برلمان التيار الإسلامى إلى أين؟

احمد عز العرب

الجمعة, 30 ديسمبر 2011 08:56
بقلم - أحمد عزالعرب

أصبح واضحاً تماماً الآن وحتى قبل إجراء الجولة الثالثة للانتخابات أن التيار الإسلامى بفرعيه فى حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب التابعة للتيار السلفى ستكون له أغلبية مطلقة وكبيرة فى البرلمان المقبل تزيد على الثلثين مما يجعل من المستحيل ألا يكون لهذا التيار التحول الرئيسى

فى هذه المرحلة من أول خطوة نحو الديمقراطية بعد ثورة 25 يناير المجيدة، ولكن نظراً لتشابك الصورة وتعدد القوى اللاعبة على الساحة من قوى داخلية وخارجية يتعين قبل الكلام عن أى استنتاجات عن المستقبل وضع العوامل الأساسية المتحكمة فى المسرح السياسى أمام أعيننا.
1 ـ بصراحة ودون أى لف أو دوران فالقوى المعادية لثورة 25 يناير تتمثل أساساً فى أمريكا وإسرائيل والسعودية وإمارات الخليج، وكل هذه القوى ترى فى قيام ديمقراطية حقيقية فى مصر كارثة تامة عليها، بالنسبة لأمريكا وإسرائيل، فالكارثة تتمثل فى ضياع السيطرة على مصر وبالتالى مصالحها فيها، وعودة القرار إلى شعب واع مستعد لأى تضحية دفاعاً عن مصالحه واستقلال قراره، وبالنسبة لعرب السعودية والخليج فالكارثة تتمثل فى أن نجاح ثورة ديمقراطية فى مصر سيكون مثالاً يحتذى لشعوبها وستطبق حتما فى المستقبل قريباً أو بعيداً، خاصة إذا راعينا أن النخب المثقفة فى هذه الدول من غير أعضاء الأسر الحاكمة هى نخب واعية تشعر بحرمانها السياسى وتطالب بحقها فى الحكم والثروة الطائلة، ولن يهدأ لها بال حتى تصل إلى كليهما.
2 ـ كل ما يدور فى مصر حالياً من انفلات أمنى وتدمير وتباطؤ يصل إلى مرحلة التواطؤ ضد كل أهداف الثورة هو نتيجة طبيعية لكل ما تدبره القوى المعادية للثورة من مؤامرات، فالتمويل الخارجى الذى تغدقه هذه القوى على متطرفى الداخل هو تمويل هائل لم يعد يخفى على أحد، والتمويل الداخلى الذى تقوم به الثورة المضادة من أنصار النظام الذى سقط رأسه الفاسد فقط، وبقيت جثته سليمة إلى حد كبير هو تمويل هائل بدوره تموله المليارات التى نهبها الفلول خلال وجودهم فى قمة السلطة.
3 ـ المجلس العسكرى الحاكم فى كل تصرفاته لا يمثل الثورة ولم يحقق أياً من أهدافها الرئيسية للآن، سواء فى ذلك سرعة محاكمة مجرمى النظام الساقط والقصاص منهم أو استرداد الأموال المنهوبة، فضلاً عن استمراره فى نفس جرائم النظام الساقط من قتل وتعذيب وإذلال لشباب الثورة وتوجيه الاتهامات الباطلة لهم بالعمالة والخيانة، وإذا كان المجلس العسكرى قد امتنع عن ضرب الثورة فى أيامها الأولى فقد كان ذلك حتى يتم إجهاض مشروع التوريث الذى كان يمثل تهديداً مباشراً لمصالح القوات المسلحة التى تسيطر اقتصادياً على نحو ثلث الاقتصاد المصرى، وكان نجاح مشروع التوريث يهدد هذه السيطرة عندما يحاول عصابة ما يسمى برجال الأعمال المحيطة بالوريث الاستيلاء على هذه المشروعات العسكرية من الجيش تحت راية الخصخصة، ولذلك فبمجرد سقوط رأس النظام المخلوع وسقوط الوريث معه أثبتت كل تصرفات المجلس العسكرى أن الثورة ليست له وأن السير الحقيقى على طريق ديمقراطية كاملة يهدد مصالحه فى النهاية ويفقده السيطرة التى استمرت له بمختلف الصور ستين عاماً منذ انقلاب يوليو 1952.
4 ـ هذا النجاح الكاسح للتيار الدينى فى الانتخابات يجب ألا يدهشنا عندما نحلل العوامل التى أدت إليه، فتيار الإخوان المسلمين بالذات ظل طوال الأربعين عاماً الماضية يتغلغل فى العشوائيات والأحياء الفقيرة، يقدم لها المعونات الغذائية والخدمات الصحية، ويقيم لها مستشفى أو مستوصفاً فى كل مسجد ينشئه ويعالجها مجاناً أو بأجور رمزية، ويقيم حلقات تقوية دراسية لأبنائها تغنيهم عن الدروس الخصوصية التى لا طاقة لهم بنفقاتها، وطبعاً يكون التبشير بمبادئ الإخوان وسياساتهم جزءاً لا يتجزأ من العلاقة بينهم وبين هذه الفئات الفقيرة، ولذلك فمن الطبيعى جداً أن ترد هذه الفئات لهم الجميل فى وقت الانتخابات، هذا فى الوقت الذى كان النظام الدكتاتورى الذى سقط رأسه فى 25 يناير عدواً لدوداً لكل الأحزاب التى صرح لها بالعمل، ويحاصرها فى مقارها ويحظر عليها النزول للشارع، ولذلك تحولت كلها من

