلافة الأخير حتي نهاية الحرب العالمية الأولي. وتعتبر العاصمة الطبيعية للشرق الأوسط منذ القرن الرابع الميلادي - عندما كانت عاصمة الدولة البزنطية - وكانت نهاية العلمانية العنيفة التي أقامها أتاتورك علي يد حزب العدالة والتنمية الإسلامي قد فتحت الباب لتركيا لمحاولة إحياء الخلافة. فتركيا قائد طبيعي. وإذا تفككت الدولة السورية فإن تركيا تستطيع جمع الانقاض داخل دولة الخلافة.
ولكن تركيا ليست القوة الوحيدة التي تحاول السيطرة علي المنطقة. فقد قامت قوة جديدة في الشرق الأوسط في هذه الأثناء يقودها السعوديون وحلفاؤهم القريبون مثل قطر. إن لديهم أموالا هائلة. ولديهم أداة إعلامية في غاية القوة هي قناة الجزيرة. وهم مسلمون متعصبون. ويعادون الاشتراكية بشدة. وينوون إعادة تشكيل المنطقة حسب مزاجهم. وهم أول المستفيدين من هجوم حلف الناتو علي ليبيا. وقد أنفقوا أموالا ضخمة لزعزعة استقرار سوريا. وحتي وقت قريب ظلوا مختفين في الظل. ولم يخرجهم إلي النور إلا القضية الفلسطينية. وقد كتب الأمير تركي الفيصل في جريدة نيويورك تايمز يقول: «إن السعودية ستفترق عن أمريكا إذا استعملت أمريكا الفيتو ضد قيام الدولة الفلسطينية». ولا يفعلون ذلك في سبيل الشعب الفلسطيني فقط. ولكنها أيضا محاولة واضحة للسيادة الإقليمية. فالسعوديون يتنافسون أيضا علي تاج الخلافة ويريدونه لأنفسهم. وقد انفقوا مبالغ طائلة في سبيل هذه الغاية علي مدي فترة طويلة. وقد حطموا القذافي ويعملون الآن علي إسقاط الأسد. ولديهم علاقات متينة مع حزب العدالة والتنمية التركي. وأروغان وعبدالله جول صديقان مقربان لهم. وقد عاشا بعض الوقت في السعودية. واستفادا من معاونة السعوديين لهما.
وإذا كان السعوديون يريدون أن تكون لهم اليد العليا فعليهم أن يضعوا مزيدا من الجهد في القضية الفلسطنية.
ربما تكون تركيا هي المرشح الأكثر واقعية لزعامة الخلافة. فهي دولة كبيرة مزدهرة حديثة. وإسلامها لديه جانب قوي من الصوفية - ولا ننسي ان الشاعر الصوفي العظيم ابن الرومي هو معبود الأتراك - أما السعوديون ذوو الإسلام المتطرف الذي تمثله السلفية والوهابية فلا شك أن فرصهم في النجاح أقل من تركيا. ومن الناحية التاريخية فلم تستطع المدينتان المقدستان مكة والمدينة الاحتفاظ بمقر الخلافة بهما. وربما تفشلان في ذلك هذه المرة أيضا ما لم تجدا من طموحاتهما وتلعبا دور المساعد لتركيا.
إن أمام أمريكا اختيارات صعبة. فلو استعملت حق الفيتو ضد طلب فلسطين إنشاء دولة مستقلة فسيكون ذلك طبلا أجوف. ولكنه سيكون دليلا علي الانحياز الأمريكي لإسرائيل. ولن يساعد الأوروبيون أمريكا. فإنهم لم يقوموا بقصف ليبيا بطائراتهم ليقدموا مكاسبهم للصهيونية. فأمريكا عاجزة عن التخلص من أحضان اليهود.
ربما تعود إسرائيل لرشدها وتسترخي أمام تصويت الأمم المتحدة كما يقترح حزب كاديما علي الإسرائيليين. فحتي لو صدر القرار لصالح إنشاء دولة فلسطينية فإن إسرائيل مازال لديها أقوي جيش في المنطقة وتتمتع بتأييد أمريكي غير محدود. ويستطيع الإسرائيليون تجاهل القرار كما تجاهلوا مئات من قرارات الأمم المتحدة في الماضي. وليذكروا مقالة بن جوريون الشهيرة. «من ذا الذي يكترث بما يقوله الأغيار؟ المهم هو ما يفعله اليهود». وقد كتب الفيلسوف العربي الأمريكي جوزيف مسعد يقول أن إسرائيل هي الرابحة علي أي حال. فإذا نجح الفلسطينيون في الحصول علي قرار بدولة فلسطينية مستقلة فستكون مجرد «بانتوستان» صغير. وإذا فشلوا فسيفقدون الحماس والنفس الطويل.
وقد سجل علي أبونعمة عدة أسباب ضد الطلب الفلسطيني بدولة مستقلة. فالواقع ان استقلال السلطة الوطنية الفلسطنيية ليس هو الهدف. ولن يحل مشكلة عودة اللاجئين لديارهم أو مشكلة الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية أو مشكلة التمييز ضد الفلسطينيين المقيمين في إسرائيل. ولكن علينا ألا نقلق. فمحاولة محمود عباس إقامة الدولة لن تنجح كل ما ستفعله هو تحريك القضية الفلسطينية. وستمسح الأقذار التي تلطخ وجه نتنياهو وليبرمان. وستزعزع السيطرة الأمريكية علي المنطقة. والأهم من ذلك أنها ستساند ديناميكية جديدة شديدة السلبية لإسرائيل حتي ولو لم تقصم هذه القشة ظهر البعير.
علي أي حال فالفلسطينيون لا يستطيعون حل هذه المشكلة وحدهم. فالقضاء علي النظام العنصري الإسرائيلي ستقوم به دولة الخلافة المستقبلة. وسيكون في ذلك أكبر دعم لشرعية الخلافة وشعبيتها.وإلي هنا ينتهي تحليل شامير المذعور الذي ينضح بالتشاؤم والقلق علي مستقبل إسرائيل واليأس من حماية أمريكا لها مستقبلا عند الضرورة. ولكن كل هذا المصير الذي تتمناه للكيان الصهيوني اللقيط المغتصب لن يتم من تلقاء نفسه. فما لم تقم الشعوب العربية بأخذ مصائرها في أيديها وسحق أنظمة الحكم العميلة بالمنطقة ومحاولاتها المستميتة حاليا للقيام بثورة مضادة ضد الربيع العربي مستعينة بكل قوي الشر في المنطقة فسيبقي الحال علي ما هو عليه. ولكن ثورات الربيع العربي التي دمرت للأبد حاجز الخوف كفيلة بتدميره من جديد لو نجحت الثورة المضادة مرحليا في إجهاض. فله القدرة الكاملة علي جولة ثورية جديدة ستكون أكثر دموية من سابقاتها. والتاريخ خير شاهد علي مصائر الثورات المضادة في نهاية المطاف.
------------
نائب رئيس حزب الوفد