الاستعمار الغربي يخلع برقع الحياء

احمد عز العرب

الجمعة, 11 فبراير 2011 11:46
بقلم: أحمد عز العرب

لم يدهشنا أن نسمع خلال المؤتمر الذي سمي الامني الغربي المعقود في مدينة ميونيخ الألمانية أوائل هذا الشهر لم يدهشنا أن نسمع وزيرة خارجية أمريكا تلبس ثوب سلفها الشهير جون فوستر دالاس الذي كان يهدد ويتوعد كل من يحاول الخروج من بيت الطاعة الامريكي

حتي تمكن أبطال الثورة الفيتيامية من سحق العنجهية الامريكية ووضع أنف أمريكا في التراب. تنسي خليفته هيلاري كلينتون هذا وتعلن في استعلاء من فوق المنبر الاستعماري في ميونيخ ان أمريكا مع الديمقراطية التي انفجرت ثورتها الرائعة في مصر ولكن أمريكا لا تسمح أن يكون وسط القوي السياسية المصرية المطالبة بالديمقراطية أي قوة تري أمريكا انها لا تصلح للممارسة الديمقراطية، ولم يدهشنا أن يعلن رئيس وزراء بريطانيا من فوق المنبر الاستعماري الكريه أنه يؤيد الديمقراطية في مصر ولكن بناءها يحتاج لقرون كما حدث في بريطانيا لان سرعة اقامتها في مصر ستؤدي الي اقامة إما ديكتاتورية مدنية أو ديكتاتورية دينية. يتصور الطفل المعجزة زعيم حزب المحافظين البريطاني انه مازال يعيش في عهد سلفه اللورد كرومر الذي كان يحكم مصر حكماً مطلقاً خلال الاحتلال البريطاني لمصر عندما كانت بريطانيا امبراطورية عظمي لا تغرب عنها الشمس.
يبدو ان الفتي ضعيف البصر ولم ير أن شمس الامبراطورية قد غربت للابد ودفنت جثتها العفنة في مياه قناة السويس عندما فشل العدوان علي مصر سنة 1956. ولم يدهشنا أن نسمع المستشارة الالمانية ميركل سليلة عدو الانسانية النازي المنقرض أدولف هتلر الذي صنف البشر الي طبقات يجلس الجنس الالماني الآري فوقها ويقبع العرب في المرتبة الثالثة عشرة فوق القرود مباشرة. لم يدهشنا أن نسمع هذه المرأة ابنة الدم الآري تعلن من فوق منبر الشر الاستعماري انها ترفض اجراء انتخابات ديمقراطية في مصر حالياً لان ذلك سيكون خطراً جسيماً علي مصالح الغرب في المنطقة. ولم يدهشنا أن ينعق الغراب العجوز شيمون بيريز في مؤتمره الصحفي في اسرائيل قائلاً ان الرئيس مبارك هو القائد الذي اتسم بالحكمة والحرص علي السلام وأن علي الغرب تأييده ومساندة حكمه حتي لا ينهار السلام، أي حتي لا تضيع المنطقة وتضيع
مواردها وعلي رأسها النفط من يد الغرب الذي أنشئت اسرائيل كقاعدة عسكرية للغرب في المنطقة للمحافظة علي مصالحه وإبقاء شعوب المنطقة متخلفة تابعة للغرب. وما قاله بيريز متفق تماماً مع ما قاله وزير الامن الاسرائيلي آفي ديختر في محاضرة علنية لاجهزة الامن الاسرائيلية نشرناها تفصيلا ً دون حذف أو إضافة في مقالين بصحيفة الوفد في 2009/6/5 و2009/6/12 علي التوالي تحت عنوان: »هل تحكم اسرائيل مصر سراً«. قال ديختر في هذه المحاضرة العلنية »ان أكبر كارثة يمكن أن تلحق باسرائيل هي انفجار ثورة شعبية حقيقية في مصر تؤدي الي قيام ديمقراطية يسيطر فيها المصريون علي مصائرهم«.
الواقع اننا لا نستطيع أن نلوم هؤلاء الناس علي شرورهم واستعلائهم علينا. فقد عاشوا حقبات طويلة بل قروناً عدة يحكموننا من خلال أنظمة حكم عميلة عسكرية أو قبلية أو حتي مدنية تقمع شعوبها وتسحق حريتها وتسلم مواردها لسادتها في الغرب مقابل حماية الاستعمار الغربي لها وترك فتات الموائد للعملاء ينهبون ما تبقي من الثروات ويهربونها للخارج. فاذا تعرض أحد العملاء للسقوط علي يد عميل جديد يلقي الاستعمار به في سلة المهملات كما يلقي بقشرة الليمون بعد عصرها. ولكن وحتي عهد قريب كان العميل الساقط يهرب الي منفاه ويعيش في رغد علي الملايين بل المليارات التي نهبها من شعبه.