ليبرالية ويسارية وناصرية إلى ديكور سياسى لتجميل وجه الديكتاتورية أمام العالم، ولم تحاول هذه الأحزاب والتيارات المدنية منافسة التيار الدينى فى التغلغل وسط الأحياء الفقيرة والعشوائية بأى مستوى من المنافسة، وحتى عندما اندلعت ثورة 25 يناير المجيدة وخرجت الأحزاب المدنية إلى العمل السياسى الحر لم تنطلق نخبتها إلى الفقراء فى عقر عشوائياتهم وإنما انطلقت فى معظمها إلى شاشات الفضائيات تعلن عن كفاحها وبطولاتها ضد النظام الذى سقط رأسه، لذلك كانت الفجوة هائلة بين تأثيرها فى الفقراء وتأثير التيار الدينى فيهم.
5 ـ لا شك أن التيار الدينى لجأ خلال الانتخابات إلى الكثير جداً من الألاعيب والممارسات غير القانونية بل وغير الأخلاقية، وأن المشرفين على الانتخابات قد أغمضوا عيونهم عنها، ولا شك أن التيار السلفى قد تلقى دعماً مالياً هائلاً من الوهابيين وإمارات الخليج مما كان له أثر كبير على نتائج الانتخابات، ولكن الحقيقة التى لا يجب إنكارها أن الكثير جداً ممن أعطوا أصواتهم للتيار الدينى فعلوا ذلك رداً لجميل هذا التيار وخدماتهم لهم.
6 ـ عشرات الآلاف من الشباب الطاهر الواعى الذى فجر ثورة 25 يناير المجيدة نجح فى إسقاط رأس النظام العفن، و،لكنه لم ينجح بعد فى إسقاط النظام لسبب واضح وهو أنه لم ينشئ بعد تنظيمه السياسى الذى يخوض به الانتخابات ويصل للحكم حتى يتمكن من تنفيذ أهداف ثورته، تماماً كما حدث لثورة 1919 الخالدة، فقد استغرقت خمس سنوات حتى أعلن دستور 1923 وجرت الانتخابات سنة 1924 التى اكتسحها الوفد وقامت حكومة الشعب برئاسة الزعيم الخالد سعد زغلول وبدأت فى تحقيق أهداف الثورة.
7 ـ رغم أن التيار الدينى قد أخذ البرلمان على طبق من فضة وحرم منه شباب الثورة الذين أشعلوها فإن هذا الشباب الطاهر الواعى قد حقق نصراً ضخماً فى هذه الانتخابات لم ينتبه له الكثيرون، كانت خطة المجلس العسكرى على ما يبدو إنتاج برلمان متوازن من ثلاث قوى: التيار الدينى والتيارات المدنية وتيار كبير من فلول النظام الساقط تسانده العصبيات ومراكز القوى والأموال التى ينهبونها، وبذلك يمسك المجلس العسكرى خيوط السلطة من وراء ستار، حيث لم يعد ممكناً وضع عبدالناصر آخر فى الواجهة، وبذلك يضرب المجلس هذه القوى الثلاث بعضها ببعض وتبقى السلطة الحقيقية فى يده، ولكن شباب الثورة الطاهر الواعى نجح نجاحاً ساحقاً فى نشر أسماء كل الفلول المرشحين فى الانتخابات على آلاف المواقع فى طول مصر وعرضها ودعا الشعب إلى إسقاطهم فى الانتخابات، واستجاب الشعب الواعى إلى شبابه الطاهر الذى فجر ثورته وسقط مرشحو الفلول سقوطاً مدوياً فى هذه الانتخابات.
8 ـ سيواجه التيار الدينى منافسة شرسة على السلطة من المجلس العسكرى الذى مازالت لديه الشرعية والدبابات، ولن يسمح له المجلس بأى دور رئيسى فى وضع الدستور الجديد أو تعيين الوزارة أو سحب الثقة منها، وإن اشترك فى ائتلاف وزارى حاكم سيكشف أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يكفيان لحل المشاكل الهائلة التى تحيط بمصر فى الاقتصاد والصحة والتعليم، أو فى تشغيل العاطلين، وسيضطر إلى تقديم التنازلات السياسية التى تسحب من رصيده لدى المتشددين دينياً وبالتالى تهز صورته المثالية التى كانت له فى أذهانهم.
نقول فى ختام هذا العرض إن كل ذلك سيكون مرحلة انتقالية قد تمتد مالا يزيد فى تقديرنا على أربعة أعوام ستكون أعواماً من التجربة والخطأ وستشهد صراعات هائلة بين أطراف اللعبة السياسية من أعداء لهذه الثورة وأصدقائها، ونتمنى من المولى ألا تنحدر هذه الصراعات إلى صراعات دموية، وفى أثناء هذه المرحلة الانتقالية سيكون شباب هذه الثورة المجيدة قد أقام تنظيمه السياسى ورسخ دعائمه بين جماهير الشعب التى شاهدت تضحياته الهائلة من أجله على مدى الثورة، وسيكون قد اختار لطليعته التى ستدير سياسته رمزاً وطنياً جليلاً يعتز به، وستكون الانتخابات المقبلة، التى يخوضها هذا الشباب الطاهر هى المحك الذى سيثبت به للعالم أن ثورته المجيدة قد انتصرت رغم أنف الأعداء والحاقدين.
-------
نائب رئيس حزب الوفد