ان تاريخ مصر كبري الدول العربية بالذات مع الاستعمار الغربي ينضح بشر الغرب وإجرامه في حقنا. فبعد ثورة سنة 1919 الخالدة صدر دستور سنة 1923 وبدأت مصر تتطور علي طريق الديمقراطية.. تتعثر أحياناً نتيجة مقاومة القصر الملكي الذي كان في حماية الاستعمار البريطاني عندئذ وتتقدم أحياناً أخري. حتي وصل التطور الديمقراطي في مصر الي مدي غير مسبوق خلال فترة حكم وزارة الوفد الاخيرة من مطلع سنة 1950 حتي بداية سنة 1952. وكانت نتيجة هذا التطور
الديمقراطي الغاء معاهدة سنة 1936 التي كانت آخر قيد يربط مصر بالاستعمار وبدء الكفاح المسلح ضده بقيادة حكومة الشعب الوفدية نفسها. وحيكت مؤامرة حرق القاهرة وأقيلت الحكومة الوطنية وتعطل الدستور. ولكن الاستعمار البريطاني كان من الوعي وادراك ان ثورة شعبية ستنفجر حتماً قريباً. وأن إجهاضها لن يكون إلا ببحر من الدماء يخوضه جيش الاحتلال البريطاني في مصر.
فكان الاسهل علي الاستعمار أن يترك مجموعة الضباط الشباب الذين كونوا جمعية سرية باسم »الضباط الاحرار« تقفز للسلطة وتعزل الملك. كان الاستعمار يدرك بعبقريته الشريرة وتجاربه السابقة أن هؤلاء الضباط الشبان الذين لم يكونوا من صنعه أو تحت سيطرته ولكن طبيعتهم العسكرية ستؤدي حتماً الي اقامة نظام حكم ديكتاتوري يقوم نيابة عن الاستعمار بسحق التطور الديمقراطي وإخراج القوي الشعبية من اللعبة السياسية تماماً وهو ما حدث فعلاً. ولو أراد الاستعمار البريطاني سحق الانقلاب العسكري الذي وقع سنة 1952 بحجة حماية الملك الشرعي لتغير مجري التاريخ قبل غروب شمس 23 يوليو سنة 1952.
استقرت المنطقة في كنف الاستعمار الغربي تديرها أنظمة عميلة يحميها الاستعمار طالما حققت مصالحه. فان خرجت عن طاعته دبر ضدها انقلاباً يضع عميلاً آخر في السلطة أو سلط عليها كلب حراسته الاسرائيلي لسحق تمردها كما حدث في يونيو سنة 1967. ولكن المولي تبارك وتعالي الذي لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم أراد ألا يترك أمة العرب فريسة أخطاء وخطايا الاجيال الخانعة التي تراخت في مواجهة الديكتاتوريات العميلة الخائنة التي استشرت كالسرطان في جسد الامة تنهب مواردها وتسلبها حريتها ورزقها. فبث في قلوب الشباب الابطال في تونس وقلوب الشباب الابطال في مصر جذوة مقدسة انفجرت في ثورات لم يتخيل أحد أن تكون بهذا العنف وهذا الاصرار فبدأ استرداد كرامة أمن العرب وبدأ التاريخ يبتسم لها بعد أن كان يبصق عليها ويحتقرها لاستسلامها للطغاة الذين تقوم عروشهم الظالمة علي صرح من الرمال ينهار أمام أول هبة مخلصة. نقول لأشرار الاستعمار في الغرب لا لن تملوا علينا مستقبلنا.
لا لن نستسلم لإملاءاتكم بشأن من يحكمنا. ان كان حسني مبارك موضع رضاكم الي هذا الحد فخذوه ونصبوه حاكماً في احدي بلدانكم أو استضيفوه واتركوه يعش لديكم علي ثروته في بنوككم. ولكننا وراء شبابنا لن ترضي برحيله الفوري بديلاً.. ونقول لشبابنا استمروا علي بركة الله حتي تحقق ثورتكم أهدافها وتقوم في مصر ديمقراطية حقة. وآخر كلمة نوجهها لاشرار الغرب: ان كنتم تريدون مواجهة الامة العربية فسوف تدركون انها ليست أقل اصراراً من شعب فيتنام العظيم علي استرداد حريتها مهما كان الثمن الذي ستدفعه من شهدائها حتي تسحق كل مصالحكم بالمنطقة. وعليَّ وعلي أعدائي يارب.